سلام عبود: رواية “الفتنة” لكنعان مكـّيـّة: إعادة جدولة الخيانة

salam abbod1
أثار صدور رواية “الفتنة”، لكنعان مكـّيـّة، اهتماما صحافيا ملحوظا،عفويا وموجها، اختلفت فيه المواقف، وتضاربت الآراء. فمن محبذ ومناصر ومبرر، الى مستهجن وغاضب. عدّها بعضهم “أخطر عمل أدبي في تاريخنا المعاصر”، و”منعطفاً مهماً في أدبيات العراق السياسية”، و”خلاصة فن الاعتراف””. ورأى فيها آخرون “عظة سقيمة” (أسعد أبو خليل)، حافلة بـ “الانتهاز والنفاق وخيانة الضمير والتلفيق” (صبحي حديدي). ووجدها بعضهم رواية إشكالية بامتياز، ورأى مخالفوهم أنها إشكالية بحق، ولكن في حجم وقاحتها. لذلك، ربما لن يضيف المرء شيئا جديدا لو أنه انضم الى من سبقوه، وحصر مسعاه في توزيع شهادات الاستحقاق التقديرية. إن تفحص وجه آخر من وجوه مكـّيـّة، كتتبع قواعد تأسيس الحجج العقلية، وبدقة أكبر منطق بناء الأفكار، ربما يكون أكثر فائدة. عدا لمحات تقويمية موجزة، تتعلق بالجانب الفني من رواية “الفتنة”، ستتركز ملاحظاتنا في المصطلح، وفي البراهين العقلية، والعلاقة بين الفكر والواقع، بصرف النظر عن تأويلها السياسي و نيّات كاتبها ومنتقديه.

علي بابا والأربعون عراقي

أصدر مكـّيـّة ثلاثة كتب متتابعة، في فترات متقاربة جدا: رواية “الحبل” باللغة الإنكليزية، رواية “الفتنة” باللغة العربية، وكتاب “هوامش على كتاب الفتنة”. “الحبل” و”الفتنة”هما الرواية عينها، ولكن بلغتين مختلفتين. تعدد اللغات أثار أسئلة كثيرة: لماذا تغيّر العنوان؟ هل هي ترجمة أم تأليف؟ هل الفتنة سابقة في التأليف أم لاحقة؟ أما كتاب “هوامش…” فهو ملحق بنص “الفتنة”. وهنا أيضا ظهرت طائفة جديدة من الأسئلة: لماذا خـُص نص الفتنة بالهوامش؟ لماذا ظهر اختلاف بين النصين الروائيين يتعلق بالاعتذار؟ إذا كانت الهوامش وسيلة معرفية تقوم بتوضيح ما لبس في المتن، أما كان الأولى بالهامش أن يكون موجها الى القارئ الأجنبي، الذي يجهل خصوصيات التعابير وخلفياتها التاريخية؟ وحتى لو كان ملحق “الحبل” يحوي الأفكار نفسها، التي حملها كتاب “هامش”، يبرز سؤال جديد أكثر إقلاقا: لماذا انفصل الهامش في النص العربي وصدر لاحقا؟ أهي لعبة ترويج ذكية من مكـّيـّة، أراد بها تحفيز قارئه وتشجيعه على فتح أبواب الكنز السحري الثمين، كنز علي بابا الأميركي والأربعين عراقي؟
ورغم أننا لم نزل عند العناوين، إلاّ أن الأسئلة ما انفكت تتناسل، ثم تنشطر وتتضاعف.
ولكن، لا غرابة في ذلك كله. فخلف هذا التوالد الاستفهامي يكمن سياسي مثير، ذو تجربة ثرية تستحق أن يُصغى الى خطابها. اسم يشبه، الى حد كبير، علامة استفهام ضخمة في نهاية جملة مليئة بالأسرار الاستفزازية.
ارتبط اسم مكـّيـّة بإحدى معضلاتنا السياسية الكبيرة: “تحرير ” أو “احتلال” العراق، المقدمة المنطقية للزلزال القومي الأكبر: الربيع العربي، أو الجحيم العربي، الذي سماه مكـّيـّة “انبثاق روح جديدة للمواطنة” (هوامش: ص 30)، والذي قاد، في نظر آخرين، الى الإجهاز التام على روح المواطنة، وعلى أرواح ملايين المواطنين، في غير بلد عربي.
بصرف النظر عن زاوية تقييم الأحداث، يظل مكـّيـّة مصدرا عالي القيمة في معادلة الحرية العراقية والعربية القائمة، وفي تفاصيل قدرها الوجودي، الكارثي حصريا. أنتج كتبا ذوات طبيعة تجميعية ودعائية ضد نظام الحكم في حقبة صدام حسين. أسس مركزا للأبحاث بدعم أميركي، وعمل في مركز دراسات الشرق الاوسط ، جامعة هارفرد، ثم ظهر علنا باعتباره الرجل الثاني في مجموعة أحمد الجلبي، التي كانت في طليعة مؤازري زحف الجيوش الغازية الذاهبة باتجاه التراب العراقي. في مؤتمر لندن ( 2002) ظهر ثقله الحقيقي، حينما كـُلـّف وحده باختيار ما يقرب من ربع عدد المدعوين الى وليمة التهام العراق. وهو المؤتمر الذي أعلنت فيه أخطر أسرار الحرب: الاستيلاء على عرش العراق بالحكم الأجنبي المباشر. جيشه “قوات العراق الحر” تقلد شرف صناعة ما اسماه رامسفيلد التدريب على ممارسة الحرية، الذي تم تسميته بالفوضى الخلاقة، أو الفوضى الخالقة. وهو المصطلح الأكثر دقة، المعبر عن إعادة تخليق الأجنـّة السياسية والعقلية.

قوات الردع الثقافية
نظرة شاملة على الملامح العامة للنقد الموجه الى كنعان مكـّيـّة، تؤكد لنا أن جلّ ما كتب عنه حمل الكثير من المسبقات السلبية أو الإيجابية. وهو نقد ركـّز على جوانب مقتطعة من النصوص، من دون أن يبحث فيها باعتبارها وحدة عقلية مترابطة ومتكاملة، لها امتداداتها العلنية والخفية. احتلت شخصية مكـّيـّة، وليس أفكاره، موقع الصدارة في معظم التقييمات. وذهب بعض المتكسبين الصغار أبعد من هذا، الى عائلته، بحثا عن تزكية ممكنة. هذا المنحى النقدي أمر متوقع، تحسّب له مكـّيـّة نفسه، فأصدر كتابه “هوامش على كتاب الفتنة”، ليرد به على نقد النيّات، ولكن بنقد قائم على النيّات أيضا. وهنا يجترح مكـّيـّة سابقة عقلية لم يقم بها حتى صدام نفسه، الذي كان يقطع الآذان والأطراف بسبب شتيمة في لحظة غضب أو كلمة نقد عابرة. لكن مكـّيـّة “اللبرالي”، الذي استقدم جيوش العالم من أجل التخلص من “القسوة” والكبت الثقافي، تجاوز صدام في رقابته النقدية. فهو يقيم “ردعا” استباقيّا لمن يعتقد أنه يملك “نيّات” نقديّة مخالفة. يقول مكـّيـّة ” نيتي وراء كتاب الفتنة – أحسب أنه يعني كتاب “هامش…”، لأن دفاعه عن نفسه لم يظهر في الفتنة، وإنما في الهامش – وذلك لردع بعض الاتهامات قبل أن تقذف نحوي”!!( هامش على كتاب الفتنة- ص 13 )
هذه الظاهرة لمسناها لدى بعض المعارضين السوريين أيضا – جلهم من أصول يسارية كمكـّيـّة – في مرحلة “سلمية سلمية”، التى تحولت الى جهاد مقدس و”مدافع جهنم”. النقد الاستباقي، نقد النيّات، تعرفنا عليه قبل ذلك لدى أبرز وجوه الحقبة الديكتاتورية الثقافيين، الشاعر سامي مهدي، الذي خاطب الشاعر سعدي يوسف بنقد شبحي، استباقي مماثل : ” جنة هي، أم لعبة صرت تتقنها وتزوقها بيديك؟ أنت تنشيء مما توهمت زنزانة، وتجند في بابها شبحا تدعي انه شرطي، وتصطنع الرعب منه. وإذا لا يجاريك، تحشو مسدسه بالرصاص، وتغريه أن يطلق النار، غيظا، عليك”. كان الديكتاتور وشرطيّه وشاعره وهما. الاحتلال وهم أيضا، وجحافل التكفيريين وهم، ووليد الاحتلال الفاسد وهم. إن توارث تهمة وجريمة مقاتلة الوهم نتيجة منطقية من نتائح اصطدام المذنبين بواقع لا يستجيب لإرادتهم بيسر.
هل يريد مكـّيـّة إعادة قوانين الردع الثقافي وتعميمها عراقيا، وربما عربيا؟ هذه خلاصة عقلية مؤسفة تتعلق بالمنهج، وتاليا بالسلوك، وقبلها بالنيّات. إن النقد على النيّات، يشبه القتل على الحواجز “الطيّارة”، عملية نفسية معقدة، تكتنز قدرا عاليا من المشاعر والمكبوتات العدائية، تشمل: أولا، افتراض نقد (عدو) قبل وقوعه. ثانيا، الإيمان المسبق بسلبية هذا النقد وضرورة إلغائه (أنا أو أنت. معنا أو ضدنا). ثالثا، امتلاك حق وشرعية الهجوم (المبادرة العدوانية المبنيّة على حق احتكار الحقيقة: قضيتنا عادلة، قضيتنا صائبة، قضيتنا أخلاقية). ورابعا، ردع النقد وليس محاججته (الخروج من الحرية العقلية الى العبودية الايديولوجية). هذه الحزمة الانفعالية الشعورية المخيبة للآمال هي مفتتح الفتنة وأبشع مكاشفاتها.

جدلية الفتنة والخيانة
موضوعان احتلا موقع الصدارة في نصوص مكـّيـّة هما الفتنة والخيانة. والموضوعان، معا، مزيج من الاستبطانات الذاتية، المخلوطة بالشعارات السياسية العامة، والإثارة اللفظية، والنيّات الموجهة. فلا يعرف قارئ المتن والهامش عن أية فتنة يتحدث الكاتب، وكيف تجسدت هذه الفتنة في الواقع؟ وتاليا كيف انعكست فنيا في الرواية؟ وما أهميتها باعتبارها اشتغالا فنيا وثقافيا؟ أما الخيانة، التي أفاض الكاتب في شرح معانيها ودلالاتها وخصوصيتها العراقية، حالها كحال الفتنة، حالت دون أن يجيب بوضوح عن سؤال الرواية المحوري: خيانة من أو ماذا؟
الجواب الرمزي الذي أورده مكـّيـّة لا يشير الى الوجهة الحقيقة للخيانة المراد إيصال القارئ اليها:”يا للعار! نعم، كلنا نحن شيعة العراق خنّاه، وبخيانتنا له، خنّا أنفسنا”. إن “خيانة” العراقيين لرمز الحرية الأعظم عبدالمجيد الخوئي، عراقي الاحتلال الأول، ورمز أول “خيبة” في حسابات المحتلين السياسية، ليست سوى مقدمة لخيبة (يسميها مكية خيانة) أكبر وأخطر: “خيانة ذلك الرجل هي لبّ كل الخيانات الأخرى في عراق ما بعد صدام”. إنها خيانة الحلم الأميركي، خيانة مخطط الحرية الأميركي، والتي لا تعني سوى خيبة مشروع التحرير من طريق الاحتلال، التي يحاول مكـّيـّة لي عنقها وتوجيهها وجهة مغايرة لحقيقتها. ( ص 357 ).
لماذا رواية؟ وما ضرورة أن يتحول سياسي وكاتب وباحث متخصص، في ختام خدمته البحثية، روائيا مبتدئا؟ ما الذي حمله على ذلك؟ لماذا اضطر بعد أيام قلائل، عقب صدور روايته، الى كتابة تبريرات سياسة وذاتية في الهامش، مهمتها تقويل نفسه ونصه القصصي ما لم يفصح عنه روائيا؟ أهو استدراك فني وشعور بالنقص؟ أم خطة استباقية رادعة؟
الحدثان الرئيسان في الرواية، المثيران في طريقة تنفيذهما، وفي دلالتهما في الواقع، المرتبطان بالفتنة والخيانة، هما “مهزلة شنق صدام”، ومقتل الخوئي “لبّ الخيانات”. وعلى الرغم من افتتاح واختتام الرواية بالحدث الأول، إلا أن الحدثين ظلا معزولين فنيا عن بعضهما، ولا يشكلان ثقلا سرديا طبيعيا متكاملا ومتناميا في سياق النص إلا على نحو مفتعل. أحداثهما معروفة ومطروقة كوقائع، ولا جديد في إعادة عرضهما، ولا دلالة سردية عالية ذات بُعد شامل حكائيا لهما، سوى شهرة الحدثين، نظرا لارتباط الأول بشخصية كبيرة حيّرت العالم، ونظرا لأن الثانية كانت مفتتح عملية الغزو وأول وأسرع خطأ في حسابات المحتلين. الدلالة الرمزية للخوئي أكثر من شاحبة، إن لم تكن مصطنعة وملفقة. لذلك فقد المؤلف السيطرة على حركة أفكاره ودلالات رموزه، التي قادت الى تمرد المغزى على إرادة مؤلفه، وتحوّل النص من وثيقة إثبات الى وثيقة إدانة مناقضة لـ “نيات” كاتبها، بالطريقة نفسها التي تمرد بها الواقع العراقي المعقد على المحتلين. وأحسب أن هذا التمرد هو الذي دفع مكـّيـّة الى التعجيل بكتابة “هامش..” واستخدام منهج الردع الاستباقي في مواجهة خصوم محتملين. فقد كان الشخص المرسوم على الورق وأصله الواقعي يشيان، من جوانبهما كافة، بعكس ما أراده المؤلف. إن الدلالة الرمزية الوحيدة للخوئي هي خيبة المشروع الأميركي والاحتلال، جراء الفشل في إقامة نظام عادل على انقاض نظام ظالم. لا خلاصة رمزية أخرى يمكن استنتاجها هنا، على الرغم من الجهد اللغوي والعقلي الذي بذله مكـّيــّة بغية تحريف مدلول كلمة خيانة، باخراجها من واقعها القاموسي والرمزي، وخلطها بمفردة فتنة تارة وبمفردة خذلان تارة أخرى. أثر الحدثين على تكوين الشخصيات مؤذ فنيا، لأنه لم يمنح الشخصية القصصية ملكة التطور التصاعدي، ولم يغنها داخليا. على العكس قام بطمس خصوصياتها من طريق تجميع وتكديس التفاصيل غير الممحصة وغير المتجانسة حولها. لقد زاد من واحدية أفق ومحتوى الشخصية أنها تتحدث بلسان ومشاعر وأفكار المؤلف. وتتضاعف تصدعات الشخصية حينما تصبح ساردا يراقب الآخرين وينسى نفسه. حتى انه كان يستخدم تعابير ومشاعر أعدائه في قضايا خطيرة وحساسة، كوصف أصحابه بـ”المتهسترين” و”الكلاب المسعورة” و “بالوعة أجنبية”، علما أن رمزه الأعلى كان طليعة القادمين من الخارج ومرشد الأجنبي الأول! كان السارد شخصية عليمة جدا، يعرف أدق أسرار “الطاغية”، بما في ذلك من أي وبر صُنع معطعف صدام، وجنسية الخيّاط الذي خاطه له! ناهيك عن عدد العمليات القتالية، التي واجهت المحتلين، وأنواعها ومنفذيها وتصنيف وسائل تنفيذها. المفارقة الفنية والعقلية الكبيرة هنا، تكمن في أن بطل مكـّيـّة العليم عرف كل شيء ولم يعرف “لب الخيانات”. فلم يتمكن من التعرف على شخصية “الخوئي”، محور الرواية ورمزها الأكبر، إلا بعد مغامرات سردية وعقلية طويلة، مغرقة في المواعظ السياسية التبريرية. لقد فشل الراوي في معرفة “بطل” الرواية الرئيس، وأخفق في الإمساك بالدلالة الأساسية لعبرة الرواية، على الرغم من أنه ابن النجف، وأحد جيران بيت الخوئي، وأحد الذين أحصوا عدد الطعنات التي اخترقت جسد “الخوئي”. هنا تكمن أبرز مواطن تناقضات الشخصية والرواية والفكرة المركزية للمؤلف، التي هي في جوهرها انعكاس لتناقضات المشروع الأميركي العقلية والتنفيذية.

الفتنة واقعا وتاريخا وسردا

إن أبرز عناوين الفتنة في تاريخ العراق القريب ثلاثة: إشارات أميركا ودول الخليج الايجابية لصدام باجتياح الحدود الإيرانية، الحرب التي مهدت لصناعة الأساس الحسي للفتنة السنية الشيعية. وثانيا إشارة السفيرة غلاسبي قبيل غزو الكويت، الحرب التي جعلت الاحتلال الأميركي المباشر للمنطقة “ضرورة” و”قدرا”واقعيا، وأسست للفتنة القومية الشاملة. أما الفتنة الثالثة، فلم تكن إعدام صدام حسين في يوم العيد على يد “الشيعة”، كما جاء في تحليل مكـّيـّة، في سعي منه لتوجيه الواقعة لصالح القوات الأميركية. إن المُخطط الأول والفاعل في موضوع الإعدام هو من قام بتسليم خصم بحجم صدام الى سلطة مهزوزة، انتقامية، واقعة تحت الإحتلال، في ليلة العيد تحديدا، في منطقة محاذية جدا للأعظمية الملتهبة، قلب ورمز بغداد السني. رافق ذلك إعلان صريح وعلني من قبل المُسلـِّم، يؤكد فيه أنه يُخلي سبيله من مهمة “حراسة” المحكوم بالإعدام منذ تلك اللحظة المثيرة. كان تسليم صدام قرارا أميركيا رئاسيا فتنويّا من أعلى طراز. فإذا كانت إشارة غلاسبي، المصممة تصميما ذكيّا بمعايير دولية، قادت الى غزو الكويت وقلبت موازين المنطقة بأسرها، وأحدثت أكبر فتنة بين الشعوب العربية في تاريخها المعاصر، فالإشارة ذاتها تمت إعادتها بمعايير ومضمرات شريرة ومدروسة، فكانت سببا في التعجيل بالإعدام، لرفع منسوب الاحتراب الطائفي، الذي انفجر انفجارا مرعبا منذ ذلك التاريخ. أما المالكي، المستلم، والمريض سياسيا، فشأنه معروف. أراد بالإعدام شراء مشاعر القطيع المتعطش للدم والانتقام، والاستمتاع بلحظة فرح عصابية، من النمط الزقاقي.
يؤكد مكـّيـّة أن كلمة “الفتنة”، كلمة عربية خالصة الخصوصية. أي أنها حالها كحال اللاعقلانية “كتبت على جيناتنا”، بكل ما يحمله التفسير من مدلولات عرقية، منافية لطبيعة التفكير الإنساني الحر. أراد مكـّيـّة بهذا التفسير الكريه الايحاء بأنه لم يجد ما يقابل مفردة فتنة بالإنكليزية، فاضطر الى ترجمتها بكلمة “الحبل” في النص الإنكليزي. وهذا ضرب من التوجيه الدعائي، الذي لا يقدم عليه مشتغل في مجالي الأدب والثقافة، إلا إذا كان يستهين بالقارئ ويحتقر عقول الناس. لأن الجميع يعرف أن تعبير “الفتنة” موجود في اللغات الأوروبية كافة، وموجود في لغات عديدة بلفظه العربي الخالص. إن الفتنة، التي تعني الشغب المصحوب بالاضطراب وانقسام المجتمع حول قضية مركزية، لها ما لا يقل عن عشرة مرادفات بالإنكليزية وحدها. إن اختيار مفردة “الحبل” دليل جدي على عدم اقتناع مكـّيـّة نفسه بتعبير الفتنة، وأن منظر “الحبل” الذي لـُف حول رقبة صدام، بدا له أكثر واقعية وأمضى من الناحية الدعائية أجنبيا. وحتى هنا، في الجانب التاريخي، وفي التداعي الذهني، الذي تثيره الكلمة، نجد فسادا سافرا في فهم المفردة وتاريخ تداولها وتداعياتها. إن كلمة “الفتنة” تتعارض تعارضا بيّنا من وجوه عديدة، في مدلولها، مع كلمة “الخيانة”، التي صارت محور كتاب “هامش على كتاب الفتنة”. وهي كلمة ولع بها مكـّيـّة منذ زمن بعيد، وجعلها ضربا من الفوضى اللغوية، وليس حالة سياسية وسلوكية معروفة ومحددة. لقد انغمس مكـّيـّة في لعبة البحث عن أصناف الخونة انغماسا مثيرا للدهشة، حتى أنه جعل الخيانة تجري في عروق العراقيين جريان الدم في الجسم الحي: ” تارة يخون الجلاد ضحيته وتارة تخون الضحية جلادها”،”سقط الطاغية فأصبحنا مدمنين على إرثه: الخيانة”. (لم يوضح للقارئ صلة صدام بخياناتنا الوراثية التي تعود الى مقتل الحسين والى ماقبله، كما يقول!!). “خيانة بلا نهايات”، “ربما نحن شيعة العراق (لماذا التخصيص!!) ولدنا ضحايا كما ولدنا خونة”، هل “اخترنا الخيانة، أم هي متأصلة فينا وهي التي اختارتنا؟”، “لربما الخيانة أقدم من حتى من مقتل سيدنا الحسين”.
وعلى الرغم من أن الخيانة مفهوم واضح الدلالة، لا يختلط تفسيره في ذهن أحد، بصيغته المباشرة أوالتأويلية، إلا أن مكـّيـّة جعله حالة مبهمة وشاملة، لا يسهل على أحد ضبط حدودها. بيد أنه لفرط انغماسه فيها نسي أن يموضع نفسه في مكان محدد من لعبة الخيانة: هل هو ضحية خائنة أم جلاد خائن؟ أم هو خارج معادلات الجلادين والضحايا الخونة، محصـّن ومعصوم منها، بالضبط كما هو خارج معادلات اللاعقلانية والفتنة!
من هنا نرى أن الربط بين الخيانة والفتنة، ما هي إلا محاولة للوصول الى جواب محدد، عن سؤال محدد، هو هاجس الرواية المحوري المضمر، وسؤال المرحلة الراهنة: “هل نلوم الطاغية؟ أم جميعنا ملامون (خونة)؟”. الجواب: نعم، جميعنا خونة، باستثناء “الابن الذي لم يصمت… ولم يخن”، “ابن المرجع الشيعي الأعلى”، عبد المجيد الخوئي، شبيه مكـّيـّة في البراءة من الخيانة.
استغراق مكـّيـّة الطويل في مناقشة مفردة خيانة، ناظرا اليها من زوايا مختلفة، كاد أن يجعلها كابوسا عقليا. شدة ضغط مفردة خيانة الشعوري على الكاتب، وثقلها النفسي، تجعل القارئ يحسب أن الكاتب يسعى الى إعادة جدولتها، لكي لا تتماشى مع الاحتلال وحده، بل لكي تمتد أيضا الى مرحلة ما بعد الاحتلال.
لا بد لنا أن تختتم النقاش حول الفتنة بسؤال صغير: إذا كان مقتل الخوئي عظيم عظمة مقتل عثمان والحسين، لماذا لم يتم تجريم القاتل والمحرض؟ الجواب: لأن الجماعات الشيعية الحاكمة توافقت على ابتلاع القضية بالصمت. وهنا يبرز مجددا الخلل المنطقي والحسابي والسياسي حتى في معاييره البسيطة والسطحية: من كان يمسك بمقود الأمن والعدالة حينذاك؟ من كان يحكم العراق، الجماعات الشيعيّة أم قوات أبي زيد؟ هنا نرى أن التاريخ وتفسيراته، والأحداث السياسة وتفسيراتها، عبارة عن سلسلة هشة من العبارات التي لا يربطها رابط ولا يجمعها منطق.

برابرة مؤدبون وخونة طيبون!

تصدعات المنطق تصل حدودا عميقة حينما يجعل مكـّيـّة القبول بالاحتلال نتيجة منطقية عادلة، وهبة تاريخية فريدة، نظرا لأن الشعب وصل الى حالة اليأس المطلق. وهي حجة فاسدة منطقيّا حينما يروج لها ويعتنقها المتنورون بشكل خاص، وباطلة سياسيّا لدى من يدّعون أنهم قادة وطليعة المجتمع، رغم أنها ترددت على ألسنة كثيرين. يقول الكاتب أحمد سعداوي: “لا ننسى أن الغالبية منّا، كعراقيين، كنا بشكل أو بآخر مع الاحتلال الاميركي. كنا مؤمنين، أناساً عاديين ونخباً مثقفة، بأنه لا خلاص من السجن الرهيب [الذي كانت اعمدته الديكتاتورية وسقفه العقوبات الاقتصادية الدولية]، إلا بمجيء البرابرة”. لقد أغفل الكاتب هنا أمرين: الأول، ان استعارة تعبير البرابرة من مكـّيـّة، وليس من مصدره الحقيقي، ينطوي على خلل فني جسيم. لأن مكـّيـّة كان يعني بالبرابرة الذين “يطرقون الأبواب” القوى التي احتلت الموصل، أي تنظيم داعش. فهنا أيضا يضرب مكـّيـّة مجددا على وتر ” القسوة” سبيلا وسببا لاختيار البربري الجميل، بديلا من صدام بالاحتلال، ومن داعش بإعادة الاحتلال. وثانيا، نسي الكاتب أن يذكر في الأسباب ما كان موجودا بين “الأعمدة” و”السقف”: تمزيق البنى التحتيـّة، وتدمير أكثر من 2800 منشأة اقتصادية حيوية بالصواريخ والقنابل، تعود ملكيتها – رغما عن أنف الديكتاتور وخصومه- الى المجتمع العراقي، وليست جزءا من “عراق صدام”، كما كانت صحف المعارضة تشيع.
إن اليأس والشقاء و”القسوة”، قد تقود الى التسليم بحلول بربرية والقبول بالشيطان منقذا. هذا ممكن جدا ومنطقي. لكن ما هو غير منطقي أن تبنى خيارات التاريخ المصيرية على مشاعر اليأس والاستلاب . إن مشاعر اليأس والاحباط لا تصلح أن تكون مشروعا للحرية على الإطلاق. بل على العكس، هي مشروع أكيد لتكريس العبودية، باسم حرية مغشوشة. لأنها لا تكتفي بإسناد مشروع البرابرة عند الغزو، بل تمنحهم الحق في إدارة دفة اليأس والإحباط على هواهم، واستثمارها سياسيا وثقافيا، وحتى عسكريا، في مرحلة ما بعد الغزو. وهذا سبب أساسي في ما حصل لاحقا في العراق، بعد اختيار البربري الخطأ. وما نقاشنا الآن سوى عيـّنة حيّة منه. ولهذا أيضا شاعت في “العراق الحر” نظرية أفضل الشرور، التي سماها سكرتير الحزب الشيوعي العراقي بفخر “أفضل السيئات”. فإذا كان الشعب اليائس يبحث عن منقذ، حتى لو كان في هيئة بربري سيئ، كيف تسول النفس لقائد ثقافي أن يقوم طوعا، وبحرية “لبرالية”، بانتقاء أفضل الأشرار، جاعلا من نفسه دليلا حربيا لهذا البربري؟ إن سياسة أفضل الأشرار، التي هي حرية العبيد في ثوبها الأبشع، هي التي صنعت واقع ما بعد الاحتلال، وهي التي صنعت ما يعرف بالعملية السياسية، القائمة على المحاصصة والفساد المالي والسياسي والمهني والأخلاقي. إنه الشر، الذي لا يلد سوى الأشرارً.
إذا تجاوزنا حقائق التاريخ، التي تؤكد قيام غير محاولة انقلابية داخلية تم إجهاض آخرها وأقواها على يد الأميركان قبيل الغزو، فإننا لا نعرف سبب تحشيد قوات قوامها أكثر من ربع مليون مقاتل، كما يدعي أصحاب مكـّيـّة أنفسهم (راجع صحيفة المعارضة: المؤتمر): الموتمر الوطني 26 ألف مقاتل، الأكراد 120 ألف بيشمركة يقبضون رواتبهم حتى اليوم، المجلس الأعلى 65 ألف عضو تحت لواء قوات بدر وحدها، الحزب الشيوعي ادعى بوجود 10 آلاف مقاتل ونصير، وحزب الدعوة حدث ولا حرج، والدليل على ذلك أسماء عشرات الآلاف من المسجلين في قوائم رواتب ومُنح المناضلين ضد الديكتاتورية. لماذا نبحث عن برابرة محررين ونحن نملك هذه الجحافل الجرارة من المقاتلين مدفوعي الأجر؟
2

الفتنة العراقية الكبرى
كنعان مكـّيـّة في “الفتنة” وهوامشها
بعد انقضاء صلاحية ما يعرف بـ “أسلحة الدمار الشامل”- سبب الغزو الرسمي – ظهرت أسباب جديدة، عقب مرور أكثر من عقد على الاحتلال، لم تكن تحتل الأهمية ذاتها قبيل وعند الغزو. “لا اعتقد أن بناء الديمقراطية كان هدفهم (الأميركان)الأساسي للاطاحة بنظام صدام”.(هوامش… ص 21) بعد ما يقرب من عقد ونصف العقد يكتشف مكـّيـّة ما كان آلاف العراقيين الديمقراطيين وملايين الأوروبيين يرددونه علنا في الشوارع والساحات العامة. ولم يتوقف الأمر على اكتشاف حقيقة المحررين حسب، لكن مكـّيـّة يعيد اكتشاف نفسه أيضا. يقول مكـّيـّة: لم يكن هدف إسقاط صدام بالاحتلال الأجنبي سياسيا في حساباته الشخصية، بل كان إنسانيا خالصا، وتحديدا لتقليل حجم “القسوة”. إذا قبلنا بهذا الحد المتواضع من الأهداف، ونسينا تعابير “العراق الجديد”، “عراق لا عربي ولا إسلامي” “عراق الحقوق المدنية حتى للمثليين”، وأخيرا “منارة الشرق الأوسط”، و” فجر الديموقراطية في العالم العربي”، فإننا لا نفهم سبب إحجام قوات شوارتزكوف، التي وصلت حتى حافة نهر الفرات القريبة من بغداد، من دعم الانتفاضة، التي لم تبق من “عراق صدام” سوى جزء من العاصمة وثلاث محافظات؟ ألا يعني هذا اختصار إثني عشر عاما من زمن القسوة؟ الحجة التي ساقها بعثيو المعارضة المتأمركون -ابراهيم الزبيدي- وأيده مكـّيـّة في روايته، تقول: إن السبب يكمن في الهلع الذي أصاب الأميركان جراء رؤية المنتفضين يرفعون صور الخميني! والسؤال الآن هو: كيف يخاف الأميركي من “صورة”، وفي الوقت نفسه، يسلـّم الحكم كاملا الى “مريدي إيران” (التعبير لمكـّيـّة) وميليشياتهم المسلحة بعد الاحتلال؟ يبدو أن هذه الأسئلة لم تخطر ببال مكـّيـّة. إن دراسة التاريخ باعتباره مزقا متفرقة، وحوادث منفصلة، لا ينتج سوى تخريجات كيفيّة تلائم كل الأذواق والحالات. لكن التاريخ كوحدة يؤكد لنا أن رفع صورة الخميني لم يكن واقعة مخيفة، بل كان إطلاق النار على صورة صدام، في “أم البروم”، من قبل الجنود المهزومين في معركة الكويت هو الإشارة الخطيرة التي تلقفها الأميركان. ارتدادات انكسار الجيش المرعبة، وما تحمله من عواقب، كانت الإشارة الدالة والبليغة. حينذاك لما تزل صورة صدام نافعة، لأنه رأس الحربة في مواجهة النظام الإيراني، العصي على التطويع. لكن حراب صدام موجهة الاتجاه دائما، لا يحق له أن يمدّ نصالها كيفما يشاء، ويطعن بها من يشاء. لقد نسي أصحاب نظرية البرابرة أمرا بالغ الأهمية يقول إن البربري الذي استقدموه هو شريك السلطة الظالمة في تدمير بنى العراق الاقتصادية والإجتماعية والنفسية، وهو الشريك الأكثر “قسوة” في تنفيذ حصار جائر، يعرف العالم أجمع أنه حفر جراحا عميقة في نفوس الشعب العراقي، ولم يلحق أذى كبيرا برأس السلطة. فكيف يقبل عاقل أن يأتي ببربري محرر، وهو يعرف أن هذا البربري هو من يحاصره، ويجوعه، ويهدم البيت على رأسه، لغرض تيئيسه وإذلاله وتدمير كبريائه، تمهيدا للاستيلاء على وطنه؟ ألا يتناقض هذا مع فكرة ” روح الكرامة” التي صنعها الربيع العربي، أم أن العراقيين لا كرامة لهم ولا ربيع! نحن هنا لا نستقبل البرابرة حسب، بل نشارك البربري، بإرادتنا الحرة، ونمكنه من الإفادة من نتائج مأساتنا ويأسنا وسحق كرامتنا كبشر ومواطنين، ونعينه على بناء سياسة لاحقة، قائمة على قاعدة نظرية واحدة: اليأس المطلق، تحت شعار جامع مانع في جهله ووقاحته، يقول” كل شيء أفضل من صدام”. ولكن، المجتمعات الحرة لا تبنى بهذه المعادلات الجائرة، المختلة الأطراف والأهداف.
ردود أنصار نظرية البرابرة، عند العجز الفكري، معروفة: يا لها من مثالية! نعم، قدر المثقف الطليعي أن يكون مثاليا، وقدره أن يرفع سقف مثاليته كلما تدنـّت سقوف السياسيين وضمرت ضمائرهم. لأن المثقف يصنع المناخ العقلي والتنويري، الذي يفتح للآخرين الدروب، بما فيها درب الأمل والحرية، ودرب مقاومة اليأس وامتهان الكرامة. ولكن حينما يتصاغر المثقف ويصبح عبدا لليأس العام، وأسيرا لـ “جينات” الخيانة، واستثماراتها السياسية داخليا وخارجيا، تنتفي الحاجة الى وجوده أصلا.
لذلك لم يتمكن كتاب الاحتلال من تقديم أنفسهم كمثقفين، بل واصلوا العمل باعتبارهم جيشا دعائيا في خدمة المشروع الحربي. إن الاسترسال في نظرية القسوة والصمت، باعتبارها هدف مكـّيـّة الأساسي الجديد، يغرقه مجددا في تلافيف “لاعقلانية” معمقة. لقد اعترف مكـّيـّة نفسه بأن ما جاء بعد الاحتلال من السوء والقسوة يفوق ما كان قبله. فهل نحن بانتظار بربري جديد؟ من هو؟ هنا تكمن العقدة، التي لا يريد مكـّيـّة الإفصاح عنها في الوقت الراهن، لكنه يمهد لها بكتابيه. فالكتابان يبدوان، في وجهتهما الدعائية والتبريرية، تنظيرا لما سيأتي، وجدول أعمال لما بعد مرحلة اليأس والإحباط الثانية، وليس لما حدث أو يحدث.
رواية عن الفتنة التي لم تحدث
إذا تركنا كل هذه المحاججات وذهبنا الى الفصول التي أفاض فيها مكـّيـّة في شرح تفاصيل الفتنة، جراء مقتل “الخوئي”، لعثرنا على أمر شديد الغرابة، وعلى نتيجة تلغي المقدمات النظرية كافة، التي أتعب الكاتب نفسه وقارئه في سرد تفاصيلها. نعثر على “فتنة” تتفق الأطراف الشيعية الرئيسية، جميعها، على تناسيها، بينما يصر المحتل على إحيائها، وإخضاعها لمجرى العدالة، من طريق إصدار أمر باعتقال مقتدى الصدر، بطريقة مشابهة لتسليم صدام في يوم العيد. يؤكد مكـّيـّة أن التحالف الشيعي، رغم انقساماته الشديدة والمتعددة، أصر إصرارا قاطعا على رفض الطلب الأميركي و”تعليقه” أو “تجميده”. إذاً، أين الفتنة أمام هذه الوحدة الصلبة والشاملة؟ هنا نكتشف أن المقصود بالفتنة شيئا آخر غير ما تعنيه في اللغة. ففي لغة مكـّيـّة تكتسب مفردة الفتنة معناها الحقيقي حينما تتحد بمفردتي الخيانة والمظلومية. من دون ذلك الاتحاد لا تكتسب المفردة مدلولها الموجه. المظلومية هي استشهاد الحسين، وتأويلها لدى مكـّيـّة، لا يعني كما هو متعارف عليه عند الناس واللغويين، الخذلان، بل تعني الخيانة! يقول النص: ” دخلنا نحن الشيعة هذا العالم ونحن ضحايا، ولكننا أيضا خذلنا إمامنا عليه السلام في تخلينا عنه”. حتى هنا كل شيء يبدو مقبولا ومنطقيا: مظلومية وخذلان. لكن النص يستدرك فورا ويضيف:” بكلام آخر خناه”( ص127 ). هنا في هذا “الكلام الآخر” يتم توحيد الخذلان والخيانة، لكي يستقيم تفسير معنى الفتنة، التي كونت صلب وهدف الكتاب. إن مكـّيـّة كغيره من البشر العقلاء يدرك أن الخيانة والخذلان أمران مختلفان، وفي أضعف التأويلات غير متطابقين تماما. فمناصرو الحسين لم يخونوه، أي لم ينقلبوا عليه الى الطرف الآخر، لسبب لازم، لأنهم شيعته الى يومنا هذا، رغما عن واقعة الخذلان. لكنهم تخلـّوا عن وعدهم بمناصرته في القتال، أي خذلوه وتركوه وحيدا في مواجهة البرابرة، كما تخلـّوا بعده عن زعيم التوابين سليمان بن صرد الخزاعي، الذي ثار على بني أمية توبة وبراءة من الخذلان الحسيني، ثم تلاه خذلان الإمام زيد. وهذان أمران مختلفان، كاختلاف أن يكون إصرار رفض الشيعة للطلب الأمريكي باعتقال الصدر “فتنة”، بدلا من أن نسميه درءا للفتنة، أو تحايلا عليها، أو وحدة في مواجهة الانشقاق الداخلي، وفق حسابات ومقايضات خاصة ومعروفة، تحت سقف طائفي. هذه التناقضات العقلية، تبدو مجرد تناقضات ظاهرية. ولكن الأمر خلاف ذلك تماما. فخلف هذه التناقضات يكمن بعد آخر، أكثر خطورة من التناقض اللغوي والعقلي، هو تناقض المشروع السياسي لمناصري وكتاب الاحتلال. لم يكن التحالف الشيعي من يحكم العراق في لحظة مقتل الخوئي، بل كان العراق تحت الحكم العسكري المباشر بإدارة جي غارنر، ثم تلاه حكم الحاكم العسكري الأميركي بول بريمر. أما النجف “برمتها”، فقد كانت تحت مسؤولية “الشاب اللطيف والمؤدب”، الممثل العسكري الأميركي (ص 287). لماذا لم يطبق الحاكم “المؤدب” أمر إلقاء القبض حينذاك؟ لماذا دفع به الى ملعب الشيعة، كما دفعوا بصدام قبله الى المشنقة الشيعية في يوم العيد؟ ولماذا لم يرفض أو يؤيد الشيعة الحاكمون الأمر، بل وقفوا في الوسط، حينما طالبوا بـ”تعليق” أو “تجميد” القرار؟
هذه الأحداث، تبين من دون لبس، أن بريمر هو مهندس “ملفات الفساد” الأول: الابتزاز السياسي، الفتنة، الخيانة، اللصوصية، الإرهاب. وهو الأب الروحي لمن جاء من بعده. لقد استخدم المالكي مرات عدة “ملف الخوئي” المعلـّق، في غير جولة صدام ومواجهة مع التيار الصدري، بالضبط كما استخدم ملفات “حيتان الفساد” ضد خصومه في التيارات المنافسة سنية وشيعية. أما المجلس الأعلى فقد لوّح مرات عديدة بتسخين الملف “المجمّد”. إن الابتزاز السياسي كوسيلة لإدارة السلطة، من طريق استخدام ملفات الإرهاب والفساد، هو المعنى الوحيد المستخلص من إطناب مكـّيـّة في تأويل تعبير الخيانة، وفي تقويل مقتل الخوئي ما لا يحتمله (الفتنة)، وفي تفسير “عدالة” الحاكم الأميركي وبراءته وأدبه. وللسبب عينه نراه يعلل مجزرة الصرخيين قائلا: الأميركان “مغفلين”!! ضللهم المجلس الأعلى، فقاموا بتلك الإبادة الرهيبة، التي تجاهلها الإعلام العالمي كله، بما فيه قلم مكـّيـّة الحر، الذي لا يميـّز بين مغفلين وقتلة! لأن الضحايا كانوا شيعة الذبح الحلال، الذين لا تنطبق عليهم تعابير فتنة وخيانة ومظلومية! أي باختصار ووضوح مطلقين: إن الفتنة هي أن تخون، أي أن تخذل الحلم الأميركي، وأن تبدد فرصة الحرية النادرة الممنوحة أميركيا “على طبق من ذهب”. هذه خلاصة موجزة لفكرة مكـّيـّة، التي سطرها بما يقرب من خمسمئة كلمة، وأودعها ثلاثة كتب متتالية الإصدار.
اخرج منها يا ملعون!
إن موضوع الفتنة، ببعده السردي أو الروائي، مُركبّا على حادثة مقتل “عبد المجيد الخوئي” في كربلاء، عند وصوله بمدرعة أميركية، باطل تماما من الناحية الفنية والواقعية كرمز للفتنة، كما أسلفنا سابقا. لكنه مصير مأساوي يصلح تماما لأن يكون رمزا روائيا دالا ومعبرا، ولكن ليس عن الفتنة والخيانة المقترحة من قبل مكـّيـّة. إن الضرب على طبل صفيح صدئ لا ينتج لحنا موسيقيا مقبولا، مهما اشتد وتعاظم الضرب. على العكس، سيقود هذا لا محالة الى زيادة حجم الضوضاء. وهذا ما حدث عند اتخاذ الخوئي رمزا. فهذا التركيب الصناعي لا يملك سندا واقعيا في التاريخ تأويلا أو واقعا متحققا، ولا يملك تاليا امتدادا فنيا في السرد الروائي، ولا امتدادا فكريا في المحاججات العقلية. فلم يكن الخوئي على الإطلاق مركزا سياسيا لطائفة أو جماعة عراقية معينة. كان مجرد وسيط صغير، يتولى مهمة الدعاية لمشروع “تحرير العراق” على الأراضي البريطانية. وهو هنا لا يختلف عن غيره من الأفراد الطائفيين، سوى بأمر واحد: ضعف امتداداته داخل العراق، والريبة المتعلقة بصدق هويته الدينية والسياسية. وهنا يروي مكـّيـّة واقعة شخصية طريفة، أقحمها في نصه، تسيء في نظر عامة الناس وخاصتهم، من حيث لا يدري، الى “السيد” وتثلم مصداقيته الدينية. فقد سجل واقعة دخول “الخوئي” بارا لندنيا (!!؟ ) على أنها ضرب من الرقي الحضاري، متناسيا موقعه الديني باعتباره “ابن المرجع الأعظم”!
وما يفاقم من فساد صورة الخوئي الريبة العميقة التي أحاطت ببعض مساعديه في الداخل، جراء جريمة نكراء، لا تغتفر، تتعلق بالوشاية والتسبب في مقتل رموز دينية كبيرة إبان حكم صدام. إنه فرد يملك مدارس ومواقع إعلامية متواضعة، لم تكن سوى واجهات غير مؤثرة ثقافيا وسياسيا، ممولة بريطانيا وأميركيا، استخدمت كوسيلة لصناعة لاعب مذهبي، لا أكثر ولا أقل. وحتى موته تم طي صفحته، ولم يتمكن أحد من الخصوم استخدامه بشكل فعال وسيلة لصراع بينيّ وداخلي، نظرا لهامشيته. فكيف يكون مقتل الخوئي مشابها لمقتل عثمان (الفتنة الكبرى) ومقتل الحسين؟
لقد أهدر دم الخوئي مرتين، مرة على يد قاتليه يوم الغزو، ومرة ثانية على يد مكـّيـّة حينما رفعه الى مستوى أعلى من قيمته، ملفوفا بقميص عثمان وكفن الحسين، في مقارنة عقيمة، مختلة الأطراف. هذا التصعيد الفاشل في دلالاته سلب موت الخوئي المثير بعده المأساوي المرعب، الذي يصلح أن يكون عملا روائيا رائعا، لو لم يحمّل أكثر من طاقته، ولو لم يوجه توجيها سياسيا قسريا على يد قاتله الفني.
إن تعبير “الخيانة”، بالمعنى الذي أراده مكـّيـّة في هوامشه، هو العنوان الصحيح للرواية بطبعتيها العربية والانكليزية. ولم يكن اختيار “الحبل” في الطبعة الانكليزية عبثا أو سهوا، أو عجزا لغويا أيضا، بل هو هروب من خواء تعبير “الفتنة”. لأن تعبير “فتنة”، في نظر القارئ الأوروبي، المجرد من الشحن الطائفي، خال من المضون عند تركيبه على حكاية الخوئي. إن تعبير “الفتنة”، المستخدم في النص العربي، جزء من مناخ التهييج الطائفي، علق على لسان مكـّيـّة، فاستحسن وقعه المرجعي الرنان وصداه في الواقع، لكنه لم يحسن ربطه بمضمون الرواية. وإذا أردنا التدقيق أكثر نقول إن مشروع “الفتنة” جزء من “نيات” وخطط أراد المحتل استثمارها ولم ينجح. وهي بهذا المعنى فكرة روائية صائبة، وصائبة أيضا الكتابة عنها باعتبارها جزءا من الخطط الإعلامية الثقافية للمحتلين. إذاً، الخيانة، وليس الفتنة، هي التعبير الدقيق والأمثل، الذي ينطبق على الخوئي وعلى النص الروائي وهوامشه. أما “الحبل” فينطبق على الفصلين الأول والثاني من الرواية، اللذين استهل بهما الكاتب روايته، واستغرقا ما يقرب من 25 صفحة، مليئة بالتفاصيل المعروفة والمطروقة، المنفصلة فنيا عن حدث الرواية الرئيسي في الفصول الأولى، وبالحوارات والتأويلات الملتبسة في الجزء الأخير. أما من الناحية التاريخية، فإن التأكيد على أن إعدام صدام أسس لبدء مرحلة العنف، لم يكن سوى محاولة لسرقة التاريخ، وجرّه الى مواقع مشتهاة. فمكـّيـّة يرى أن التاريخ العراقي الذي أعقب سقوط نظام صدام يبدأ من لحظة الشنق لتبرير أمرين: فني يتعلق باقحام فصول إعدام صدام في النص، وثانيا سياسي للقفز على اقتران “التحرير” بالغزو، أي بالاحتلال كلحظة تاريخية سوداء فاصلة في تاريخ المجتمع العراقي. يقول مكـّيـّة: “تغيرت الأشياء يوم الشنق”، “كانت أيامنا وأشهرنا وحتى السنوات بعد الشنق كلها بلا أمان بلا استقرار”.
هنا يقع النص في خلل بنائي جديد، لم يتداركه المؤلف. فالراوي يختتم سرده زمنيا بالشنق، فلا يستقيم الحديث عن أيام وسنوات ما بعد الشنق!! “بعد الشنق الوطن بأكمله قد وقع في ظلام آخر… “. ( ص 360)، وصولا الى عام 2014 “احتلوا الموصل”!
وحتى التبرير الخاطف، الذي ورد بعشر كلمات حسب، لكي يبرر هذا الاسترسال التاريخي الضاغط على أفكار المؤلف، زاد الطين بلة. اختلال وحدة الزمن خطأ تكويني عضوي، ينتج غالبا عن ضعف الدربة، أو عن العناد الايديولوجي لدى المتعصبين لأفكارهم على حساب الضرورات الفنية. الخروج من ورطة اختلال الزمن بادعاء كتابة رواية يزيد من عمق الاضطراب، يذكرنا، ويقربنا أكثر من فكر ورغبات صدام وعبقريته كمؤلف، بما في ذلك دعوته الى كتابة القصص. يقول الراوي:”اختـُرت لأكتب قصة السيد مجيد. أمي وأبي أرادا ذلك”، “نحن بحاجة لمزيد من القصص” (ص 307 )

المرجعيات: التلميذ والأستاذ
أرهق مكـّيـّة نفسه في إقامة جرد تفصيلي دقيق لمراجعه الروائية والشعرية تباهيا، رغما عن فقرها المدقع. لكن القارئ لا يعثر على أثر من تلك المصادر في النصوص، عدا مقالة عن الخيانة كونت جزءا كبيرا من مادة الكتابين. بيد أن القارئ الخبير يعثر في بناء الرواية ومناقشاتها العقلية على نمط كتابي محدد، من طراز “زبيبة والملك”، يذكر بقوة لافتة برواية صدام حسين ” اخرج منها يا ملعون” اسلوبا وتحليلا، وحتى في بعض الإشارات المشتركة: الخيانة، إبراهيم، الجلبي. الصورة التي رسمها صدام للـ “ملعون”، أضحت مرجعية فنية في الإعلام الأميركي، وجدناها مطبوعة على ملامح صدام في الشريط التلفزيوني الأميركي الوثائقي القصير، الذي سجل لحظة تفحص فم صدام ساعة اعتقاله. لمكـّيـّة فيلم أيضا عن حقبة صدام. المارينز يقرأون أدب صدام بتأثر! ولا غرابة أن نجد آثار أقدام صدام الفنية مطبوعة على أرضية رواية الفتنة أيضا.
مواقع التشابه الفني بين رواية “الفتنة” ورويات صدام كثيرة جدا، أبرزها: خلط السرد الأدبي بالخطب والمواعظ السياسية الطويلة المتشعبة، إسقاط أفكار المؤلف على الشخصيات، وتصدع الشخصية بفعل افتعال الحدث، مثاله لقاء صدام بالراوي، أو العكس تصدع الحدث بسبب افتعال بناء الشخصية ومثاله المحامي “الشريف”، كاتب “التقارير”، المتطوع لوجه الله في خدمة أعوان الاحتلال.
هل ورث مكـّيـّة (الضحية)، من دون أن يدري، بعض “خيانات” الديكتاتور الفنية؟
ربما، على الرغم من أنه أمر لا يصدقه عقل، بالضبط كما لا يصدق العقل أن يكون استاذا جامعيا، وباحثا، وكاتبا سياسيا، ورئيسا لمؤسسة “الذاكرة العراقية” يجهل حقائق عراقية شائعة، حديثة العهد، مشهورة، ومعروفة حتى للعامة. من الأمور المثيرة للحيرة الشديدة ورود عدد غير قليل من الأخطاء السياسية تتعلق بوقائع ذائعة شعبيا، منها على سبيل المثال لا الحصر: الادعاء بانشقاق الحزب الشيوعي العراقي على إثر تسلم البعث مقاليد الحكم! وبدء حركة الكفاح المسلح في أهوار مدينة العمارة، بدلا من أهوار الناصرية “الغموكة”! (ص 113 )، وأن شعارات الشيوعيين العالمية اسمها “حب الانسان” و”حقوق الانسان”، بدلا من “التضامن الأممي”. ( ص 133). وأن حركة القيادة المركزية تيار ماوي، في حين أنها تـُنسب الى النمط الجيفاري فكرا ووسيلة.
خلاصة: ما الهدف من صدور المتن والهامش؟ من المؤكد وجود دوافع شخصية في هيئة مكافآت أدبية محتملة، وربما مرجحة. ولكن، خلف الدوافع الشخصية تكمن أسباب مهنية وسياسية، أبرزها أن مكـّيـّة يستطيع من طريق إعادة الثوابت الأميركية، التي مزقها حجم الفساد والخراب العراقي ثم العربي، أن يلعب دور المجدد لمرحلة إعادة جدولة الاحتلال، ضمن الثوابت التي سمعناها من قبل: الاحتلال فرصة تاريخية ثمينة لا تعوض، الاحتلال تبادل مصالح، العراقيون وحدهم مسؤولون عن الفشل وضياع الفرصة، أميركا منزهة عن تهمة تغذية واستخدام الجماعات الإرهابية، الشيطان الايراني هو العدو الأكبر (قوي هذا الميل بعد وفاة الجلبي)، إعادة الاعتبار للعقلانية (الخيانة الصريحة). نحن هنا أمام برنامج سياسي متكامل الأبعاد، يتم عرضه من طريق صحوة الضمير، ونقد الذات. بهذه الإطلالة، غير الموفقة، يسعى مكـّيـّة مجددا الى أن يكون منظـّر الحقبة الجديدة، حقبة إعادة جدولة الاحتلال عسكريا وسياسيا وثقافيا، من طريق إعادة جدولة الخيانة.
سيقول الكاتب: ماذا تريدون أكثر من الاعتراف بالخطأ، والتأسي على ضحايا “أبو غريب” واستهجان إعدام صدام في يوم العيد، واجتثاث البعث! لكنه يغفل أنه يعتكز على أمور اصبحت من الماضي أولا، وثانيا أنها حزمة اعتذارات “سياسية ودعائية” واضحة الاشارة والقصد في طرق توجيهها، تشير الى إعادة التوازن العادل والمتسامح بين كتل البرابرة: البرابرة السابقين واللاحقين، البرابرة المنتصرين والخاسرين. وهنا لا نعثر على العراق كمجتمع، ولا على الوطن حتى كفكرة خالصة. هنا نجد إدمانا خالصا على عشق البرابرة.

مؤسسة الذاكرة العراقية بلا ذاكرة
إن شخصا بخبرة مكـّيـّة وحجم معارفه ومساهماته في أخطر تجربة تاريخية في العراق والمنطقة بأسرها، يرفع الى حد بعيد حجم التوقعات المفترضة أو المرجوة من كتاباته. لكن نهجه في الردع الاستباقي أفسد رغبته في “الاعتذار”، وجعل من اعتذاره مجرد لعبة خصام مع نقاد متخيلين، بدلا من أن يكون أمانة نابعة من الضمير ومن حجم الإسهام في الخراب الذي مارسه شخصيا. وإذا أضيف اليها التركيز على نقد الجماعات الشيعية، وتضخيم دور إيران، والنسيان المطلق للدور الاقليمي السعودي والقطري والتركي والإسرائيلي، فإننا نجد أن الاعتذار يسير الى وجهة محددة، مصممة تصميما سياسيا دقيقا لمصلحة اتجاه واضح المعالم، وإن لم يفصح عنه بجلاء. كل هذا جعل الاعتذار يبدو كأنه لم يكن حزنا على حجم الدمار الذي لحق بالعراق، وعلى حجم الإسهام الشخصي لمكـّيـّة وفريقه في هذا الدمار، بل على العكس، وجدناه يكرر التأكيد على الثوابت التي لم يتنازل عنها بعد وأهمها: إضفاء مسحة خيالية على شخصية الخوئي ودوره السياسي، وجعله ملاك الانتفاضة، و”الابن – العراقي الوحيد- الذي لم يصمت ولم يخن”، ومنحه شهادة تضحية، وتقميصه البطولة التاريخية الشيعية مجانا، للتستر على خدمته في فيلق الاحتلال وتحوله الى “دليل” فتنة مقترحة. وهي مواقف مطابقة تامة لدور مكـّيـّة نفسه، كما يرسمه بنفسه، حاصرا خطأه في دعم الجماعات الشيعية، وليس في استقدام الاحتلال، الذي لم يزل يرى فيه فرصة الضرورة النادرة، المهدورة. كل ذلك يجعله أقرب الى محاولة الاعتذار من المحتل، وليس من الشعب العراقي.
اختيار الخوئي – مكـّيـّة البريطاني – نموذجا، محاولة إسقاط نفسي مباشرة، للتماهي مع شخصية الخوئي. إن التماهي المطلق مع “الخوئي” : ” من هو هذا الرجل؟ إنه نحن، إنه كلنا، إنه أنا” (الفتنة ص 308)” يرغم القارئ على صياغة سؤال جوهري: ماذا كان بمقدور الخوئي أن يصبح لو كتب له أن ينجو من القتل؟ الجواب بكل بساطة، كما يقول تسلسل الأحداث: سيكون عضوا في الجماعة الحاكمة لوقت معلوم، وسيكون طبقا لمواهبه الفذة المتنوعة، أحد ألمع حيتان المحاصصة السياسية المميزين.

اخرج منها يا ملعون!

كان من الممكن لمكـّيـّة تحقيق بعض طموحه الشخصي الأدبي، وكان له أيضا اجتراح “خلاصة” و”منعطف” لو طبق على نفسه دعوته القائلة: ” على كل إنسان شريف ومحب للعراق أن يتفقد ضميره “. كان له ذلك لو أنه ترك نظرية “النوايا المخبّأة” ولم يغرق في هواجس وأوهام أن”يساء فهم روايتي الجديدة”، واستلهم “روح المواطنة”، حتى لو كان في هيئة كتابة رواية بوليسية، أو رواية من روايات “الأكشن”. بيد أن مكـّيـّة ذهب في الاتجاه الآخر. فقد أهمل الواقع بكل تناقضاته ومآسيه وذهب نحو صناعة واقع مختلق، من طريق رسم صورة فتنة لم تحدث في الواقع لا رمزيا ولا عيانيا. ولم يكتف بذلك، بل ذهب الى ما هو أبعد حينما صنع صداما متخيلا، يلعب دور الكاشف للأسرار، بدلا من صدام الحقيقي، لكي يتحرر من ورطة الواقع غير القابل للتأويل. صدام المتخيل في صورة السجين الحكيم، والخوئي المتخيل في صورة الملاك المحرر، ممتطيا فرس الحسين، هما البطلان الفنيّان الوحيدان، اللذان يمتلكان ملكة ترجمة فكرة انتظار البرابرة بطريقة روائية. كان بمقدور مكـّيـّة تقليب بعض أوراقه ليعثر على كنز روائي واقعي ومثير، اسمه “قوات العراق الحر”، الذي يلخص ظهوره واختفاؤه مأساة العراق كلها، بطريقة مشوقة، مليئة بالعبر الشخصية والتاريخية والأسرار المثيرة. مكـّيـّة هو الشاهد الحي الوحيد المتبقي، الذي يستطيع أن يخبر شعبه “الحبيب” من أين تم تجميع هذه القوات؟ ما مهماتها العسكرية والأمنية والثقافية؟ لماذا لم تـُلزم بحماية الخوئي، أو تنسق معه؟ ما أبرز بطولاتها الوطنية في مجال الرصد والإحداثيات، وفي مجال الاستيلاء على الوثائق الحكومية والحزبية، والضغط على السياسيين، والترهيب السياسي، وشراء الذمم، وفي تنفيذ “الفتنة” الثقافية الكبرى بالتحريض على نهب المواقع الأثرية والتراثية والحكومية، وفي مجال السيطرة على المواقع المالية والبنوك والوزارات المهمة، ومكاتب المحافظين، وإذكاء التحريض الطائفي السافر؟ أين اختفى هذا الجيش؟ هل يرتبط مكـّيـّة بهم ويرتبطون به الآن؟ أين انتشروا؟ وما صلتهم بفرق المرتزقة الدوليين، الذين تولوا مهمات الحمايات الخاصة والدولية باسماء وأغطية متنوعة، وما زالوا يقومون بذلك متنقلين من بلد الى بلد؟
مشهد حقيقي كهذا سيجيب بوضوح مطلق عن سؤال الرواية المحوري: هل ما حدث في الواقع، وليس في الرواية، فتنة أم خيانة؟ هل هو حبل لف حول رقبة الوطن أم حول رقبة صدام وحده؟ خدمة ثقافية صغيرة مثل هذه، ستكون حقا إضافة نوعية للثقافة السياسية، وتكون في عين الوقت تخفيفا لبعض منغصات الضمير، واعتذارا عمليا مرضيا للقراء، ولا نقولن للشعب، في أقل تقدير. فلا يكفي أن نقول “أشعر بالذنب اليوم” ( ص12) ، و”سأبقى مذنبا الى نهاية حياتي” (ص 24)
مثل هذا الاعتراف، المحمل بالتبريرات الملتوية، لن يكون سوى ضرب من المداهنة؛ وسيغدو ضربا من “الفتنة” و”الخيانة”، حينما يقترن بإعادة إنتاج وتسويق الذات المذنبة مجددا.

3
أحزان قابيل: من النفسي الى السياسي
قراءة في كتاب الفتنة لكنعان مكـّيـّة
لعل أبرز ظاهرة عقلية ونفسية نجدها في الفتنة وملاحقها هي الكابوس العراقي المرعب. هو عين الكابوس، الذي رأيناه من قبل، يظهر حتى في نبرات، وبين ثنايا أحاديث، أعلى القادة من مدمري العراق المباشرين: بريمر، بوش. المصير الكارثي للعراق، “عراق صدام”، ظهر قبل التدمير الحسي، في عبارات شوارتزكوف: “عملية قيصرية” و”استئصال” و”إعادة للعصر الحجري”، وفي تعابير بوش الابن”نحيلهم دخانا”. كل تلك الوصفات الجراحية لم تكن من قبيل “النيّات”، بل كانت هدفا سياسيا، وقسما ووعدا، تم تنفيذه حربيا بدقة و”قسوة” بالغتين. إلا أن حجم الأذى الأسطوري، الذي ألحق بالعراق، لم يكن خفيا على أحد. فقد وصفته الاكاديمية الأميركية ميغان سوليفان، التي مكثت في العراق عاما الى جوار بريمر، بطلب من بوش، لغرض دراسة الواقع، قائلة: “إنه الجحيم يا سيادة الرئيس!”. حتى أن بوش نفسه أظهر في مذكراته عواطف غير متوقعة، لا تخلو من الإحساس بالأسى، تتعلق بتدمير العراق، قال فيها، وهو يداعب كلابه:”في لحظة معينة أحسست أن العراق كُسر مرة واحدة والى الأبد”. وقد كان صادقا في أحاسيسه. لكنه تدارك الأمر، حينما أضاف: “ولكن… تمت اعادة الأمور الى نصابها”، وهو يعني إعلان تحقيق النصر التام، في الأول من نيسان 2003، وما تلاه من كوارث. إذا كان الأميركي المشغول بمصالحه الخاصة يصل في أحاسيسه هذا الحد المفجع “جحيم” و”كسر”، فما حال العراقي، الذي تولى إرشاد “اقناع” الغزاة بتدمير “عراق صدام”؟
ما الثمن النفسي، الذي يدفعه من أقنع الاميركان بتدمير وطنه، حتى لو كان بـ “نيّة” حسنة؟ وكيف انعكس ذلك عقليا عند الكتابة ؟ الثمن هو تحول العراق الى كابوس عقابي مرعب، يقضّ مضاجع مدمريه، ويرغمهم على الاستغراق في مطاردة ذنوبهم وآثامهم، ولكن بطريقة فنية، ملتوية، تصل حد تجميلها، وإعادة عرضها مزوّقة.
أبرز عوارض دفع الثمن نجدها في هلع مكـّيـّة المبالغ فيه من الواقع، وهروبه المستمر من مواجهته، والفزع العظيم من النظر في عيون الحقيقة المأسوية. لهذا السبب تحوّل الخوئي الى رمز قادم من التاريخ (عثمان أو الحسين، وربما أبعد: هابيل)، وتحوّل صدام بكل ثقله الواقعي الى شخصية خيالية، تتحدث مثل سحرة القبائل البدائية. أما العراق فلم يعد في خطاب مكـّيـّة سوى “فكرة”، محض فكرة مجردة. وحتى الدولة غدت لديه افتراضا نظريا.
هذه التجريدات العقلية سيطرت سيطرة تامة على مفاصل الرواية والهامش كلها. وصيّر التنظير الفتنوي العراق كله، بمواطنيه وأنهاره وترابه، قضية عقلية، وليس وطنا له شعب وأرض وحدود. إن إصرار مكـّيـّة على اعتبار العراق “فكرة” خالصة، وإصراره الأشد على جعل تحقق هذه الفكرة بشكل واقعي، لا يتم إلا من طريق الدولة المغيبة، يمثل ذروة الهروب من بشاعة الجريمة: “نفتقد روح المواطنة نحن العراقيين إذن لأننا تخلينا عن دولتنا وبالتالي عن وطننا”. هذا الاضطراب النفسي – العقلي يعيد مكـّيـّة مجددا الى ما يهرب منه، الى الواقع، الى السؤال الحسي الأول: عن أية دولة يتحدث الكاتب؟ ألم تكن الدولة في “عراق صدام” دولة؟ وهل تحطيم الدولة العراقية من قبل المحتلين لا يقع ضمن الجريمة وآثامها؟ ألم يكن تحطيم العراق دولة ومجتمعا شطبا للعراق، حتى لو نظرنا اليه باعتباره محض “فكرة” نظرية؟
أين الإعتذار إذاً؟
إن ما يقوم به مكـّيـّة لا يندرج ضمن مفهوم الاعتذار السويّ البتة، إلا في نظر بائعي نظريات “النيّات الطيبة” المبتذلين، تلامذة مكـّيـّة في جريمة الاحتلال؛ بل يندرج ضمن عوارض الضغط النفسي الوساوسي القهري، الذي لن تنقذ حامله أغلى محاولات المديح، حتى تلك التي جعلته “منعطفاً مهماً في أدبيات العراق السياسية”, و”خلاصة فن الاعتراف”، كما وصفته الكاتبة العراقية فاطمة المحسن في صحيفة (الرياض) السعودية.
هذا التحول النفسي والعقلي محاولة يائسة لمواجهة الضغط العصبي الكبير، حينما تتعرض له الذات، التي تعلم جيدا أنها أسرفت في “الذنوب” وأمعنت في الإيذاء؛ لكنها، في عين الوقت، غير قادرة على ايقاف نزعة الشر أو كبحها، فتقوم بالاحتيال عليها، من طرق تأويلها، بغية التعايش الآمن معها. إن أفكار مكـّيـّة التي تعامل البعض معها باعتبارها مقولات سياسية أو ثقافية، ليست سوى منغصات شعورية، واضطرابات ذهنية، وعوارض نفسية ثقيلة، أقرب ما تكون الى انتصار قابيل. إنه العقاب، الهروب المستحيل من مواجهة جثة هابيل، الممدة حتى هذه اللحظة، في عراء الجحيم العراقي.

مهارات تسويق الذنوب

لو قدر لنا تجريد “اعترافات” مكـّيـّة من المبالغات التكسبية الدعائية، التي جعلتها “منعطفاً” و”خلاصة”، وجرعة زائدة عن الحد من “الطيبة”، وقمنا بإعادتها الى أصلها، باعتبارها عملية مكاشفة ومصارحة سياسية خالصة، يبرز أمامنا سؤال جوهري: لماذا أضحى الاعتراف ضرورة الآن؟ ما الذي استجد والقوى الحاكمة بفسادها وجهلها وعماها الأخلاقي والمهني والسياسي لم تزل جاثمة على صدر الشعب؟
سيكون الجواب حتما: اليأس من إمكانية الإصلاح. اليأس! أليس هو اليأس نفسه الذي دفعنا قبل الغزو الى استقدام البرابرة؟ وإذا كان الجواب نعم، فأي بربري سنختار الآن؟ أوراق “البوكر” البربرية لا تحمل سوى صورة نجم واحد. البربري ذاته، بربري ما قبل، وأثناء، وما بعد الغزو. أهي أزمة برابرة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فالموضوع لا يتعلق بتأنيب الضمير وعقدة الذنب، الأمر يتعلق بعقدة اختيار البريري المنقذ، وإعادة تنصيبه محررا للمرة الثالثة.
إن صناعة التاريخ الحربي قد يجترحها حتى الحمقى والمجانين من البرابرة، لكن كتابة التاريخ أمر آخر، لا يقوى عليه سوى ضمير غير مثقل بالخطايا والآثام.
ما الجديد في برنامج البرابرة ؟
الردع الثقافي هو الوسيلة اللبرالية الأنجع لمواجهة الذات والخصوم! ألا يدل هذا على عجز تام عن مواجهة الآخر؟ ألا يعني هذ اعترافا مسبقا بعجز رواية “الفتنة” عن الدفاع عن نفسها بنفسها، باعتبار أن محتوى النص ومستواه الفني هما قوته النقدية الرادعة؟ هل خلف الأكمة ما خلفها؟ لا نعرف ولا يحق لنا تفسير “النيّات”. بيد أن المؤكد هو أن الردع الثقافي الاستباقي على “النيّات” مؤشر ما على أن دورة الاحتلال الراهنة دخلت في مرحلة تأسيس قيادة ثقافية جديدة، تملك حصانات نقدية وعقلية، على طريقة “معنا أو ضدنا”، تتولى إدارة المرحلة المقبلة، مرحلة حصاد نتائج الاحتلال، وجني ثمار الربيع العربي، “صانع روح الكرامة”، ربيع ما بعد مجيء البرابرة.
الاستخلاص النقدي الذي نصل اليه هو وجود تغييرات هامة في فكر وفي مشروع مكـّيـّة الثقافي، أبرز ملامحها: الانتقال من النقد الى الردع. الانتقال من محاكمة الواقع الى محاكمة النيّات. الانتقال من منطق القوة المطلقة “معي أو ضدي” الى العنصرية السافرة و”الجينات”. الانتقال من الواقع الى الخيال. وأخيرا الانتقال من الحلم الفاشل الى إعادة إنتاج الحلم، من طريق التبشير بمرحلة جديدة قائمة على الاعتذار اللفظي عما فات أوانه، وقطع الوعود النبيلة ببداية نظيفة وعقلانية، خالية من الخيانة والفتنة.
ولكن، لم يوفق مكـّيـّة في اقناع قارئه بصحة ودقة أفكاره الرئيسية ونيّاته الطيبة. إن إصراره على لعب دور الملقن السياسي لشخصيات الرواية، قاده الى رسم صورة لا تتطابق “نياتها” مع واقعها المعاش، وأسبابها مع نتائجها نظريا وروائيا وواقعيا، بالضبط كما تناقضت رغبات مكـّيـّة “الطيبة!”، الهادفة الى تحرير العراق، مع النتائج الكارثية للتحرير. بيد أنه نجح في رسم صورة دقيقة للفتنة باعتبارها مشروعا مضمرا، وجزءا من “نيّات” وسياسة الاحتلال، التي فشلت تماما في تحقيق الفتنة المطلوبة على أرض الواقع، كما يؤكد مكـّيـّة نفسه في خلاصته القائلة: “جميعهم اتفقوا على طمس الحقيقة، والتزموا الصمت”( ص 304). لقد نجح مكـّيـّة روائيا أيضا في توثيق فشل الاحتلال في تعميم الفتنة، واخفاقه في نقلها الى الجانب الشيعي. هذا التناقض النظري والفني انعكاس طبيعي لأمرين متداخلين: أولهما، فشل الرغبة الأميركية، حتى الآن، في استثمار الأحداث كلها لصالحها في الواقع، ومنها إشعال الفتنة الشيعية الشيعية الكبرى، التي سعت اليها مرارا بطرق مختلفة. وثانيهما، إصرار كتاب الاحتلال ورغبتهم الدفينة في تحقق تلك “النيّات”، ولو نظريا، في هيئة نصر مكتوب على الورق.
أيهما كان السبب؟ هل الجلوس في مقعد الروائي غير الخبير وأد المغزى النظري السياسي؟ أم أن الـ”النيّات” السياسية وما رافقها من تنظير متناقض مزقت وحدة الرواية العقلية، وأضعفت بنية شخصيتها الرئيسية وحدثها المأسوي؟
ختاما: إن “الفتنة” باعتبارها اضطرابا شعبيا منفلت العقال، هي التعبير الأمثل المطابق لفكر المشروع الأميركي الجديد: فوضى الحرية. وهو البرنامج “النيّة”، الذي سعى اليه المحتل، لكنه فشل في إدارة بعض مفاصله، بسبب عوامل داخلية عديدة، وفشل معه جيش الدعاية الحربية ومستشاروه الثقافيون، الذين تولوا مهمة ترويجه. لكن المحتل نجح نجاحا باهرا في مواطن أخر من “مشروع الحرية بالفتنة”، كالفتنة السنية الشيعية، والإسلامية المسيحية، والإثنية، والمناطقية والعشائرية. لذلك يبدو أن كتاب، أو كتب، الفتنة تترجم، من دون وعي من كاتبها، الجزء الفاشل من مشروع فوضى الحرية، الجزء الذي لم يوفق المحتل في استثماره لصالحه عراقيا، والذي يُراد الآن تحويله الى برنامج عمل ثقافي ومراجعة، تؤسس لمرحلة ما بعد فوضى الحرية والفتنة العامة، الوطنية.
هل نحن مقبلون على مرحلة الفتنة الخاصة، النوعية، الفتنة الشيعية الشيعية، والسنية السنية، والكردية الكردية، والمسيحية المسيحية؟
هل هو الكتاب المناسب، في الوقت المناسب، للفتنة أو الخيانة المناسبة؟ أم أنه جرعة “طيبة” جديدة قد تخطئ هدفها مرة أخرى؟

شاهد أيضاً

عدنان ابو اندلس: طلال الغوّار.. المسكون بالحب التكاملي

دراستي المنشورة في مجلة ” الموقف الادبي ” العدد 592- آب -2020 ، والتي يصدرها …

فاروق مصطفى: الدكتور فائق مصطفى وجهوده في دراسة الادب المسرحي العراقي

صدر كتاب جديد للدكتور فائق مصطفى الناقد و التدريسي الاكاديمي في كلية اللغات جامعة السليمانية …

خليل مزهر الغالبي: الخطاب العابر للأدلجة لرواية السماء المقَسَمة للروائية الالمانية كريستا فولف ترجمة الدكتور رياض احمد طه

الكاتبة الألمانية ” كريستا فولف (1929-2011)كاتبة حرة من جمهورية “المانيا الديمقراطية” انذاك، حصلت على عدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *