هديّة حسين: رواية أوصلت كاتبها الى نوبل؟

hadiya-5كانت روايته الأولى “جودت بيك وأولاده” قد لفتت إليه الأنظار، وما إن صدرت الرواية الثانية “البيت الصامت” حتى تُرجمت الى أهم لغات العالم، ولكنه وصل الى العالم أكثر بروايته الثالثة “القلعة البيضاء” وهي رواية تاريخية أعقبتها رواية “الكتاب الأسود” ومن ثم “الحياة الجديدة” ليعود ثانية الى الرواية التاريخية برواية “اسمي أحمر” تلك الرواية التي أوصلته الى جائزة نوبل، والتي تتناول العلاقة بين الشرق والغرب عبر تاريخ ممتد منذ القدم، وترتكز على موضوعة مثيرة هي “الفن التشكيلي الإسلامي” واعتبرت من أهم الروايات في العقد الأخير من القرن العشرين، طبعاً أنا أحكي عن أورهان باموق الذي قالت فيه الصحافة العالمية وعن هذه الرواية تحديداً ” أورهان باموق روائي تركي شاب يعلّم أوروبا كيف تُكتب الرواية التاريخية”

اعتمد باموق في “إسمي أحمر” على فصول قصيرة ومجزأة ومتباعدة في المكان والزمان، تاركاً للقارىء في نهاية الرواية أن يجمعها بنفسه حتى يعرف ما جرى لأبطالها، وقد بلغ عدد الفصول 59 فصلاً.. الفصل الأول حمل عنوان “أنا ميّت” وفيه يتناول السرد رجل يعلن منذ السطر الأول بأنه ميت، أو بالأحرى مات مقتولاً،  ولا أحد يعرف بموته سوى قاتله الذي رماه الى الجب واختفى، والمقتول رجل يعمل في مهنة النقش والتذهيب عند خانة السلطان، وهو متزوج وله أبناء، وقد تراءت له بعد موته بأنه كان سعيداً وماهراً في النقش الذي يدر عليه مبلغاً جيداً، وكان ينقش على القماش وعلى سقوف الفلل والشاليهات، أما في أواخر أيامه فقد استقر على نقش وتذهيب الكتب بسبب أن السلطان يدفع الكثير من المال على الكتب المنقوشة.

الميت الذي يحكي قصته في الحياة يفترض أن الآخرين – القراء ربما – لا يهمهم ما كان عليه قدر ما يهمهم ماذا بعد الموت وكيف هي الجنة والنار وأين ذهبت روحه وماذا عن الموت نفسه وهل هو يتألم؟ من هذه الأسئلة وأسئلة غيرها يطرح الكاتب آراءه ويبث بين السطور جدلية الحياة والموت، وبينما الميت يتذكر كيف كان يرسم الحوريات واسعات العيون وما سبق أن قرأه في التراث عن أنهار العسل ويرى حاله الآن، يقول إنه لم ير شيئاً من كل هذا، ربما لأنه بحسب ما يعتقد مايزال دون دفن، وهو مصر أن يبث اللاايمان حتى يجدوه ويدفنوه ويلقوا القبض على قاتله، ومصر أيضاً أن يروي حكايته الدنيوية.orhan-bamok

ولكن، لماذا قُتل هذا الرجل؟ لم يقل لنا الكاتب في هذا الفصل أكثر مما أراد أن نعرف، حيث ينتهي الفصل عند هذا الحد لندخل في فصل آخر عنوانه (إسمي قرة) وهذا العنوان سيتكرر 12 مرة، كما ستتكرر عناوين أخرى أكثر من مرة.. وبإمكاننا أن نقول عن الفصول جميعها بأنها حكايات قصيرة، تبدو للوهلة الأولى بأنها مستقلة عن بعضها، لكن قدرة أورهان باموق جمعتها لتقول لنا في النهاية إن هذه الحكايات ما هي الا حكاية طويلة تثير أموراً عميقة عن عالمنا الداخلي وتراثنا الذي نحمله بأمانة أحياناً ومن دون أمانة أحياناً أخرى.

هذا الرجل الذي اسمه قرة جاء الى اسطنبول بعد غياب 12 عاماً إثر رسالة وردت اليه من زوج خالته، يطلب منه العودة لمساعدته في نقش كتاب سري للسلطان، وحالما دخل مدينة اسطنبول هطلت ذكرياته التي سبق وأن عاشها، واكتشف أنه أثناء غيابه مات الكثير من أقربائه، ومن الغريب أنه رأى الأزقة أكثر ضيقاً عما كانت عليه، وراح يبحث عن بيت حبيبته، وهي ابنة خاله، الذي كان محاطاً بالأشجار لكنه ما إن وصل حتى عرف بأن خالته ماتت وبقية الأسرة رحلت دون أن يعرف الى أين، تذكر أيضاً عمله في النقش والأمراض والأوبئة التي تفشت، والحرائق التي اندلعت والجرائم التي ارتكبت.. يتوقف هذا الفصل عند وصول قرة الى مقهى مزدحم يجلس فيه حكواتي، ومن خلفه رسم واحد لكلب، يقوم الحكواتي بالإشارة الى الرسم وسرد حكاية بلسان الكلب بلسانه حيث يبدأ الفصل الثالث بعنوان ” أنا كلب” وهنا يحكي هذا الحيوان بحزن شديد عن أوضاع الكلاب في البلد وما تتعرض له من إهمال وآلام، يحكي الكلب عن الواعظ “حصرت” ويقول عنه على الصفحة 20 “في لسانه قوة تعادل ما في عقله، كان كل جمعة يهيج المصلين ويبكيهم، حتى أن هناك من تجف عيناه ويغمى عليه وينصرع، ولكن انتبهوا ولا تخطئوا، فهو لا يبكي مثل بقية الوعاظ الأقوياء اللسان بل على العكس، فهو يُبكي الجميع ولا يرف له جفن” يبكيهم حين يستعرض نكباتهم في الغلاء والوباء والهزائم، ويتطرق الى الخدع والأحابيل التي دخلت دينهم وأساءت اليه وصارت كأنما هي الأصل من تعاليمه، لكنه في الوقت نفسه يصف الخارجين على الأصول بالكلاب.. وهنا يعترض الكلب ويرد على الواعظ ويذكّره بما لحق الكلاب على مر التاريخ من سوء فهم وكره، حتى نصل الى نهاية الفصل.. ألم أقل لكم منذ البداية بأن أورهان باموق اعتمد على فصول مجزأة ومتباعدة؟ وها نحن نصل الى الفصل الرابع الذي أسماه “سيقولون عني قاتل” ومن هنا ستقترب بعض فصول الرواية، فالقاتل الذي أخبرنا به الميت في الفصل الأول سيعود، فما عساه يقول لنا ولماذا أقدم على القتل؟kh-orhan-2

إنه لا يراوغ، يعترف بالجريمة لكنه يبررها، ويخبرنا أنه لم يكن قاتلاً قبل ذلك، وإنما اضطر الى تلك الفعلة التي لم يخطط لها، لقد فرضت نفسها عليه كما يدّعي، وماتزال نفسه تعذبه، ويظن أن جميع الناس قتلة إذا أتيحت لهم الفرصة، حتى أنه يعتقد حين يجلس في المقهى ويستمع الى الحاوي الذي يتحدث بأن الرجل الذي يجاوره لابد أن يكون قاتلاً.

كانت مهنة القاتل هي النقش والتذهيب مثل صديقه المغدور، ولكنه يخبرنا بأنه الأكثر مهارة ولا أحد أفضل منه حتى أساتذته، ومن خلال سرد الراوي، وهو القاتل نفسه، سنتعرف على الكثير من خفايا وأسرار هذا الفن الجميل، وعلى الكثير من الأسماء التي اشتهرت بالنقش، وكذلك على حكايات متداخلة تشبه في سردها حكايات ألف ليلة وليلة، تتناول الكتب التي رُسمت منقوشة وتناقلتها الأجيال، ولكن ما الذي جعل القاتل يعود الى مكان الجريمة؟ إنه يبوح لنا من خلال وجعه وشعوره بالذنب والخوف أن آثاراً تركها هناك، وعليه أن يمحوها قبل أن يلقى عليه القبض، وفي طريق عودته يكشف لنا السبب الحقيقي وراء ما حدث، لقد اصطحب صديقه الى ذلك المكان المعزول الذي دفن فيه زوج الخالة كنزاً من الرسومات، وعليه أن يستخرج تلك الرسومات للاستفادة منها في وضع الكتاب الذي يعمل عليه زوج الخالة بسرية تامة، لكن الصديق اعتبر أن ذلك يقع في خانة الحرام ورفض المشاركة، ولما لم يستطع إقناع صديقه بالمشاركة الفعلية فقد خاف أن يفشي سره، ولذلك وجد نفسه يهوي على رأس الصديق ويحوله الى جثة هامدة.

وهكذا نرى أن أورهان باموق لم يترك حكاياته تذهب مهب الريح،إن كل شخصية تقول حكايتها وتمضي، وسوف تعود في الفصول اللاحقة، وبهذا نجد أن الخيوط مترابطة وإن تباعدت، والحكايات تكمل بعضها وإن كثرت وتشعبت، وعلى هذا الأساس لا يمكننا تناول عشرات القصص في هذه الرواية التي امتدت على مدى 605 من الصفحات، فالشخصيات من الكثرة بحيث يتعذر تناولها في مثل هذه المقالة، وربما سيجد القارىء نفسه في متاهة لا تنتهي بسبب توالد الحكايات التي تضرب شخصياتها في الأمكنة، ولكن من خلال ذلك كله والقراءة المتأنية للرواية سنقف على الكثير مما أراد لنا الكاتب أن نعرفه عن الفن التشكيلي الإسلامي وعلاقات تلك الفترة التي دارت فيها الأحداث “فترة الحكم العثماني” وكذلك عما جرى من مؤامرات بين السلاطين والولاة، أو بين الناس العاديين من مختلف الطبقات، مؤامرات ومغامرات وحكايات عشق، وعشق مستحيل، ومنها حكاية “خسرو وشيرين”  التي تعود أكثر من مرة.. وما هذه المقالة الا دعوة لقراءة الرواية التاريخية المهمة التي أوصلت كاتبها الى جائزة نوبل، وإذا كان ثمة سؤال: لماذا أعطيت جائزة نوبل الى أورهان باموق؟ فإن هذه الرواية ستجيب عن السؤال.

شاهد أيضاً

أسامة غانم: النص المختلف في حفريات الموروث الديني والذاكرة المستفزة
“لوسيفر الضمير السري للإنسان”

يتعمد الروائي العراقي محمد علي النصراوي في روايته ” لوسيفر” الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات …

ضوء على رواية (الخبز الحافى) للقاص محمد شكرى
بقلم: عبد الهادى الزعر

كتاب السيرالشخصية فى أدبنا العربى قليلون – – ومعظم القاصين والشعراء والذين ابدعوا فى مهاراتهم …

أيام عجاف صوت الإنسانية للشاعر عصمت شاهين دوسكي
بقلم وليد عبد الله خريوش – فلسطين

* إننا نعيش في ظروف صعبه لم يشهد مثلها التاريخ . * حرمان البشر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *