أ.د. نادية هناوي سعدون: الانطباعية داء مستديم وإعتلال مزمن

nadia-hanawi-2نشرت جريدة الصباح الغراء في عددها الصادر يوم أمس الخميس المصادف 25/ شباط 2016 مقالة حملت عنوان( الانتقاص من الرواية العراقية.. وغرق الناقد السياسي) وقد عكس مضمونها ظاهرة في الكتابة النقدية يمارسها اولئك الذين يغلِّبون الهوى وينزعون منزعا تأثريا رغبة في إثبات جدارتهم أو تأكيد قدراتهم في المثاقفة تباهيا وزهوا …
وليس لنا أن نجزم بأن من ينتج نقدا انطباعيا ليس ناقدا بل هو نقد مشاع ومتاح ومشروع لكن الذي نريد قوله إن النقد الانطباعي لن يكون له أن يكون نقدا إلا إذا خضع ممارسه لمواضعات وشرائط تصبح بموجبها الانطباعية اشتغالا نقديا ممكنا ومتاحا.
ولعل أهم تلك المواضعات ضرورة أن يتحلى ممارسها بقدر مناسب من الموضوعية والجدة مع تجنب الاسفاف والحذر من التذبذب والاضطراب اللذين هما غريما الناقد إذ ما أن يسقط الناقد في براثنهما حتى يصبح محط السخرية ومثار الاشمئزاز..
ولو جئنا الى الانطباعية بحق فن أدبي يتصدر الاهتمام النقدي العراقي اليوم وأعني به فن الرواية فإننا سنكون ملزمين بالتيقظ الحذر من خطر الانطباعية المحدق وان نتنبه له والا نتغافله لا لكون هذا النوع من النقد يستلزم إحاطة نقدية مدروسة ودقيقة مع تفحص قرائي مخبري لما صدر أو يصدر هنا أو هناك من نتاجات روائية جديدة؛ بل لكون فن الرواية لا يحتاج الى من يقربه للقراء موضحا وشارحا بقدر ما يحتاج الى ناقد متزود بأدوات صالحة ليدلل القراء على ما أرادت الرواية قوله وكيف قالته ولماذا قالته؟ مشخصا ومدللا ومستنتجا ..
واذا ما أتينا الى الرواية العراقية ما بعد التغيير تحديدا فإننا لن نجدها رواية ولدت ولادة طبيعية بل هي تمخضت من رحم معاناة عسيرة ومتأزمة لأسباب لسنا بصدد الخوض فيها لكن هذه الولادة وتلك المعاناة فرضت وجود مؤشرات على هذه الرواية كعدم اكتراثها من الوقوع في نمطية التناول واجتراريته او تكرارية الطرح وتضخمه وقلة الاهتمام بالتجريب في الاشكال والتكنيكات ومع ذلك ظلت هناك رغبات دفينة عند الكتاب لاثبات الجدارة والاحقية في المشهد الثقافي..
واليوم وبعد مرور عقد ونيف على تلك الولادة فاننا ما زلنا نحتاج مزيداً من التأمل بإزاء هذه الرواية لكي نقول القول الفصل الذي ليس فيه تجن ولا تحامل قول ينطلق من الواقع ويصب في الواقع ..
وما كان الاستاذ الدكتور شجاع العاني قد شخّصه من تجاهل الرواية العراقية لموضوعة الاحتلال ليس بالامر الجديد فقد طرحه بيننا في مناسبات عديدة ولم يكن محتاجا لان يقوله في بلد ما لأنه الناقد الشجاع الذي طالما خبرناه يطرح آراءه غير آبه بطاغية ولا محاب لسلطة وهو الذي مقت الايديولوجيا حين تصبح سلطة لا لشيء الا لكونها تخرب نفسها بنفسها بعد أن يكون تخريبها قد أجهز على كل ما هو علمي وسياسي واجتماعي..
ولأن من تحت يديه تخرجت أجيال من النقاد المعروفين بتوجهاتهم المنهجية والعلمية فلا يمكن لنا عندئذ أن نشكك في قراءاته للرواية العراقية أو يتجنى عليه زورا وبهاتا مدعين عليه ادعاءات لا يقبل بها النظر الموضوعي ولا التمحيص المتمعن في حقائق الامور، لان هذا ما يجعلنا نغادر الحياد والموضوعية لنرتكن الى الهوى والذاتية بازاء رأي مطروح له سياقه الزماني المحدد وتوصيفه الوقائعي الخاص..
ولعل المتابعين للشأن النقدي الروائي وفي مقدمتهم الاستاذ الدكتور شجاع العاني يدركون أن النمذجة الكتابية التي أتخذتها مسارات الرواية العراقية في ما بعد التغيير انحصرت في رواية الحرب ورواية الارهاب ورواية البحث عن الغائب ورواية الاشكال والتجريب والرواية النسائية..وما عداها من نماذج روائية فموجودة ولكنها لا تشكل ظاهرة فنية.
وعلى الرغم من حيازة رواية ما بعد التغيير لجوائز عالمية وتصدرها لمواقع ما كان للرواية قبل 2003 أن تنالها إلا ان ذلك لا يلغي حقيقة ابتعاد هذه الرواية نوعا ما عن اختها الرواية العربية وهذا ما جعلها في الاغلب حبيسة محليتها ورهينة واقعها فلم تستطع أن تكسر القيود الايديولوجية والسياسية التي حاصرتها زمنا ليس بالقصير فظلت كسابقتها رواية ما قبل التغيير تقضم مرارة فرديتها المحلية وانعزالها العربي.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نتحرر نقديا من أعباء التحامل والمحاباة وأن نمارس النقد من دون تغييب ولا تأزم ولا شكوى، لكي نتحلى بالانفتاح وسعة الصدر والمصداقية والمهنية.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

تعليق واحد

  1. نيران العبيدي

    الرواية العراقية الآن هي من تتصدر المشهد السردي العربي , وهي من تفتح ابوابا ما كانت الرواية العربية قد عرفتها

    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *