خضير اللامي: حب الذات وحب الوطن في الإبداع

كتاب ” هومسيك .. الوطن في غبار المبدعين.” الصادر عن مؤسسة دراسات عربية . هو كتاب لافت للانتباه، مثير للإدهاش والاستغراب وقاس، في تناوله مبدعي المهجر . شعراء ، روائيين وفنانين. حين يتهمهم مؤلف الكتاب الدكتور نجم عبدالله كاظم  في مستهل كتابه “معظمهم إذا لم يكن جلَهم  لم يقدموا للوطن تضحية ، انهم شاركوا في عملية الخراب التي يعيشها العراق الان . ويقول : … إنَ الكثير من هؤلاء المثقفين الكبار، وإن شاركوا بدرجة معينة ومن حيث يعرفون او لا يعرفون في عملية الخراب التي يعيشها العراق الان ، بتأييد بعضهم لتغيير النظام بأي صورة بما فيها الاستعانة بالأجنبي . ص 16)
 هذا الكلام فيه الكثير من العسف على مثقفينا الكبار وعلى رموز ابداعنا ، ولا ادري كيف يسهم المثقفون مع الاحتلال ، وإذا كان ثمة بعض المثقفين الذين جاؤوا بعد السقوط فقد تعرض بعضهم للاغتيال مثل كامل شياع ، وعاد بعضهم من حيث أتى بعد تلقيهم تهديدات ، مثل ابراهيم احمد ، واحيل بعضهم الى التقاعد مثل صادق الصائغ ، وشاكر الانباري الذي عاد الى مهجره بعد ان قصفت القوات الاميركية منزله واستشهد 12شخصا من أقاربه حسب علمي ،  وهؤلاء عينة من المغتربين ( الذين هم من ثيمة دراسته هذه ، كما يرى القارىء بعد ذلك ) الذين صاروا ضحايا عودتهم الى الوطن ،  وبخاصة بعد استفحال الطائفية . كما أنه يوجه سهام اتهامه ، الى المثقفين ويصفهم ، بانهم
 يحبون ذواتهم على حبهم لوطنهم . فهل يعني هذا أنَ الذي يحب ذاته يستغني عن حب وطنه ، ألا يمكن ان نحب ذواتنا كما نحب وطننا . ألا يمكن أن نحب اولادنا وبناتنا بنفس الدرجة التي نحب فيها احدهم او احداهن ، وكيف نفصل حب الذات عن حب الوطن في الابداع ، الم تكن الاعمال الابداعية معبرة عن حب الوطن، في الوقت ذاته ، تعبر عن ذات المبدع ؟ الم تكن ذواتنا ترعرعت في حنايا وطننا ونشأت فيه ، وان قرأت ، يا دكتور، الاعمال الابداعية وبخاصة الروائية منها ولتكن لأدباء الخارج ، هل هي مفرَغة من حب الوطن ؟ وكيف يتأخر حب الوطن، عند الفنانين والأدباء على الكثير من الأولويات ؟ ص  30  ” . إنه فصل غريب حقا ، وانني لأستغرب ، كيف تكونت هذه النزعة لديك ، وانت الانسان والمثقف والصديق الذي كنت اعرفه طيلة علاقتنا الطويلة بالاتزان والاعتدال والميل الى جانب الحق ..
 إمَا حديثك على الجواهري ، وتجرؤك على تجاوز عظمته ، لمشاركة شعره في حقبة سياسية معينة ليعبر من خلاله باكثر تعبيرات العنف تطرفا ، مثل قوله :
فضٌيق الحبل واشدد من خناقهم
                               فربما كان في إرجائه ضرر
  هو اجحاف وعسف ايضا ، أيها الصديق أنت تستل أو تنتقي بيتا من آلاف الأبيات، بل من عشرات الآلاف ، لتستشهد فيه عن انسياق هذا الشاعر الرمز مع الموجة الماحقة الساحقة .. ص 72وهنا أقول ، لو إنَ رأس الدولة في تلك الحقبة اخذ بنصيحة صاحب هذا البيت من الشعر لما مات ميتة شنيعة همجية ، وسقطت دولته بيد موجة ساحقة ماحقة دموية ..  ثم لا تكتفي بذلك ، انما تتهمه بظل التوهم او الايهام بعدم قدرته على الذهاب إلى الوطن ص 72 . إما عن مدحه للرؤوس محليين وعربا ، فهنا ، اقول لك ، اذكر لي شاعرا واحدا بما فيهم المتنبي لم يمدح ملكا او نظاما عبر تاريخ العرب ..انا اعتقد أنَ الشاعر العربي خلق ليمدح ، ولكن ثمة فرقا بين شاعر واخر في المدح  وارى أنك بهذا ، أيها العزيز،  تنزع بردة الوطن عن الجواهري لتلبسه بردة مدح الملوك والانظمة  ظلما. اليس كذلك ؟ خاصة ، أنَ عصرنا هذا لم يعد للمدح فيه مكانا الا للمرتزقة الذين يمدحون الطغاة والمستبدين ، بعد أن كاد الشاعر أن يكون نبيا ، لما يواجه من تحديات الحياة وماكنة طحن الانسان ، وبما يملك ايضا، من ناصية التعبير عن الانسان وهمومه . وادعوك ايها العزيز، الى موازنة الشعر بحق الوطن بشعر المدح الذي  قاله الجواهري  .
  ثم اراك توغل اكثر حين تقول : … وهو الذي ما اكرهه احد على الابتعاد عنه( اي عن الوطن )  ص 73 . الى ان تقول : إنَ معزَة الوطن ، التي ليس لاحد أن يشك فيها ، قد فاقتها معزَة أشياء أخرى ص 74 .” إنَ هذا الكلام لو قرأه الجواهري او سمعه لانتفضت عظامه وهو في القبر ! ليس هذا حسب ، انما جلنا قرأ وسمع شعر الجواهري سواء الغزل منه او مدح الوطن او في مجالات اخرى وتاثرنا فيه وكان عاملا مساعدا في بناء الشخصية الوطنية . كما أنَ ثمة شعراء اتبعوا مدرسته الشعرية  فمن يقرأ كلامك هذا  ، فإنَه سيلومك الصديق والمتلقي وقبلهما الناقد وربما يتعدى ذلك الى رفض مثل هذه الاراء جملة وتفصيلا ، لا لأنَ الجواهري ، يرتدي هالة قدسية لا يمكن المساس بها او نقدها ولكن شعره مَثَل التعبير عن الوطن في كل المراحل الصعبة التي مر بها ابتداءا من مرحلة مقاومة الاستعمار ، وليس انتهاءا بالوقوف ضد الانظمة الاستبدادية والقمعية والدكتاتورية . واستحق عن جدارة أن يكون شاعر العرب الكبير ، واطلق هذه التسمية العرب انفسهم عليه. فكيف نسمح لانفسنا ان نتطاول على هذا الشاعر العظيم !
كما لم تسلم ، منك قامة اخرى ، من قامات الشعر ، ورمز آخر من رموز روادنا، الا وهو الشاعر سعدي يوسف ، حينما تريد منه العودة الى الوطن ، لأنه ، أي الوطن” مر بمآس وكوارث وحروب ، ما كانت كافية ، على ما يبدو ، ومقنعة لذات الشاعر ونرجسبة الفنان لتحول بين صاحبها وبين المجازفة بالإطلالة عليه ص 76. وتؤكد : فمتى باتي ابن البصرة ، إذن الى بصرته ؟ ابعد خراب البصرة ؟ص 76. وكأني بك تقول ، طالما مر الوطن بتلك الكوارث والمآسي فهي كفيلة بعودة الشاعر الى وطنه . مع انها كانت هي السبب في ابتعاده عن الوطن  . هل قرات قصائد ودواوين هذا الشاعر ، التي صدرت في المهجر ، الم تكن تعبر عن روح الشعب والوطن ، الم يكن الشاعر مع الام وماسي وطنه التي مر بها طيلة اكثر من ثلاثة اجيال مضت .. ام كان سعدي يوسف يعبر في قصائده عن  بلد الضباب في المهجر . وتخلى عن محنة الوطن ؟ وهل تعتقد ان البصرة عامرة الان كي يزورها شاعرها ، وهل اذا جازف باطلالة عليها ينتهي خرابها الذي هي فيه ؟
وياتي دور الفنانين ، ليتناولهم ، قلمك واحدا بعد الاخر ، من ماجد المهندس الى كاظم الساهر ، ولا تقتنع بما قدموه من اغان تعبر عن عاطفة ووجدان وضمير العراقي ؛ ومع اقتناعك بانَ العراق يعيش الحرب والحصار والجوع والتمزق ، ومع اعترافك ، بأن كاظم الساهر ينطق باحساس يندر ان يظهره فنان غيره ، ويلهب فينا كل الحب فعلا ، كل الحب للوطن . لكن ، هذا لا يهم كله بقدر ما تطلبه منه ،” بفعل صغير جدا ، وهو قطع تذكرة تاخذه الى حبيبته الى بغداد ولو ساعة واحدة وهو ما لم يكلف نفسه بفعله ص 82.” بهذه البساطة تطلب منه أن يأتي ، وكأن الوطن يرفل بالأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي وكأن لا وجود لدكتاتورية بغيضة جثمت على صدور الناس أكثر من ثلاثة أجيال .
ولا يبتعد ماجد المهندس عن كاظم الساهر ، ولا يستطيع ان يخرج عن اطار دائرة اتهامك بان بعده عن الوطن وانقطاعه ثلاث عشرة سنة بعيدا عنه عملا غير مبررا من وجهة نظرك ، فتقول ،” وبعد أن يدعي  أن البعد عن الوطن دقيقة واحدة غير محتمل ، ويقول في احد لقاءاته سادخل العراق الحبيب بعد ثلاث عشرة سنه بعيدا عنه. وتروح تتساءل ، اي حبيب هذا الذي يتركه وينقطع عنه ثلاث عشرة سنة دون ان يراه ، وكان باستطاعته إن لم نقل العودة اليه ، او عمل شيء له … ان يقوم بزيارة سريعة له والعودة الى حيث يقيم ص 77″
اذن ، لكي يكون الساهر والمهندس وغيرهما من الفنانين  صادقين في اغانيهم ، عليهم ان ياتوا ويزوروا وطنهم والعودة الى حيث يقيمون ، وهذا ما يشفي الغليل . وهنا لا بد ان نقول ، ماذا على المثقف والفنان ان يقوم به وهو في المهجر، وما هي المسؤولية الاخلاقية والوطنية والفنية كي يخدم وطنه بطريقة لا غبار ولا شائبة فيها ، وفي بلد الحروب والحصارات والدكتاتورية والايديولوجيات الدينية والاحتلال مثلا ، هل عليه ان يحمل السلاح ويحارب ؟ مع ان البعض منهم تجند في جبهة الحروب وتحول الى جندي مسخ ،بيد السلطة ،وقتلته الانظمة جوعا واذلالا واستلابا . الم يكن كل هذا كاف لان يبحث المثقف والفنان عن نافذة كي يعبر من خلالها عن معاناته وخلجاته ، وبالتالي التعبير عن هموم الوطن ومأساته طيلة الحقب التي مر بها وما زال . الا تعتقد ايها الصديق العزيز ، لوأن وطننا كان يعيش حالة الاستقرار والرفاه السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، هل كان ثمة مبرر للمثقف والفنان أن يهجر وطنه ؟ وهل ثمة مبرر لبكائياته ونواحه ..
ولا يختلف رمز اخر ، ورائد في الشعر ، عن الجواهري او سعدي يوسف ، الا وهوالشاعر الكبيرعبد الوهاب البياتي . وكنت انتقائيا في اتهامك اياه ، بالسادية والعنف ، حين قال : إنا سنجعل من جماجمهم منافض للسكائر . ودفع بك الاعتقاد أنه أي البياتي استخدم هذا العنف وهذه السادية شماعة رفضه المفتعل للبلد .. وصار ذلك النظام بهما مبررا للشاعر ومريديه بعدم العودة الى الوطن . ص  84 الى ان ينتهي بك القول  : فإنه ، أي البياتي لم يقدم شيئا للعراق يوما غير هذا وغير التعبير عن الاشتياق اليه وافتقاده ، وهو الذي ما رفضه وطن ولا نظام  يوما ما…
ومن اغرب ما تقول ، يا دكتور ، تقييمك لاحدى قصائد عباس جيجان الشاعر الشعبي ،  التي تقول عنها : إنَها تنبض بحب الوطن بصدق لا اجادل فيه … وتستطرد ، ولكننا لنعود الى الموقف والسلوك والفعل لنر أنه ما كان للحب وصدق الحب للوطن ليفعل هذا بجيجان فيقول هذا الابهار والابداع لو لم يكن خلفه ما هو اقوى من حب الوطن وصدقه انه بظننا تانيب الضمير والاحساس بالتقصير تجاه الوطن ..ص 93
انا لا اتفق معك ابدا ، ولا اعتقد ثمة من  يتفق معك ، في قولك هذا،ذلك، أن الذي كرس قصائده في التغني بدكتاتور طاغية ومستبد، وكان سبب كل بلاء الوطن والحروب والحصارات وخراب البلد والاحتلال، ان يقول كلمة حب واحدة  صادقة ، بحق الوطن ، وإن قالها فهي كذبة ما بعدها كذبة بحق الوطن.وانك لوكنت متابعا لمقابلات هذا الشاعر بعد السقوط لتبرير ما قاله في مدح الدكتاتور لما صدقت تانيب ضميره وتقصيره تجاه الوطن .
  ودعنا  نقرأ قولك عن الشاعر الشعبي الكبير مظفر النواب ، ولا اعلق عليه هنا ، لأنني اشعر بغصة لما قلته عنه مقارنة بجيجان ، ولندع كلامك للمتلقي حسب . ” اما مظفر النواب ، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بشعره ، فلم يساو الوطن عنده حتى زيارة قصيرة ، او تصريح او اعلان عن موقف مما يجري ليكون له تاثيره الحتمي في الكثير من العراقيين الذين يحبونه ص  138.
 وماذا وراء قصائد ودواوين الجواهري والبياتي وسعدي يوسف والاعمال الابداعية الروائية ، واغاني الفنانين الكبار مثل كاظم الساهر وماجدالمهندس ؟! هل وراءها كذبة في حب الوطن ام انهم كرسوا شعرهم واغانيهم وابداعهم  للتطبيل والتزمير، كما فعل جيجان وغيره؟ ان كلامك هذا مثير للاستغراب والادهاش ويدعو الى وقفة تأمل طويلة ! وانني اكاد لا اصدق  كلامك هذا ، لولا انني قرأت بعض فقراته اكثر من مرة .
ويأتي دور الروائيين ، وتتناول أولهم ، الروائي الكبير غائب طعمة فرمان ، وهو رمز كبير من رموز الرواية العراقية ، بل رائد لها . وقد كان من اهم مصادر اطروحتك للماجستير في الخارج ، اذا لم يكن اساسها ، هذا ما بقي عالقا في ذهني ، منذ ان قراتها قبل سنوات طويلة ، ولم تكن تحت متناول يدي الان ، لافيد منها في هذا الموضوع . وفي موضوع تانيب الضمير ، والاحساس بالتقصير تجاه الوطن ، تقول : في هذا المضمار ، هذا الصوت الداخلي ، القوي يدفعهم هنا الى المبالغة في التعبير ابداعا عن حب الوطن … ولعل من مبدعي هذا النوع ، على سبيل المثال  لا الحصر ، غائب طعمة فرمان ، وسلام عبود ، وشاكر الانباري ، وهيفاء زنكنة ، ولميعة عباس عمارة . فنعرف أنَ ابا الرواية العراقية وكبير كتَابها غائب طعمة فرمان ، لم يذهب ، ولم نقل لم يعد ، الى الوطن منذ ان تركه منتصف الخمسينيات حتى وفاته منتصف التسعينيات الا مرتين او ثلاثا … فلم يستطع البقاء الا مدة قصيرة لم يتحمل خلالها شيئا فيه ، بعد أن كان الوطن يصير هو بلاد الغربة ، فعاد الى الوطن البديل هاربا . ص 88.
وثمة سؤال يطرح نفسه ، هل أنَ هذا الروائي الكبيرغائب طعمة فرمان  ، قد انقطع عن الكتابة والابداع والتواصل طيلة تركه الوطن ؟ وكم رواية او مجموعة قصصية او حتى ترجمات روسية او غيرها  كتب خارج الوطن ؟ وليس ثمة حاجة بنا أن نفترض أنَ الدكتور نجم عبد الله كاظم لا يعرف ذلك ، ذلك لأنه تناوله بشكل أساس في دراسته للماجستير ، كما ذكرنا قبل قليل ، وبالتاكيد أنه يعرف أنه كتب جميع اعماله الروائية في المهجر: النخلة والجيران ، و خمسة اصوات ، والمخاض ، والقربان ، والام السيد المعروف ، والمرتجى والمؤجل ، فضلا عن اعماله القصصة وترجماته باللغة الروسية .. اما قولك : بعد ان كان الوطن يصير هو بلاد الغربة ، فعاد الى الوطن البديل هاربا ، فإننا نحيلك الى سؤالك الذي وجهته الى فرمان عن تاثير الغربة فيه وفي حياته وسيرته الفنية ، ويجيب غائب طعمة فرمان على سؤالك: اذا اردت بالغربة الانقطاع عن الوطن ، فلا احس بها اطلاقا ،، انا احس احساسا قويا بكل مطامح الوطن وافراحه واحزانه . وكتاباتي كلها شواهد على ذلك . انا احمل الوطن هنا في قلبي وروحي وفكري وهو داخلي مثل قلبي .. ص 89.
ويقول عنه الأستاذ علي الفواز ؛ غائب طعمة فرمان مواطن بغدادي استثنائي تسكنه المدينة حد الوجع والتذكر .. ورغم أنه غادرها مبكرا لكنها ظلت عالقة يحملها انى استجار بالامكنة مدونا سريا وعميقا ليومياتها الحافلة بالسحر ابدا ، حيث الامكنة المباحة والمغلولة ( علي الفواز . استعادة المدينة / استعادة النص ) ويقول فرمان : الغربة بالنسبة لي كانت حبا وشوقا الى وطني ، وكانت امتحانا قاسيا للوطنية عندي ..
هذا هو غائب طعمة فرمان الذي عاد الى الوطن البديل هاربا ، كما يقول الدكتور نجم ..
اما جمعة اللامي ، فيقول عنه الدكتور نجم ،” ربما يشبه غائب طعمة فرمان في هذا ، الاديب جمعة اللامي . فهو يبدو في ابداعاته معجونا بالوطن وحب الوطن والايمان ، لكنه ، في علاقته به ابداعا وحياة تراوح بين التغني به والتعبير عن ذلك بصدق لا نشك فيه من جهة ، وعدم تقديم شيء عملي وحقيقي له . وعدم العودة إليه من جهة ثانية … ويمضي ويقول الدكتور : إنَ هذا الذي يقوله اللامي بصدق وتالق ابداعي تجاه الوطن ، هو عندنا ، الا نوع من الاستجابة لتانيب الضمير والإحساس بالتقصير تجاهه وطنه ص 89.
ويبدو للدكتور ، أنَ جميع الادباء والفنانين ، طالما هم خارج الوطن ، فهم اما يتخلون عن وطنهم ، او في احسن الاحوال ، يعانون من عقدة تانيب الضمير والاحساس بالتقصير تجاهه . ويبدو ايضا ، ان الدكتور الذي اشاد بابداع جمعة اللامي ، وقال : عبر بصدق لا يشك فيه ، بيد انه لم يقدم شيئا عمليا وحقيقيا للوطن . ولا ادري ماذا يقصد بالشيء العملي والحقيقي ، فإن كان لم يقدم عملا ابداعيا ، فهذا لعمري عين الجهل تماما ، وان كان يقصد الحياة العملية للروائي جمعة اللامي  . هنا اريد ان اقول للدكتور نجم ، وانا كما يعرف ، قريب من جمعة اللامي ، إنَ اللامي واجه الأنظمة الاستبدادية في نضاله السياسي والوطني، وحكم عليه بالسجن المؤبد في زمن البعثيين قبل نظام البعث عام 1968 ، وقضى سنوات سجنه متنقلا في السجون ، واستقر به الحال ، في سجن نكرة السلمان ، ثم اطلق سراحه في عام 1968، وفي زمن صدام احيل هو ومجموعة من الكتاب الى محكمة الثورة سيئة الصيت  ، وهذا ما يعرفه ، جميع المثقفين والكتاب والادباء وحتى السياسيين  . ولولا تدخل بعض المسؤولين في القضية لواجه السجن مرة ثانية هو وزملاؤه . وعلى اثر ذلك ، وانقاذا لحياته وحياة اسرته ، دون الوقوع  تحت قبضة النظام البوليسي هرب الى دولة الامارات العربية ، ومن هناك بدا يمارس عمله الابداعي ومد خيوط التواصل مع ابناء وطنه، وصدرت له : ابن ميسان في عزلته . مجنون زينب . مملكة الحكمة : بوابة الكلمة. النيل والفرات . عبد لله بن فرات ينتظر ثأره . الحرية والثقافة ( ذاكرة المستقبل ) . فضلا عن اعمال قصصية .
وفي فصل ” شجرة فاضل وحديقة لطفية ” من كتاب الدكتور نجم عبد الله كاظم المشار اليه في حديثنا ، يقول : والان وقد خرج من خرج من العراقيين خارج الوطن ، فإنَ هذا الخروج لم ينطلق بالضرورة من ظلم نظام او قمعه ، بل لم ينطلق احيانا من معاناة او مشاكل او صعوبات فردية . ويستطرد الدكتور ، في ضوء هذه الحقيقة ، التي يعرفها الكثير منا من خلال علاقتهم ببعض ممن خرجوا ، يجب الا نغفل روح الجماعة او الحمى التي استولت على العراقيين … وهي تذكرنا بما يعرفه العراقيون من حمى ( سامكو ) التي اجتاحت بغداد في سنوات الحصار ص 131.
اذن ، خروج المثقفين والمبدعين والكتاب ، من وطنهم لم ينطلق بالضرورة من ظلم نظام او قمعه . وهنا يفهم من كلام الدكتور ان النظام الدكتاتوري المستبد ، لم يمارس الظلم او القمع ضد هذه الشريحة من المجتمع، وانهم كانوا يمارسون حرية التعبير باوسع فضاءاتها ، وريما لم يسمع باعدام عزيز السيد جاسم وضرغام هاشم وغيرهما دون اجراء اية محاكمة ولم يسجن اي مثقف او مبدع .. كما ان خروجهم من الوطن لم يكن من معاناة او مشاكل فردية . وهنا اريد ان اعيد الدكتور الى الوراء ليتذكر من من اساتذة الجامعات من زملائه نزل الى الشارع لبيع سياراتهم و محتويات منازلهم  ومقتنايات اخرى ، واحذية وملابس نسائهم ؟ و الدكتور ، نفسه ، من الذين عانوا من قسوة تلك المراحل  مثل مرحلة الحصار والحروب او قمع الحريات .واضطر ان يعمل استاذا في جامعات ليبيا وسلطنة عمان في تلك الفترة ..ومع هذا اتفق مع الدكتور في ( حمى سامكو ) التي اصابت الناس ولكن دعنا نتساءل ، لماذ انتشر هذا الوباء بين الناس ؟ الم يكن بسبب حروب النظام وحصاراته ،ام  كان حمى او وباء انتشر بين الناس ، حسب ؟!
وعن فاضل العزاوي يقول : ولكننا لا ننسى ايضا اقواله ومواقفه وافعاله التي تتناقض مع الموقف الوطني ، كما يجب ان يكون ، خصوصا في قسوته على الوطن وعلينا حين عبرعن موقفه من العودة الى الوطن طيلة اكثر من ثلاثين سنة لم يقدم خلالها شيئا ، بل لم يكلف نفسه عناء اقتراب سريع منه . وهو ، في هذا ينساق ، كما راينا اخرين ينساقون بدافع الضمير والاحساس بالتقصير ، وراء خداع الذات . ص 140.
التهم نفسها التي الصقها الدكتور بالمبدعين في المهجر ، الصقها بالروائي والشاعر فاضل العزاوي الذي هو الاخر، لم يقدم للوطن شيئا عمليا ، ولم يكلف نفسه بزيارة قصيرة للوطن ، وانساق مع الاخرين بدافع الضمير والاحساس بالتقصير تجاه الوطن . ولا ادري تماما ، ماذا يريد الدكتور نجم من المبدعين في المهجر ان يقدموا للوطن غير ما يملكونه من عصارة فكر وابداع ومعاناة غربة وتشرد في الشتات ، كي يرضوا ضميرهم ويزيحوا عن كاهلهم الإحساس بالتقصير الذي ينوؤن تحت عبئه . وكيف يعبر المبدع في المهجر عن حبه للوطن كي نرضى عنه ونمنحه شهادة وطنية . الم يكن فاضل العزاوي واحدا من الذين وقفوا بوجه الاستبداد وطورد من قبل السلطات ، ودخل السجون واستقر في نكرة السلمان كما جمعة اللامي وسعدي يوسف. الم يكن هذا واجبا وطنيا عمليا في وجه السلطات القمعية ؟
ها هم اولاء مبدعو المهجر ،وبخاصة الكبار منهم ، اراد الدكتور نجم عبد الله كاظم ، ان يرسم لنا لوحة عنهم ، يعتقد هو انها صحيحة ؛ انهم لم يقدموا تضحية للوطن، وان جاءت بعض اعمالهم معبرة بصدق عن حبهم لوطنهم  فهي نتيجة انسياقهم بدافع الضمير والاحساس بالتقصير ، وراء خداع الذات . وكي يثبتوا عكس ذلك عليهم بزيارة الوطن وعدم البقاء في الخارج .كما حاول ان يفرز موضوعتي ما يسمى ادب الخارج وما يسمى ادب الداخل ، بعد ان ثبت موقفه من ادباء الخارج ،   كما راينا في هذه المقالة ، فانه يدافع ضمنا واحيانا صراحة عن ما يسمى ادباء الداخل ، واذا كان يجد بعض التبريرات لينبري بها على ادباء الخارج ، فانه يجد بعض التبريرات ليدافع بها عن الادباء في الداخل ، حين يقول : ويصل تحامل بعض مبدعي الخارج الى التعالي على مبدعي الداخل ، بل اتهامهم ومهاجمتهم بما هم انفسهم في الواقع مصابون به . وكاني بادباء ومبدعي الداخل ردا على هذا ، يقولون قول رسول حمزاتوف ، حين انهار الاتحاد السوفيتي السابق ” ان قصائدي لم تكن عضوا في الحزب الشيوعي ص  125″
إن تقسيم ثيمة ما يسمى ادب الداخل ، وثيمة ما يسمى ادب الخارج ، هو تقسيم افتراضي ، لدي بعض المثقفين والادباء وبعض النقاد، وانهما ، اي ما يسمى ادب الداخل وما يسمى ادب الخارج . هما ادب واحد ، لا يمكن فصل احدهما عن الاخر ، إنهما توأم ،  باستثناء اختلاف الاساليب والثقافات والتجارب لكل منهما ،  وكلاهما عبر عن هموم ومعاناة وضمير الوطن ، ولو اخذنا على سبيل المثال ، روايتين احداهما من الداخل والاخرى من الخارج ، ووضعنا مؤلفيهما احدهما بدل الاخر ، وقراناهما ، لما لاحظنا فارقا شاسعا ، ولما ميزنا بينهما ، اي رواية تعد من ادب الداخل والاخرى من ادب الخارج . انهما روايتان عراقيتان بامتياز ..
اذن ، ما قدمه الاديب في الداخل للوطن ، يقدمه الاديب للوطن في الخارج ..وهذه ثنائية عراقية خالصة .. وما يريده الصديق الدكتور نجم عبد الله كاظم من ادباء المهجر سواء عودتهم او زيارتهم للوطن ، وان يقدموا ما يسميه شيئا عمليا ، موضوع لا يحتاج لكل هذا الاهتمام والجهد ، في  تاليف كتابه هذا ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.