نصير الشيخ: صمت الأكواخ .. مجسات الذاكرة (ملف/62)

nasir-alshaikhإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
تبقى الكتابة نشاطا ذهنيا ًفاعلا ً , حفرا ً في أصقاع عميقة , أكنناه مديات رحبة , واجتراح آفاق لا تحد , لذا كان للتجربة الشعرية فعلها المؤثر في حضورها ” التاريخي ” عبر تجسيد الرؤى,والارتقاء بوقائع الحياة من اليومي إلى صيغ فنية بالغة التأثير .
وعيسى حسن الياسري في مجموعته الشعرية ” صمت الأكواخ ” الصادرة أخيرا ًعن دار الشؤون الثقافية لم تشغله الأسئلة الكونية الكبيرة , ولم يسبح في فضاءات ” الميتافيزيقيا ” التي تشكل عوالم غرائبية تركب متن المغامرة فتتأتى منها صورا ً ذهنية تنحو منحى ” الكد الشعري ” , هذه العوالم التي يعج بها النص الشعري الحديث ,بل اختار منطقة ” السهل / الممتنع ” في توصيل ما يريد عبر تركيز جهده على واحدة من أعذب الموضوعات الشعرية وهي ” الطبيعة ” هذه الأم الرءوم التي تصدرت رؤاه ,وهيمنت على ذاكرته الغائرة أبدا ًفي عوالم الطفولة والحنين والذكريات ” يمكن أن ْأسترجع أكثر من شيء ٍ
باستثناء الأيام ” – قصيدة طيور الأيام –
لذا يبدو أن كل ما يحيط بالشاعر هو قشرة خارجية تتكسر عليها النصال , وما الحقيقة الإنسانية التي تتجلى لديه هي الذهاب بعيداً صوب ” الجوهر – التذكر ” , ماضيه المليء بالرموز القروية والمشاهد الريفية والأمكنة والأصحاب , واكتشاف اللذة الأولى ,فهو يخلف وراءه تراتبية الحياة اليومية المعاشة ” الآن ” بتفاصيلها من رتابة عيش وعوز الإنسان وحتى حوادثها المفجعة متمثلة بالحروب .aisa alyasiri 8
فالشاعر في نصوصه يجس منطقة الذاكرة القصية , وباسترجاع مذهل ومؤثر ل ” جنوبه ” المعرش أبداً في أعماقه , وفانوسه الأثير , ودليله في رحلة العمر التي كلما تتقادم فيها السنوات تظهر ” عوالمه الشخصية ” جلية وواضحة ومشرقة ً :
” لا رغبة لي بمتابعة هذي الرحلة ِ
ما عاد العالم محتملا ً ”
إن ّ عيسى الياسري يقيم حوارا ًمتجذرا ًمع كل موجودات ” ماضيه / تاريخ القرية ” عبر خطاب مليء بالتماعات الذاكرة المتوقدة , وارتفاع منسوب الوعي لديه , لذا فهو يقدم لنا خطابا ً ” سيسيولوجيا ً” يكشف فيه وبجرأة كبيرة وبسيطة إعادة إنتاجه لما هو غائر فيه , وما هو مترسب في طبقات الذات الشاعرة , ويتجذر أكثر مع ” الكلمة الطيبة ” – استعارة من الحديث النبوي الشريف – في رسوخها الإنساني الواضح والمبتعد عن ” الصنعة ” ,فهو يحاذي نهر طفولته , ورخاوة جرفه , وجريان ماءه , ويسير تاركاً ضفة ” مختبرات ” اللغة في كيميائيتها المقصودة ,وتجريبها ” الوثني ” , وينطلق في رداء مفتوح الأزرار صوب جنوبه , ورموز عوالمه الخارقة فيه حد ّ التصوف .لذا جاءت لغة المجموعة طيعة ,لينة على مستوى التشكيل الصوري , وواضحة كذلك في دلالاتها وأنساقها البنائية :
” لديّ سهول خصبة
نهران يحبهما الله ْ
تضاريس الأرض جميعا ً
ولا أجد ظلا ً ”
إن ّ”صمت الأكواخ ” هي قصائد ” رعوية ” بما انطوت عليه من مساحة “با نورامية ” غطت بها ذاكرة الشاعر التي استحضرت وما زالت تستحضر كل مفردات القرية , وكل التسميات الريفية التي ارتقت بها إلى مستوى الرمز الدلالي , وجدلية الماضي والحاضر /الماضي بما يعنيه للشاعر من رفقة وصبا ً واشتهاءات مبكرة , وما للحاضر من مخاوف وتعقيد على الأبناء , وعلى آخر امرأة أحبها , وعلى انفراط عقد العلائق الإنسانية في المدينة ,انتهاء بالزائر الليلي الذي لا يطرق الباب ويدخل بلا استئذان ليمضي به لسفر طويل :
” في هذا العام .. تمنيت لأولادي أن ْتتخطاهم سكين الحزن ْ.. ولا بأس إذا انغرزت في قلبي “kh aisa 11
كان للجملة الشعرية المكتفية بذاتها , الراسمة صورة للمشهد المراد التعبير عنه قابلية استثنائية في جر حدة التوقع لدى القارئ وسحبه من الاستنتاجات البسيطة والتلقائية إلى منطقة أخرى أكثر شاعرية على مستوى البوح الشعري لما تضمه خزائن ذات الشاعر من إيرادات عالية من المفردات ,وتكوينات حسنة على مستوى الصياغات والأنساق .
لذا بدت ذات الشاعر هنا بؤرة تجميع وإشعاع في نفس الوقت عبر ” منظار ” الحياة وأغوارها , فهي تستقطب الذكريات المعاشة في ” ماضوية ” الشاعر عبر مؤثراتها السيكولوجية ,واكتناه ما هو دفين وقابل على النماء , وترتفع به من درجة ” الإلتقاطة الفوتوغرافية ” إلى ” الخطاب الشعري ” الذي يتجسد في شفرات النص وأنساقه البنائية ودلالاته بصورة فنية مؤثرة :
” الزمن الآتي لا يحكمه
إلا الحطابون
فلتتوقف غابات الأرض ِ.
عن الإنجاب ْ ”
لقد اندمج الشاعر ورؤاه بمفردات الطبيعة حتى اكتست وقائعه المعاشة بهذا المناخ المشبع بالحنين لما فيه من ” خضرة وماء ” , إذ يشكلان مرموزين عميقين متجذرين تاريخيا ًوميثولوجيا ًنظرا ً لأن ّ هذه البقعة من الأرض في تكوينها الأولي ما هي إلا مساحات شاسعة من ماء وقصب وفق ” جغرافيا ” الطبيعة .
لذا فهو يزيح دوماً عن رؤاه وبصيرته رماد الواقع والمعلن والمعقلن ” الآن ” وينتج عن هذا معادلا ًموضوعيا ًونفسيا ًفي آن ألا وهو تفجر ينابيع الإحساس ” البدائي ” وجغرافيته الطيعة – الجنوب – الذي شكل وبإحساس كبير ومؤثر ” يوتوبيا ” يسعى الشاعر جاهدا ً ليطأ عتباتها والنوم قرير العين فيها , ” يوتوبيا ” غارقة ساكنة في محتوى الشاعر ورؤاه الأزلية المتجددة:
” أيتها الذهبية مثل القمح
الخضراء كحقول الرز
والهادئة كنهر هادئ
لقد دهمتك الشيخوخة ُ ”
………………………..
” نصير الشيخ شاعر وناقد – جريدة العراق – النافذة الثقافية – 2آب -1996 “

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *