حسين سرمك حسن: مقدّمة كتاب “القدّيس المعصوب” عن يوسف الصائغ (ملف/1)

hussein 7إشارة:
رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة التي لا ترحم المبدعين واستكثر عليه رفاقه “المبدعون” تعليق لافتة ترثيه. أغنى الصائغ الإبداع العراقي والعربي شعرا ورواية ومسرحا وسيرة وفنا تشكيليا وعمودا صحفيا (افكار بصوت عال). أين اصبح الـ 2000 تخطيط التي أخبرني بها؟ وأين صار كتاب الأدب المكشوف الذي طلب مني كتابة مقدمته؟ تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بمنجز الصائغ الكبير وتدعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغنائه بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق.

المقالة :
((القدّيس المعصُوب))
دراسات في الأدب الروائي والمسرحي والشعري والسيري للمبدع ((يوسف الصائغ))
حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – 2004
الإهـداء
إلى روح المبدع العراقي الكبير (يوسف الصائغ)
المقدمــة
يصف المبدع ((يوسف الصائغ)) تنوع أهتماماته الأبداعية ورفضه التخصّص بجنس أبداعي معين بقوله:
((أرجوا أن لا يعيبني كثيراً الإعتراف بأنني كنت وما أزال منذ طفولتي أنساناً سريع الملل ، لا أكاد أستقر على حال. وأرجوا ألاّ أسيء إلى أحد حين أعلن عن عجبي من أنسان يظل طوال حياته ، مثلاً ، وسيبقى ، ولا يمل من ذلك فيشتاق لأن يصير رساماً أو بستانياً أو بائع أقمشة أو طبيب عيون. وأنا حين يضيق العالم بي، وتمتنع عليّ سبل التعبيرعن الأحساس بهذا الضيق، ألوذ مثل طفل صغير بورقة وقلم وأروح (أشخبط) حتى (تطلع روحي) وأستعيد قدرتي على التنفس)).
ومن يتابع منجزات ((يوسف)) في الفنون الإبداعيّة المختلفة يجد وبوضوح صدق عبارته الأخيرة؛ إنسان مهدّد بالأختناق يجد متنفسه ــ ويا للغرابة ــ في غابة الإبداع الخانقة. وعلى طريقة أحد المبدعين العراقيين: (أكتب لكي لا أموت). ويتمثل صدق ((يوسف)) أيضاً في جسارته :
(( أكتشفت أنني ماعدت صالحاً للشعر)) (1)
وتعرضيته:
((أكفر بالشعر وبالشعراء
الآن أريد صراخاً يكفيني
صوتاً يصعد من كعب
قدمي)) (2)
وأمانته :
((الصمت عندي هو الأقرب للكرامة)) (3)yousef-alsaegh-2
((يوسف)) هو من سمّم أجواء الشعر العراقي عام 1956 بمطولته ((شمّة أفيون)) التي لم تنل حظاً وافراً من التحليل والدراسة :
((بضاعتك قذرة أيها البقال ، رأيتك تنظفها بلعابك ، وخفية ذقت اللبن بأصبعك فهو نجس كغريب)) و ((تلفّت فما وجدت أحداً، حتى نفسي أبتلعتها الوحدة وبصقتها على الجدران ، فلونها وسخ))
وهو صاحب واحدة من أهمّ وأروع السير الذاتية في الأدب العراقي والعربي وهـي ((الأعتراف الأخير لمالك بن الريب)) التي صدرمنها جزءان حتى الآن.
أمّا في الرواية فتكفينا روايته ؛ (لعبته) الخطيرة.
وفي المسرح لا زال (الباب)الذي فتحه مشرعاً يمنحنا نسمات العافية.kh-yuosef-1
2ـ وأمام تنوّع نتاجات (الصائغ) وثرائها بفعل تعدّد إهتماماته في الرواية والشعر والمسرح وفن السيرة وغيرها، صارلزاماً على الباحث أن يتناول منجزه في هذه المجالات المختلفة كي يقدّم صورة أكثر شمولاً وأكتمالاً ممّا لو عمل على دراسة منجزة بصورة تجزيئية، ويصبح هذا الأمر أكثر إلحاحاً وفق منطلقات منهجنا التحليلي الذي تؤخذ العملية الأبداعية فيه كوحدة متكاملة بكافة تمظهراتها في تفاعلها الخلاّق مع شخصية المبدع وأنّ نتاج المبدع مهما تنوّع وتعدّد تحكمه دوافع وعوامل لاشعوريّة ضاغطة هي التي تلعب الدورالأساس في تشكيل (مظاهر) إبداع المبدع و (أشكاله) في حين تتخفّى تلك العوامل والدوافع في (عمق) النص و (مضمونه الدفين) في عملية تشبه عمل الحلم – dream work حين يشكّل معنىً ظاهراً وآخر كامنا للحلم؛ الظاهر هو شكل الحلم وإخراجه الذي يكون محرّفاً وقد يبعث على الحيرة. أمّا الكامن فهو أفكار الحلم المرتبطة بالدوفع اللاّشعوريّة المكبوتة. ويمكن أن نقول إنّ للمبدع الأصيل المقتدر (بصمته اللاّشعورية) الفريدة التي تشكّل شخصيّته الإبداعيّة والتي تميّزه من غيره من المبدعين مهما كانت درجة أصالتهم. kh-yuosef-3
3ـ ولذلك جاء بحثنا موزعاً على أربعة فصول : واحد للرواية حلّلنا فيه رواية (اللعبة) التي هي أول روايات المبدع وفازت بجائزة أحسن رواية عراقية عام 1970؛ وآخر للنتاج المسرحي حيث تناولنا فيه مسرحيّة ((ديزديمونة)) والتي فازت بدورها بجائزة أحسن نصّ مسرحي في مهرجان قرطاج عام1989. أمّاالفصل الثالث فقد خصصناه للشعر معتمدين على مجموعاته المنشورة في ((قصائد)) التي ضمّت أغلب أعماله الشعرية عدا مجموعة (أعترافات) و (قصائد غير صالحة للنشر)، والأخيرة مجموعة شعرية مشتركة صدرت عام 1957. أمّا سيرته الذاتية فقد تناولناها بالتحليل في الفصل الرابع من خلال دراسة الجزء الأول منها؛ ((الأعتراف الأخير لمالك بن الريب))، وقد صمّمنا هذه الفصول لتكون الجزء الأول من مشروعنا النقدي المخصص لأدب (الصائغ) على أن نكمل الأجزاء الأخرى بعون اللّه عن هذا المبدع الذي وصفه الصحفي والناقد العراقي ((ناظم السعود)) بـأنّه ((قلادة الشعر العراقي الثمينة))(4) في حين لانجانب الدقّة النقدية إذا قلنا بأنّ (الصائغ) هو ((عين القلادة)).kh-yuosef-alsaegh-6
4ـ لم نضع فروضاً محدّدة ولا أحكاماً مسبقة بل تعاملنا مع النصّ كنسيج حيّ وغصنا في لحمه بصبر ورويّة دون أن نؤذيه. سرنا مع (الصائغ) روايةَ ومسرحية وشعراً وسيرةً بهدوء، وأتحنا له أن يتحدث في كلّ منها باستفاضة ــ وفوق أنّ هذا حق المبدع الذي يفرضه الموقف الموضوعي فأننا أردنا إشراك القارىء في إدراك صورة الأحكام النهائية التي جاءت منسابة من داخل تحليل النصّ لا مقحمة من خارجه. وأشدّ ما لفت إنتباهنا وسيلفت إنتباه القارىء أيضا هو وحدة الدوافع والعوامل اللاّشعورية التي شكلت الأتجاهات الرئيسية لكل الفصول؛ أي وحدة رؤى المبدع رغم تعدد أشكالها : رواية ومسرحية وشعراً وسيرة. واللّه من وراء القصد.

حسـين سـرمك حســن

هوامش:
1و2و3و4ــ راجع اللقاء الذي أجراه الصحفي العراقي ناظم السعود مع يوسف الصائغ في جريدة الزوراء العراقية ــ العدد 97-15/4/1999 0

أعمال المبدع التي تمّ تحليلها.
1- في الرواية : رواية (اللعبة)ــ مطبعة الأديب البغداديةــ بغداد الطبعة الثانيةــ 1983
2- في المسرح : مسرحية (ديزديمونة) منشورة في كتاب : (3 مسرحيات) أصدار دار الشؤون الثقافية ـ بغداد ـ 1994
3ـ في الشعـــر : نماذج مأخوذة من ديوانه (قصائد)ــ إصدار دار الشؤون الثقافيةــ بغدادــ 1992
4ـ في السيرة : جوانب من الجزء الأول من (الأعتراف الأخير لمـالك بن الريب)ــ منشورات شركة مطبعة الأديب البغداديةــ بغدادــ 1985

شاهد أيضاً

رحاب عوض: رؤيا نقدية في شعر يحيى السماوي (ملف/128)

إشارة : يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ …

الشاعر العراقي سعد جاسم: الشعرية العربية تعاني الآن من خفّةٍ وإستسهال فاجعين أَجرى الحوار : عبد الناصر الدشناوي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

مقروناً بقراءة لديوانه “طائر بلا سماء”
سعد جاسم الكائن الذي عزف موسيقاه على ضفاف شط الحلة
كتابة: احمد الحلي (ملف/5)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *