الرئيسية » مقالات » هديّة حسين: عن نوبل وجائزته

هديّة حسين: عن نوبل وجائزته

hadiya-5عفواً سيدي ألفريد نوبل، أريد أن أقلق راحتك الأبدية بهذه الرسالة، لا شك بأنك عبقري لأنك جئت بما لم تأت به الأوائل، لقد بدأتَ الشرارة الأولى في التدمير، قد لا تكون وقتها أدركت ما ستؤول إليه الأمور على هذا النحو، لكنك بالتأكيد تدرك مدى ما قمت به من فعل شنيع، ومع ذلك لم تتراجع، ولم تشعر بالندم إلا في اللحظات الأخيرة من عمرك الذي امتد حتى الى ما بعد الستين بثلاث سنوات، وكنت وقتذاك ممدداً على فراش المرض.
وحتى هذا الشعور المتأخر لم ينفع البشرية في شيء، بل كان تكريساً لهوسك بالاختراع الرهيب وببقائك في بطون صفحات التاريخ المكتوب، فلكي تخفف من وطأة ذنوبك أوصيت بثروتك للعلماء والموهوبين، وكان أجدر بك أن توصي بها لضحايا اختراعك المميت الذي يحصد الآلاف من البشر منذ أيامك الرهيبة وحتى اليوم، والبعض يقول بأن العلماء والموهوبين لا يهمونك في شيء وإن الدافع الحقيقي وراء ابتكار جائزتك هو لكي تحرم أولاد أخيك من ثروتك الطائلة، وهذا أمر ليس بالغريب على نواياك السيئة، فمن اخترع أسرع وسائل التدمير البشري سيكون عليه سهلاً أن يفعل مابوسعه لمنع وصول الثروة الى أقربائه.
لماذا اخترعت الديناميت يا نوبل؟
بالتأكيد أردت أن تدخل التاريخ من أبشع أبوابه، وأردت أن تجمع المليارات من خلال بيعك هذه المادة القاتلة الى تجار الموت.. وأنا من ناحيتي أضيف سبباً آخر قد لا يخطر على بال الكثيرين ممن قرأوا مذكراتك، إنه الانتقام من العالم الذي لم تجد فيه لقلبك متكأً في الحب، حيث كانت النساء تهرب منك حتى قبل اختراعك الديناميت، شيء ما، ربما هاجس، أبعد النساء اللواتي أحببتهن عنك، حتى أنيتا التي تولهت بها صارحتك “لا أملك مشاعر الحب تجاهك” فحولتها الى صديقة لكي تحجّم خسارة قلبك، وأطلعتها على اختراعك المدمّر “هذا السائل يا أنيتا سيهز العالم، إذا اقتربت منه بعود ثقاب أصبح هذا المكان حطاماً في لحظة واحدة.
حتى وأنت طريح الفراش فإنك تحاول أن تبتكر لعبة يتسلى بها الناس، لعبة طويلة الأمد، فقط لتبقى في الذاكرة، لا تريد أن تُنسى، لذلك ابتكرت لنا لعبة الجائزة التي تحمل اسمك، متمنياً لأحفادك حظاً سعيداً ليديموا لعبة الموت من بعدك ويطوروها، لكي تستمر أنت في حياتنا، نتابع إعلان جائزتك سنوياً ونُعمل مجساتنا لكي نتوقع من يستحقها، ناسين أو متناسين ضحاياك.nobel
فترة زمنية طويلة بين اختراعك للديناميت وبين موتك، طولها تسعة وعشرون عاماً، لم يراودك فيها شعور بالندم، لكن ندمك المتأخر لم يأتِ بنتيجة لضحاياك، بل ازدادوا عدداً، أصبحوا بالملايين، قتلى وأسرى ومفقودين ومعاقين وفقراء ومعدمين، ليس مهماً لديك من يتشظى طالما ضمنت أن يبقى جسدك في القبر بكامل أطرافه، وتبقى جائزتك تُفرح عدداً محدوداً من الناس مستمتعين بما جادت به وصيتك، داعين لك بالرحمة والمغفرة.
هل تعرف أين أوصلنا ديناميتك؟ لقد امّحت بلدان، وتغيرت خرائط، وسُحق الإنسان الفقير تحت عجلات آلات الدمار، وتفنن تجار السلاح بتسريب سموم أفكارك ليمحو كل خيّر على هذه الأرض وتبقى رايات الأشرار والشر الأسود وحدها ترفرف في سمائنا المدلهمة.
أنا لا أغفر لك أنك أوصلت أحفادك المرتزقة لقتل شعبي، لا أغفر لكل من تلقى جائزتك، وطوبى لكل من رفضها، أقول للفريق الأول، أنتم تساهمون بموت الأبرياء بنسبة أكبر كل يوم، وأقول للفريق الثاني شكراً لكم، لم يُغرِكم المال، لقد كنتم أوفياء لإنسانيتكم، انتصرتم للقيم وترفّعتم عن إغراءات المال، السلام لأرواحكم وهي تستريح في قبرها وفي قلوب أحبتها، شكراً جورج برنارد شو، شكراً بوريس باسترناك، شكراً جان بول سارتر، ونحن بانتظار من يرفض هذه الجائزة الملطخة بدماء الأبرياء ويُبقي للإنسانية وهجها في زمن صار المال فيه هو السيف الذي يقطع رقاب الفقراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *