محمد علوان جبر: فلم “عطر امرأة”؛ تجربة مثيرة ودرس في التمثيل

يعد فيلم عطر امرأة للمخرج مارتن برست من الافلام التي قدمت سينما عالية وممتلئة بالرسائل المهمة والمحببة والمتنوعة ، وهو من انتاج عام 1992 ورشح حينها لعدد من جوائز الاوسكار والتي ظفر بها الممثل الرائع – ال باتشينو – كأحسن ممثل . قدم الفيلم رسالة تحدثت عن كل شيء وعن اللاشيء عبر وصفات متنوعة الجمل ومصنوعة باحكام ، بنية حوارية استغنت عن تقنيات الاكشن وتنقلت بين فكرة الدفاع عن القيم الانسانية ومحاربة فكرة الهروب الي الموت عبر شخصية الكولونيل الذي يظهر في الربع الاول من الفيلم كشخصية عصابية مسحوقة بالحرب ، فهو كولونيل متقاعد خرج من الحرب بعاهة العمي وترسبات اخري تجعله يصل الي قناعة ان لامعني لحياته فيقرر
إنهاءَها ، ولكن قبل هذا عليه ان يرتشف من رحيق العالم اخر قطراته ، ويقرر ان يقوم برحلة – ولانه اعمي – يستعين بمكتب التشغيل الذي يرشح له من يساعده في هذه الرحلة وهو طالب جامعي الذي يمر هو الاخر بفترة عصيبة في الكلية ، اذ يوضع في مأزق الوشاية باحد زملائه او الطرد من الكلية ، ولانه بحاجة الي المال يوافق علي العمل كدليل لرجل اعمي … يقوده الي المطار ويوصله الي الفندق ومن ثم يعود الي كليته ، ومن المرافقة الاولي يصطدم برجل اعمي … عصابي عنيف وذكي وسريع في اتخاذ القرارات بل هو مقبل علي الحياة يحبها ويفلسفها بكلمات بسيطة مملؤة بتراكمات خبرته العسكرية والعاهة والوحدة.
وعبر بناء ارسطي زاوج المخرج ارادات متناقضة (الكولونيل – الطالب) العصابية ازاء الشفافية . في هذه المزاوجة نجد ان رسالة الفيلم وعبر متناقضات سلسة ، قدمت قصيدة انسانية تتحدث عن معني وهدف الوجود ، يجب ايجاد المعني وسط كل هذا الغموض وتتوالي الاحداث بدرامية تبدأ من مشهد الرقصة التي تجمع الكولونيل مع امرأة جميلة يسحبه عطرها اليها التي تعتذرلانها لاتعرف الرقص ، لكنه يقنعها بانه يستطيع ان يعلمها الرقص وسط دهشة الجميع الي مشهد محاولة الكولونيل الانتحار بعد ان يرتدي كامل بزته العسكرية المزينة بمختلف الميداليات والاوسمة التي نالها في حروب كثيرة والي مشهد سياقة الفيراري السريعة بالنسبة لرجل اعمي وصولا الي مشهد المحاكمة ودفاع الكولونيل عن الشاب امام مجلس انضــــباط الكليـــة .
لقد كان الفيلم مجموعة افكار تتمحور حول ثيمة الدفاع عن القيم وفكرة الضمير والاخلاق وفكرة التبني وطرح الجامعة كرمز من رموز قيم المجتمع التي تنحاز الي تكتل الجميع ضد ارادة الحرية التي يجسدها الطالب وفي مشهد خارق نري اجمل خطبة يقدمها الممثل ال باتشينو استطيع تسميتها انها درس بالغ في التمثيل من خلال اعمق التعابير الانسانية وسط صمت وذهول التكتل القاسي ضد انسانية بسيطة تحاول جاهدة المحافظة علي كينونتها وسطهم فكانت المعونة القائمة علي الانسانية التي ادرك الجنــرال انهــــا اجــــدي مـــن الانتحــــار .
عموما كان فيلم عطر امرأة قصيدة انسانية عصابية مملوءَة باكثر مافي الاعماق من جنوح وتشبث بالحياة ومايناقضها في الجانب الاخر من رفض لها ، كذلك كان درسا في التمثيل والاخراج المؤثث القائم علي الاختصار في المشاهد وعدم الاطالة من خلال اللقطات القصيرة والتركيز علي الانفعالات العامة للابطال ، كذلك يمكن ان يكون صرخة في وجه الحرب وادانة لما يمكن ان تحدثه في مستقبل اجيال عديدة فهي رسالة مبطنة ادانت الحرب بشكل غير مباشر عبر التركيز علي الجوانب الجمالية التي تحاول ان تسرقها اثارها المدمرة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.