الرئيسية » نقد » ادب » خيرة مباركي: صناعة الصّورة وشعريّة التّشكيل اللغوي في مقطوعة الشاعر فائز الحداد : “سأقطع يسراي بيمين التوبة”

خيرة مباركي: صناعة الصّورة وشعريّة التّشكيل اللغوي في مقطوعة الشاعر فائز الحداد : “سأقطع يسراي بيمين التوبة”

khaira-mobarki-2هو الإبداع ..وهي اللغة توأمان من نسل ذاكرة تنهض من ركام التّقعيد إلى التّحرر والإنطلاق اللّساني ،في آفاق جديدة ، للتّواصل القصدي الذي يخرج من العبارة إلى المقاصد ومحاولة اقتناص المعاني المنفلتة ، عبر استراتيجية مخصوصة في إنتاجها مشروطة باللغة وأحكامها ..إنّها مساربه ..مسارب الشاعر فائز الحداد الذي أبى إلاّ أن يؤسس كونه الشعريّ وتمثلاته للمعنى عبر لغته الخاصة جدّا وإرادته في التعبير التي تتجاوز ما يشكله الخطاب وماترتّبه الأبجديّة ..وهذا الاختيار في سياق التّواصل والإنشاء الجمالي من شأنه أن يخلق في صميم الخطاب أنساقا يكون فيها التفاعل على سبيل الانسجام أو التنافر بين ما ينجز من أعمال اللغة وما يتحقق منها بالتأويل ..وكأننا بشاعرنا يزجنا أمام كوجيتو جديد ” أنا أبدع إذن أنا موجود ” وفعلا هو وجوده الذي يتحقق بتمرّده على قواعد اللغة لنقف أمام طاقاتها التّعبيريّة التي تدفعه إلى إنتاج المدلولات المفارقة ..فكأننا بشاعرنا يراقص أبجديته فيثير انفعالنا ويزيد من شغبها ..بهذا يجعل من اللّغة مادّة أساسيّة تمارس تأثيرها السّحري فينا حتّى لكأنّ هدف الشّاعر من الخطاب لم يعد مجرّد الإبلاغ وتعرية المقاصد والتعبير عن حالة بقدر ماهو إثبات لعشق اللغة والتغزّل بمفاتنها ، بما ينسجه من حروفها وأبجديّتها من بُرَدِ اللفظ وتواشيح المعنى ..لذلك فهدفه بات اللغة ذاتها ..حيث بتنا نتحدّث في نصوص الحداد عن النّص بما هو تشكيل لغويّ وفعل كلاميّ .. يؤسّس لعلاقة مخصوصة بين القارئ والمقروء ..فتنبجس علاقات لغويّة جديدة تحكمها الانزياحات الاختلافية التي تتجاوز خرق أنظمة اللّغة المألوفة إلى تشييد أبنية نصّيّة متجدّدة تنسجها الألفاظ في ما بينها من ناحية وتجدّد السّياق وتنهض به من متداول المنظوم من ناحية أخرى ..وهنا ونحن نقف على عتبات هذه القصيدة ، مشدوهين ..مشدودين بوثاق الدّهشة والتّعجّب ..تستوقفنا جملة من المعاني التي تتجذر في عمق شعر الغزل وهي الشّكوى من سلوّ المعشوق وأثره في نفسيّة العاشق .. ولكن ميزة صاحبنا أنّه لا يرضى بمألوف الكلام ولا بمتداول المعنى ..لهذا فما يمكن إدراكه من وراء الخطاب خطابا مغايرا مسكوتا عنه ..وما يذكره الشاعر هي مجرّد متكآت وحوامل لمضامين يتلقّفها وجدانه النّاطق بها ..إنّه كلام مرتّق بالفجائع ..ولكنّه مثقل بالرّموز يوحي أكثر ممّا يصرّح .. وهنا لا يمكن أن نستكنه النّصّ ما لم نتمثّل صوره الكلّيّة ومعانيه الغزليّة الظاهرة حتى ندرك نظام اللغة واستراتيجيا الشاعر في ذلك وقدرته على الإيحاء من خلال خلق علاقات جديدة في كيان اللغة ..لذلك فنحن أمام فضاء نصّيّ تحكمه الدوالّ اللغويّة وله تعبيريّته ..ودلالته الخاصّة ..فقد حضر معنى السّلوّ ومعاناة العاشق كما أسلفنا .. ليغدو خطاب مكاشفة وعتاب ، يستحيل ذاكرة وتاريخا ..ولكنّه أيضا ملحمة عشق يحتضر على عتبات الهزيمة ..تصادرها الأحلام المكبوتة ..فيحملنا السّياق إلى واقع وجدانيّ مأزوم ..ترتدّ فيه الذّات خائبة هزيمة تنبجس من خلال أسلوب الشّاعر حين يركن إلى الإنفعال وتجيء الكلمات حبلى بالرّفض من خلال جملة من الأنساق التّعبيريّة المتردّدة بين التّقرير والإنشاء في شبه حركة ديناميّة من بداية الخطاب إلى نهايته ..faez alhaddad 2
ينطلق في البداية بأسلوب تقريري فيه تمهّل السّرد وتقريريّته التي تضفي إيقاعا نحسّه بالوجدان يقرع أجراس دواخلنا وينفذ إلى أعماقنا مما يضعنا أمام شجن الذات وخذلانها من أراجيح الكذب في صخب التّواريخ ، عندما تنطق بالغوى ..لقد بدت هذه الصّور بمثابة المعاني اللاشعوريّة التي تنفلت من اللّسان بشكل لا إراديّ .. ومن رقابة المنطق والوعي حتّى لكأنّه الحلم في انطلاقته لتكون الصّورة الشّعريّة شعورا وجدانيّا كأنّه التّداعي .. بذلك تتلبّس الصّورة الفنّية عنده بلبوس فنّيّ خاص ..قد لا ندركه إلاّ في أشعار فائز الحداد حين يستبدّ به جنون الشّعر فيحلّق بعيدا إلى المتواري الخفيّ والغائب المضمر ..إنّه فعل اللّغة حين يشيّد من من المنطوق أنساقا جديدة لم يتعوّد عليها اللّسان ليسكن الصّمت هذه اللغة فيدخلها ويكون معها اشتغال الفكر وترويضه على استيعاب مقاصد الشّاعر التي اعتبرها خيارا فنّيّا فيه مماطلة ومراوغة في الكشف عن حقيقة السّياق وهي في حالة إرجاء للفهم بغية ترويض المعاني وتقديم التّصوّرات للكشف عن مرامي الصّورة ..فحين يشكو:
لما اعتراني خصاب وجهك صاخبا بلذّة الهيام
استيقظت بإحساس اللّصوص
وتعثّرت عيناي بحلم الخطيئة
يتحوّل الوجد إلى فعل إخصاب وولادة فيه لذّة الهيام وهذه الولادة والانبعاث ليسا انبعاث وجد كما يخيّل إلينا بقدر ما هو انبعاث خيبة من سلو المعشوق ولعل دلالة لفعل “اعتراني ” من شأنها أن تؤكد المعنى في ذلك ..فاعتراني يعني في قواميس اللّغة أصابني ..واستولى عليّ ولحق بي … وهذا إنما يرتبط بكلّ مكروه وسوء ..وكأنّ الوجد يتحوّل بمفعول اللغة لا بمفعول الشّعور ..هو مقدّر عليه وأصابه كما يصيب السوءُ ..لقد هتك شاعرنا بكارة اللّغة وجعلها مرتعا لولادة أنساق جديدة لا رادع لها ولا حدّ لمقاصدها ليموت معها التكرار والاتباع لما هو كلاسيكي ومتداول ..إنّه تدبّره حين يتجاوز منطوق اللّسان وما اعتاده إلى الزّج بقارئه في عالم مربك ..باعث على التّفكير ..هنا قد نقف عاجزين عن فرض واقعيّة اللغة بما أوتي لها من حلل جديدة للتصوير الفنّي ..فما معنى أن تتعثر عيناه بحلم الخطيئة ؟ وكيف يمكن أن نجمع فعل التّعثّر بما يعنيه من سقوط. ودلالة الحلم وما يوحي به من صعود إلى عوالم أثيريّة ؟ وكيف يمكن أن نربط هذه العوالم الميتافيزيقيّة وهذه الأحلام بمعنى الخطيئة ؟ وهل من المعقول أن ترتدّ الخطيئة كفعل مذموم وكقيمة مرفوضة لترتبط بالمنشود والحلم ومن ثمة بالمأمول ؟ إنّها الدهشة والمتعة التي تحدثها هذه الصور وهذا الاختراق لمنظوم اللغة ولعله من ضروب الحدس الشّعري وهنا نستشهد بمقول جان بورغوس بأن ” الصّورة تفتن .لأنّها تسمح بالرؤية والحياة حين لا نتوقّعها …” قد ينقذنا السّياق والسجلاّت اللغويّة لتمثّل معاني النّص فتحضر معاجم الخيبة والخذلان ( احساس اللصوص ..حلم الخطيئة ..ضجيج البكاء ..نادبات الغوى ..فيء خذلانك .. أرجوحة الكذب …) لينتهي بالانفعال والتوتر بخطاب من خلال تكثيف الأسلوب الإنشائي وخاصة الاستفهام الذي دلّ على معنى الاستنكار والرفض والتبرم ( كم ألهمتني التمني في مناي الشائبة كيف يهون الحب كمزحة .. كيف يشرب الليل كأس ندامتي .. قد يستوقفنا ذلك الإنفعال المتولد من الانشاء ولكن ما يستوقفنا أكثر هذا الاسترسال والقدرة الفائقة على الخروج على المألوف يحكمها الناظم الرؤياوي ..وترتهن بالانفعال ..فتكون ” التخميرة ” ويكون الانفلات من قيود اللغة حين تستبد به المشاعر ويطلق العنان للفظ ليحلق في فلوات وأوساع لا حدّ لها …فإصرار العشق يرتبط بإصرار اللغة .. العشق واللغة وجهان لعملة واحدة .. فيرتبط حينئذ فعل القطع بعلامات الاعراب :
: سأقطع يسراي الغادرة بيمين التوبة
وأرتّق ما تبقّى لي من الفجايع
معربا بعلامة امرأة مرفوعة بثنياتها
لم يقربها النّصب ولم تجرّها عربة السّارقات
هنا قد يرتبط القطع بالوجدان إذا ما اعتبرنا لفظ يسراي.. ”
” من سبيل الكناية عن الموصوف ولعله القلب بما يرمز إليه من عاطفة
أما اليمين فهو العقل سبيل التوبة والوعي ..ولكن مع ذلك يستشرف البديل الموضوعي للخيبة والانكسار لتكون القصيدة هي العشق الأوحد ..وقد دلل عليها من متعلقات اللغة
( معربا ..علامة ..مرفوعة ..النصب … تجرها …)
فالقصيدة ولغتها بديله عن عالم الرذائل والخيبات .. لا عشق بعد عشقها يسحرنا بها ويتوجها سرمدا .. هي الحلم وفيها تنتفي عناصر السببية وينتفي المنطق ..ولم تجرها عربة السارقات ..إنه منتهى الاحتفاء يجعلها كرؤيا تنفتح على المستقبل والحلم ينبشها من سديمية اللغة وأبجدياتها ..
النص :
سأقطع يسراي بيمن التوبةِ

لما اعتراني خصاب وجدكِ صاخبا بلذّة الهيام
استيقظتُ باحساس اللصوص..
وتعثّرت عيناي بحلم الخطيئة!!
أُحبُّ ولكنْ .. لو أباعد دماً دون ضجيج البكاء
أبتعد، أجل ..وأرحلُ!!
وخلفي تصخب التواريخ بنادبات الغوى
لأنشر بفيء خذلانكِ..
غسيل أدمعي على أرجوحة الكذب..
أو أتضاحكُ عليَّ باعذاركِ المتهيّبة
غفوت مغشيا كغيمة ضاجة الرؤى..
فجئتِ بريحي.. وما أمطرتِني إلا بالهذيان
أنتِ الهاذية الطامعة بغير عذار الحبِّ
الغافية بين جنّة الرؤى وجنابة الكلام..!!
كم ألهمتني التمنّي في مناي الشائبة
كم رزقتِني الغدر في سماحة الطيب
وياااااااااااااااا ..
لحصاد الأعينِ حين خرّ نجمكِ باهتا
فوق صدر قناعتي.. وكنتِ ولا كأنكِ الحجّةُ !!
أستاهل أن يشربني الليل كالندامى
أن يهجونني الشعرُ بكلِّ ما اغتلبتُ
وما استحلتِ دمية .. ولا أعتب!!
لأنّكِ لم تعادلي ريحي في دوازن هواي!!
فاختلّت الساعة في الميزان..
وأدركت بكارثتي:
كيف يهون الحبُّ كمزحةٍ..
بين جنان الرؤيا ودوار الرؤىٍ
وكيف يشرب الليل كأس ندامتي
وأصادر بحلوى الفراش راهبا!؟
يميناً ..
سأقطع يسراي الغادرة بيمين التوبة
وأرتّق ما تبقّى ليَّ من الفجايع
معرباً بعلامة امراءة مرفوعة بثنياتها
لم يقربها النصب، ولم تجرّها عربة السارقات!!
فائز الحداد

*عن صحيفة الصدى اليومية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *