خيرة مباركي: بين إيقاع الصورة وصورة الإيقاع في قصيدة : “صواريخ آخر الليل ..إلى الموصل تاج الحضارات“

khaira-mobarki-2.. وهكذا حدثت شاعرتنا الدكتورة بشرى البستاني .. صواريخ وصراخ كلاهما يحدث في أعماق الخطاب..غضبا و قوة ..لتتحول صورة الليل من الهدوء والسكينة إلى الصّراخ فلم يعد زمن المناجاة والعروج إلى عوالم الأحلام بل هو إطار يحتضن العنف والدويّ ..دويّ الرّصاص.. إنّه ليل منهك بالحروب يرتّق من الوجود ظلاما . وينسج من أحلام الأبرياء أشلاء تتلظّى في سعير الحرائق تعبّر عنه المتكلمة من خلال هذا النسيج اللغوي الذي يصل الخطاب بدفقة شعوريّة تكشف عن نفسية الشاعرة التي تتلهّف لإخراج طاقة كلاميّة توجد نوعا من التداعي يضارع صوت الرّصاص فتسرف إسرافا على وقع أنغام سيمفونية حالمة وقافلة من ضجيج تطلقها الحناجر من قواف يتواتر فيها السكون ليحدث انحباسا صوتيّا حين تستعيض عن الاهتمام بالروي لتسلّطه على حركة المُجرى وهذا ينضاف إلي جملة من الظواهر الايقاعية التي تجعل النص ذا اجواء موسيقيّة متغيرة ، ندركه خاصة في الايقاع الداخلي المتولّد من حسن تخيُّر الحروف مثل الحروف الصفيرية وترديدها ( رصاص ثلاث مرات ) فيجتمع في الصوت الصفير بما يوحي به من همس لطبيعة المَخرج اللساني وحرف الرّاء بما هو حرف مكرّر وهذا ما يعطي جرسا موسيقيّا تتعرّى منه بكارة الهمس لتصدح بصوت الغضب تارة وصوت مُنْهك بمرارة الجروح وسوداويّة الليل تارة أخرى وذلك ضمن طاقات تعبيريّة وإيحائيّة تمارس ضغطا على المتلقّي فتجعله يعيش الحالة ويتلبّس بها .. إضافة إلى حضور حرف الدال ( قيد ، دالية ، نداء ، البوادي ، اعمدة ، دخان ….) وهو حرف شديد انفجاري يحدث دويّا وعنفا .. ويدعم هذا النهج والجرس الموسيقي صيغ الجموع التي تواترت بكثافة ( القطارات ، الشوارع ، الصّواريخ ، الأبرياء …) بهذا تحتشد هذه الجموع لتشكّل ضربا من الاختناق وتولّد الانفعال مما يجعل الخطاب أكثر حساسيّة وإرباكا ، تسمه بديناميّة نفسيّة تشي بالخوف والرّهبة .. إنّه نعْي الواقع بوعي الشّعور ..فيتحوّل الخطاب من الغنائية إلى الاستصراخ ..لتتحول في القسم الثاني من القصيدة إلى شحذ الهمم عبر تركيم الأسلوب الإنشائي الذي حضر بكثافة من خلال النداء (يا أغاني العذارى ) والأمر :
أخرجي من عيون المطر
وصُبّي العبير بأردية الريح
خُذي البحر منّي
خذيني إلى البحر
والنهي :
ودّعيني ولا تذهبي
قُبل في الأكفّ
وفوق الجبين عناقيد وردٍ طريٍّ
وتيجان مملكة لم تضعْ بعد
لا تقفي ، اوقفيني
المحطّات دافئة بالوداع
ودامية بالصّراعboshra albostani 6
لقد حضر الإنشاء لإثارة حالة التّرقب التي نشأت من صورة قاتمة تبطن رغبة في إثارة الحميّة تفعم نفسها نخوة وحزنا في ذات الحين لعلّنا نتجاوز إيقاع الصّوت إلى إيقاع الصورة لأن هذا الدويّ يحدث انفعالا من شأنه أن يغذي طاقة التخييل وتمثّل اللوحة التي تعبّر عنها وهذا ما يجعل من هذا السيناريو بمثابة الموسيقى التصويرية التي تصاحب المشهد السينمائي . كل ذلك من شأنه أن يشكل مشهدا يهتزّ له الوجدان خاصة هذا الذي يتشكل عبر صورة تقوم على الغموض الذي ينشئ بدوره صورة تقوم على التقابل والتضاد مثل الجمع بين ضجيج المواسم وهمس السماوات :
قافلة من ضجيج المواسمْ
همس يرجّ سماواتهم
ويُزيح سحابا يطاول بنيانهم
و.. قفوهم فهم مُحضرونْninawa 2
إنّ في همسهم صخب المواجع يرجّ السماوات ..هنا بهذه المقابلة بين الهمس وفعل يرُجّ تنبجس قوة أسطورية عاتية ..ترتجّ فيها السماوات والارض ويزيح السحاب يطاول بنيانهم ..لعلها إشارة إلى عظمة الحدث .. بهذا قد تنفتح الصورة على قراءتين ..الأولى يكون فيها الحدث مرعبا تهتز له الأكوان وتحتشد فيها الأزمنة والمواسم . والثّانية تذكرنا بليلة القدر التي تتفتح السماوات فيها . لعلها صورة موحية ببداية الانفراج ليكون الإطار الزماني “آخر اللّيل” دالا على ذلك حين تعلن الشاعرة نزيف وجدانها فيه ..وفي ذلك رمز لنهاية المآسي وبداية التحول إلى السكينة والهدوء .. فيتحول معه صوت الرصاص من قوة عاتية ومميتة إلى سبيل لحياة جديدة تتحرر بها الموصل من أيدي المارقين ، المعتنقين أفكار الدم والقتل .. وبهذا تتأثر كل عناصر الطبيعة بالحدث وكأن كل نواميس الوجود تهتز لهذا الحدث . و من جنبات هذا السّعير يورق الأمل وينبلج الفجر في صورة الحبيب ..وجه يتدفق من أنهاره اللؤلؤ وينسج من شرنقة لهيبه حرير ، بما يوحي به من عاطفة . إنه صراخ يُستصرخ مع دوي الصواريخ ..لكن الحب يجعله بردا وسلاما في عيون عاشق لمعشوق ليس كالمعشوقين.. معشوق موصول بوصل نبض يورق من عروشه النخيل الباسق..من دروب تشرّع سنابلها البيضاء مثل النبوءة..مثل الأماني ..تخرج أصواتا من عيون المطر بما تدل عليه من معاني الخصوبة والجمال والارتواء ..إنه الوطن ..العراق ..الموصل.. مصيدة المارقين التائهين المدّثرين بفجور فكرة موؤودة دنّست أوصال الموصل وهاهو يشرق فجره بين تيجان يلمع دفؤها من وراء أعمدة الصّراع ..في آخر المحطّات الملغومة بالبكاء ..هنا تلعب الضمائر لعبتها فيتداخل ضمير “هو ” ب “أنتَ” و ” أنتِ” و ” أنا” ..لعبة ترشق الخطاب بنزيف الانفعال وكأنها تعلن عن الصراع الداخلي للذات الناطقة بين الموجود والمنشود ..الحلم والرؤيا ..الألم والأمل…بين مطلق الرغبة وحدود الإمكان ..كلّها ثنائيات تشرّع أشرعتها للغروب..وتقتفي بقايا حلم على قدر لا يساوم لأحلام تتهاوى وترتفع ..تنزل وتصّعّد ..تشرق وتغرب ..ولكنّها حتما تجيء آخر المساء على أنغام سيمفونيّة حالمة وقافلة لزهرة تطلع من بكاء..وتنبجس من أعماق الطوفان ..

*عن صحيفة الصدى نت

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: أبو تمام وبُنَيَّاته في آفاق الكلام وتكلم النص

اعترف ابتداء، أنه ما أن أعارنيه أو أهدانيه، صديقي الدكتور قيس كاظم الجنابي، هذا الكتاب …

تعليق على المجموعة القصصية بتوقيت بصرى للأديب محمد فتحي المقداد
بقلم د ميسون حنا

بتوقيت بصرى مهد الحضارة وموطن الغساسنة أتانا هذا الكاتب الغساني ليلهج بما في قلبه من …

ثامر الحاج امين محنة العمرعند الشاعر ( صاحب الضويري )

موت المبدعين ــ على وجه التحديد ــ بأعمار قصيرة ، قضية حظيت باهتمام عدد من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *