هديّة حسين: وسواس قهري

hadiya-5البيت الفارغ مملوء بالضجة
مثل إيطالي

هي عادة ألِفتُها منذ الصغر فتحكّمت بي، أعدّ شجر النخيل وأعمدة النور وأنا في طريقي الى المدرسة، أعد الدكاكين والمقاهي والمكتبات وإشارات المرور، وكم شرطي يقف بلا مظلة في الصيف اللاهب أو في زمهرير الشتاء.
أصبح الأمر بمرور السنين لا يطاق، رحت أعد الخطوات التي أخطوها من باب الشركة التي أعمل فيها الى باب مكتبي وبالعكس، أعد سيارات الباص الكبيرة الحمراء، الأرقام في مؤخرات أو مقدمات السيارات الخصوصية، عدد حبات العنب في العنقود أو حبات الرمان بعد أن أفرطه، وكذلك أشياف البرتقال وعدد الحبات الصغيرة داخل كل شيف.. صوت ما يأمرني بذلك، صوت يشبه صوتي لامرأة لا تشبهني.
أراهن بيني و (بينها) على الأعداد الزوجية، تشعر بالضيق وتعاندني، كثيراً ما تغلبني فأسقط في كآبة حادة، وإذا ما غلبتها ترد بعصبية:
ـ ما لكِ والأرقام الزوجية؟ أنتِ وحيدة وعزباء وهذا لا يناسبك.
أرد بهدوء:
ـ أنا التي اخترت نمط حياتي.
تصرخ بي:
ـ نحن لا نختار، الأقدار هي التي تختار.
أحافظ على المسافة بيني وبينها لئلا تأتي العواقب وخيمة، لكن المسافة أحياناً تتقلص، وحينها تثور تلك المرأة التي تسكنني وتصخب في ممرات رأسي ولا ينتهي الأمر الا بحبتين أو ثلاث من الفاليوم.
**
أمشي مسرنمة أحياناً، تختلط عليّ الأمور وتتشابك الأرقام ويضيع العد، لا أدري كم عمود مرّ ولا كم شجرة خلّفتُ ورائي، أنسى أمر الدكاكين والمقاهي، يصير ظلي هو الذي يحدد شكل اللعبة، أراه ينبثق من بين قدميّ ويستطيل أمامي.. المرأة الأخرى هي التي تتشكل على الرصيف، بخطواتها المتئدة وشعرها الغجري الذي يشبه شعري، تبدو أقصر مني، لكن ما إن أفكر بذلك حتى يأخذ الظل بالامتداد ويصبح أطول مني، يسير أمامي ثم ينحرف يميناً، ينحسر ويختفي بعد لحظات لينبثق ثانية من جهة اليسار، يبهت ويختفي مرة أخرى، وهكذا حتى أصل الى البيت وأتنفس بعمق لأن الظل توارى.
بعد ذلك، أعِد الطعام لنفسي.. أقشر حبتين من البطاطا، أقطعهما على شكل أصابع، أحرص أن يكون عدد الأصابع زوجياً، أقليها على نار هادئة، ثم أضعها في صحن، أضيف إليها حبات الزيتون وعشر قطع صغيرة من الخيار، آكل من دون شهية، ومع ذلك لا أترك شيئاً في الصحن، ولا أزيد عليه خوفاً من أمر مجهول يحذرني “الصوت” منه.
أشعر بخطوات قريبة مني،ثم أسمعها تهمس لي:
ـ أنتِ مصابة بوسواس قهري.
أتجاهلها، أشاهد التلفزيون، يدهشني عالم البحار، مئات الأسماك الملونة، الذهبية والزرقاء والمرقطة والسوداء والمقلّمة والحمراء.. حركة سريعة لا تتيح لي عد الأسماك، تضيع الأرقام فأتخلص ولو الى حين من العادة التي التصقت بي والتي لا يمكنني الفكاك منها.
لماذا هذه الكأس هنا؟ يجب أن تكون في الخزانة.. الصحن الملون على حامل حديدي في الجهة اليسرى، الى جانبه نبتة الصبار.. دورق الشاي في مكانه المخصص قبل الاستعمال.. من جاء بهذه الطنجرة هنا؟
أخاف تغيير أمكنة الأشياء، كل شيء في مكانه وإلا سيحدث لي مكروه، الصوت في رأسي هو الذي يحدد ما أفعله وما أمتنع عنه، ربما هو صوت المرأة التي تناكدني طيلة النهار.. لا أدري.
في مرات كثيرة قررت فك الارتباط بها، والهروب من الأوامر التي تغل يدي، لم ينجح الأمر، في كل مرة أحاول فيها شق عصا الطاعة أجدني في مأزق، تتكسّر الصحون، وتتهشم الكأس، وينزلق الصحن الملون من على الحامل، وتحترق أصابعي بالزيت الحار.. أصاب بالدوار أو بالغثيان، ترتبك خطواتي، يصبح الظل عملاقاً ويدور من حولي، تأتي الأرقام فردية في كل شيء، في حبيبات الرمان والبرتقال، في الدكاكين والمقاهي التي أمر بها، يضيع العد في أعمدة النور وأشعر بالإعياء.
**
دخلت الشركة التي أعمل فيها، غرفتي رقم 4 على يمين المصعد، شعرت بارتياح وأنا أرى مكتبي مرتباً، عليه حزمة فايلات ملونة، كل شيء في مكانه كما تركته، أنا لا أسمح لأحد أن يعبث في مكتبي، المسؤولية مسؤوليتي في ترتيب وحفظ المعلومات الخاصة بزبائن الشركة، ربما يتأخر الرد على لساني حينما يسألني أحد عن أية معلومة، عليّ قبل كل شيء إتاحة الفرصة لي لكي يكون ردي صحيحاً، أنا أخشى زلة اللسان أكثر مما أخشى زلة القدم، وأخاف الأطباء النفسانيين كذلك.
في الطريق الى البيت ألمح كل يوم يافطة طبيب نفساني يدعى محمود عبد الفتاح، راودتني ذات مرة فكرة الصعود الى عيادته في الطابق الثالث من عمارة فخمة، كان المصعد عاطلاً فصعدت الدرجات، ووجدتني أعدها: واحدة، اثنتان، ثلاث درجات، أربع…… تسع عشرة… لو كان العدد عشرين لدخلت العيادة، أما وقد كانت الدرجات تسع عشرة فالأمر مختلف، ومما زاد الطين بلة أن حروف اسم الطبيب فردية، وكذلك اسم أبيه.
**
هذا الصباح كنت بمزاج رائق، قررت وأنا في الطريق الى العمل مقاومة الأصوات وعدم الامتثال للأوامر، لن أخاف مما سيحدث، لدي شعور بأنه لن يحدث شيء، لا يهمني عدد حبات العنب والرمان، سأبعثر الصحون والطناجر حالما أعود الى البيت، لقد عزمت وحسمت أمري حتى من دون زيارة طبيب، وسوف أطمر كل صراع في رأسي، وأتجاهل أرقام السيارات، وعدد أشجار النخيل وأعمدة النور، ولا أنظر الى قدميّ لكي لا أتابع ظلي، ولن يضيرني شيء إذا ما بدأت العمل بالفايل الأخضر أو الأحمر.
تخففت من أشياء كثيرة حين جلست في مكتبي، شعرت ببهجة لم أشعر بها منذ سنوات، ضحكت، ثم رحت أردد أغنية قديمة لا أتذكر من غناها، أعجبني صوتي الى الحد الذي رحت معه أتمايل وسط غرفة المكتب، فجأة دخل المدير، ارتبكت أمام نظراته وتسمّرت، طلب مني أن أترك مكتبي الى الموظفة الجديدة، وأشار إليها، كانت تقف عند الباب، لم أجد ما أقوله، أحسست بغصة تربك مرور الكلمات الى شفتي، نظرتُ إليها، كانت أنيقة بشكل ملحوظ، وأصغر مني، وعلى شفتيها ظل ابتسامة ساخرة.. حملت حقيبتي وهممت بالخروج، قال المدير وهو يستوقفني:
ـ يا آنسة.. خذي إجازة مفتوحة، سنستمر في دفع راتبك حتى تشفين.
سحب ورقة وكتب فيها، ثم ناولني إياها قائلاً:
ـ هذا اسم طبيب يمكنه مساعدتك وسوف أتابع معه حالتك.
ليس ثمة مشكلة، قلت مع نفسي، سوف أنفّذ ما أمرني به المدير على الرغم من أنه لا يعرف بأنني تخطيت حالتي ابتداءاً من هذا اليوم.
أشرت الى سيارة أجرة، جلست غير مكترثة لفقدان وظيفتي مؤقتاً، قال السائق: الى أين؟ كنت أشعر أن كل شيء على ما يرام، أخرجت الورقة التي زودني بها المدير، ودهشت عندما قرأت اسم الطبيب محمود عبد الفتاح.. وبدل أن أمضي إليه وجدتني أعطي للسائق عنوان بيتي.
في الطريق الى البيت رحتُ أعد أعمدة النور والدكاكين والمقاهي والأشجار، وأتابع أرقام السيارات، وأدرج في رأسي عدد الباصات الحمراء…. هذا أهون عليّ من صعود تسع عشرة درجة، وطبيب حروف اسمه واسم أبيه فردية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : فاجعة .

 نقلها إلى المستشفى بعد أن فشلت محاولته إنقاذها في البيت، أُدخلت غرفة العناية المركزة، نظرت …

| نبيل عودة : الفجر يولد من جديد .

لذكرى انتفاضة الأقصى 28-09-2000   نكبت حارتنا بامرأة حل لطف الله عليها، تخرج كل ليلة …

تعليق واحد

  1. القاصة والروائية نيران العبيدي

    نهاية تعتمد على الكوميديا السوداء , والموقف الساخر تقترب كثيرا من قصص غوغول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *