محمد الأحمد: شهادة ادبية بحق الاستاذ سليمان البكري (ملف/1)

mohammas-alahmad-2عرفتهُ قامةُ باسقة بين قامات ديالى الباسقة، حيث لم تمتلك هذه المحافظة بطولها وعرضها صرحاً عمرانياً نفتخر به، نحنُ البعقوبيون، ولا ساحة، أو شارع كورنيش، أو ملاذ يمكن أن يستجم عبره الناس الأحرار، من زحام هذه الدنيا المقتضبة، ولم يكن في هذه البلدة البائسة بكل معانيها سوى قامات تعادل ناطحات سحاب عالية، زاهية، نفتخر بها، لها الأثر تلوّ الأثر، فغائبا يترك فعله على هذه الأرض المعطاء، ويترك شاهده، ويجري كما النهر الجاري كل خطوة من خطواته بألف حسنة جارية، متراكضة، ترتفع بصاحبها إلى عنان السماء، فيترك ظلا عريضاً طويلاً على أرضها لا يدانيه مداني، فالمبدعون في هذه البقعة اورفوا بظلهم وثبتوا تربتها من أي انجراف، كشجرة برتقال باسقة تعطي فخرنا، فنفتخر، تعطي اسمنا فنسمى، تعطي عطائنا فنمسي الأجاويد، فكيف يمكننا نسيانهم، لان نسيانهم يعني الإجحاف عينه..

عهدتُ جملته النقدية الحصيفة، اللمّيحة، الشفيفة، الذكية مقرونة بكاتب عراقي اسمه (عبد الرحمن مجيد الربيعي).. لم (بالجزم)، ولن يقل شاناً عن مبدع ديالى الناقد، الذائق، المكتشف، المستتر تحت تحليل كشّاف، وضّاح، ألمعي، سارداً بقلمه البديع أسماء أدباء محافظته واحدا بعد آخر من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها بكل وفاء، وبكل حماس، وبكل تواضع، وبكل فخر، وبكل علامة… حيث قدمنا الرجل (مذ يفاعتنا) إلى الانتشار بكل ما استطاع سبيلا..

أنا اليوم اعترف ببراعة قلمه الذي كتب به مدار الأشياء المرفوضة، ولاحق إبداع الرجل للرجل في أشيائه الغامضة التي طمست الجيل كله، تحت مسميات الأيدلوجيات الشائعة يوم ذاك، والتي باتت- الضائعة الآن.. بطله لم يكن غريبا عنا أو عن أمكنتنا الشرق أوسطية الضيقة التي كنا نحلق فيها، بقضاياها المحورية، وبرغم كل شيء يحيلُ العبث العابث إلى مسميات البطل المحوري الذي تستر الرجل المؤلف خلف الرجل المبدع، والرجل للرجل خير معين، إذ لاحقه كبطل تمحوّر بصرخة متتابعة بالمسميات

الناقد سليمان البكري ومحمد الصيداوي ومحمد الأحمد
الناقد سليمان البكري ومحمد الصيداوي ومحمد الأحمد

العاقلة، وليس اسمها؛ سيكون يوما علامة بعقوبية فارقة، وحقا باتت روايته الوحيدة برغم كل شيء فهي أحدى علامات بعقوبة المتميزة.. كان بطل الأشياء المرفوضة، الشبح، حاضرا بقوة إلى وجودي ككاتب شجعني أنموذجه، كنموذج شجاع مبتكر من رجل شجاع، حيث أمكنه أن يمسي، ويسمى في بنية قلمي وكتابته لأشياءٍ بقيت عالقة بذهني طيلة حياتي وجدتها إلى جانبي، لقيتها كمثل أناس يحبونني، ويشجعونني، وينقلون لي إيمانهم بي حين ينتابني الشك بقدرتي على المواصلة الإبداعية. بفضله، وبدون شك هو احد الآخذين بيدي، وبفضل عنادي أيضا والكثير من الإصرار على الدربة والمران، استطعت أن أخص جزءا كبيرا من وقتي لهذا الشغف، لهذه الآفة التي اسميها الكتابة السحر العظيم: فأنا أكتب شهادتي بحق الرجل النبيل، هي أن أخلق حياة موازية استطعت اللجوء إليها ضد الضراء، والتي أحالت المدهش إلى طبيعي والطبيعي إلى مدهش، فجملت القبح، وخلدت اللحظة الضائعة كلما أمسكتُ بفكرة تسحق أن تكتب كما سبق ببذرتها (سليمان البكري).. كما أعلن حبي وانتمائي لكل قامة بليغة بهذه المحافظة، ولكل معترف بالفضل المعرفي.

*عن مركز النور

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

الحياة لحظة*
رواية سلام إبراهيم الرواية الوثيقة
كاظم الزيدي* (ملف/148)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

قراءة الروائي المصري الراحل “فؤاد قنديل” لرواية “الحياة لحظة” لسلام إبراهيم (ملف/147)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *