محفوط سلمان: ليس هناك خيار غير الإحتراق بنار الشعر (ملف/14)

mahfoz-dawod-2-2يستحق الشاعر محفوظ داود سلمان لان يكتب عنه، ويحتفى به، لاخلاصه للشعر، وتكريس حياته له، ودأبه على التواصل معه بمثابرة مستمرة، وقصائد تغرس السيرة في الواقع والتاريخ والاساطير والناس، ولكي يشاركنا القراء الاهتمام بمحفوظ داود سلمان اجرينا معه هذا اللقاء.
{ كيف تنظر الى ولادة الشاعر ، ودوره في المرحلة الراهنة ؟
– يدعي الشاعر الكبير الراحل نزار قباني أنه ولد في آذار وفي اذار تحبل الاشجار وتطلع الانساغ ، وتتفجر الارض ازهاراً او سنابل ، وتنبثق الجذور ومن اللحاء تولد البراعم ، فهل الشاعر حسب هذه الرؤية جزء من الطبيعة والشعرية احدى ثمارها تنمو حسب المواسم والفصول ام انها وقدة مشتعلة ترافق الشاعر منذ اشتغاله شعرياً حتى نهايات عصره ، وأنا مازلت محترقاً بهذه النار وليس لي خيار في هذا الاحتراق ، فالشاعر يفترض انه مسؤول وله موقف ورؤية من الحياة ، وهذا الموقف يحتم عليه أن ينجز رؤاه وان كانت أنامله تحترق او يطلب اليه ان يمحو باصابعه القصائد التي كتبها على الجدران.
{ هل يمكن ان تعرض لنا نشاطك الشعري المتميز في هذه الفترة ؟
– في القرن الحالي الواحد والعشرين كانت لدي خمس مجموعات شعرية تعبر عن مواقف هي نتاج الزمن الصعب الذي نعيشه مصلوبين على أخشابنا ففي مجموعة اغنية السندباد الاخيرة والتي صدرت عام 2000 تضمنت قصائد ترثي الشاعر قبل موته وترمز الى العصر الراهن باسم العصر الحجري الحديث حيث يبحث جلجامش عبثاً عن مدينته التي اغرقتها التكنولوجيا المعاصرة ومنها فشل المتنبي في الوصول الى يوتوبياه ، وسقوط الشاعر ابن دريد في مقصورته. والمجموعة التالية لها وهي باسم الخروج من كنْده كانت تشير الى ان الشاعر يغادر وطنه ويترك مملكته مثل امرئ القيس باحثاً عبثا عن قيصر ينقذه من محنته لكن الشاعر يموت مسموماً بجبته.kh mahfoz dawod 10
هذا الشاعر المهاجر المغترب وهو يتعذب في منفاه يعود لاحقا الى أور وهذا ما حاولت التعبير عنه في مجموعة الهبوط الى أور الصادرة عام 2014 حيث يجد أور مازالت غارقة بالبردي والقصب وهو يبحث عنا عبثاً يغرقها بالنذور حتى لا تضيع.
وفي السنوات السابقة وتحت تاثير الغزو المباشر للوطن كتبتُ ثلاث مجموعات هي نذور حجرية حيث لم تبق لنا سوى الحجارة من نذور وقد احترقت بابل وباع الجاحظ كتبه في سوق الوراقين وكان العراق حانة منسية يسكر فيها الوطن.
والمجموعة الاخرى حانة المقبرة حيث يعيش الناس في مقبرة يتناولون الخمر وهم موتى في جماجم او أقحاف بلا عرى ويجلسون على ارائك من هياكل بشرية يناقشون فيها قضايا مثل الامن الغذائي والتصحر وقد ترك آخر ملوك غرناطة بلدته يبحث عن خيول وسروج وسيوف لانقاذماتبقى منها عبثاً.kh mahfoz 12
اما في المجموعة الاخيرة وهي اللوحة بأكملها فهو صورة الوضع الراهن حيث يرسم الشاعر لوحة الوطن بألوان زرقاء من البحر او خضراء من الغابة او حمراء من الشفق الدامي وعندما تكتمل اللوحة بألوانها او أطيافها يضيع منا الوطن فلا نجده وراء هذا التداخل في الالوان ، وفي هذه المجموعة يستلهم الشاعر الخراب الذي يراه ماثلاً امامه ، ويستذكر في قصيدته يوميات الزمن الصعب وهي اخر قصيدة في المجموعة صورة من حياته ابتداءاً من الأربعينيات عندما كان الشاعر رمزياً يعيش في كوخ من قصب حتى لحظة انتظاره لموته الجميل لكن صوت الشعر يصرخ عاليا من هام القتيل ، وفي هذه المجموعة ادانة لكثير من الظواهر عبرت عنها في قصائد ابرزها قصيدة الحرية وتمثالها المعروف والتي اصبحت ربة معبودة نطوف حولها راقصين دون جدوى.kh mahfodh dawod
{ كيف تنظر الى المشهد الشعري العراقي ودور النقد فيه؟
– اذا كنت تسأل عن المشهد الشعري العراقي اليوم فهو مشهد غامض لايبدو ان الشاعر له رؤية للواقع او التبدلات في المشهد الحضاري فالكثير يكتبون قصيدة النثر ولاتوجد شروط موضوعية لهذه القصيدة ولا يكترثون للايقاع او الوزن وهو جزء من حركة الطبيعة ويعتقدون ان الايقاع والوزن موروث قديم خارج الزمن ولذلك فنحن امام ركام من المنجز الشعري تساعد الصحافة اليومية على نشره وتسويقه دون الاهتمام بالقيم والشروط الجمالية وقد يشتغلون على اللغة وهي لغة مستهلكة وخاوية ومجوفة والشعر بدون قوانينه وشروطه الموضوعية يصبح عبثاً وأنا لكوني من جيل الستينات مثل الكثير من الشعراء خرجت من عباءة السياب لا استطيع مغادرة قصيدة الشعر الحر ونظام القافية حتى وان كتبت قصيدة النثر او مارست السرد فالقصيدة تبقى اعلى مراحل اللغة والقدرة في التعبير عن الرؤى والتسامي على الواقع والبحث عن القصيدة ـ المثال التي لم نصلها حتى الآن.
ولايبدو ان النقد في العراق قادر على منهج رؤيوي لهذ المنجز الشعري المتراكم والكثير من النقاد متواطئون مع الشعراء فهم يفسرون القصائد ويشرحونها ، او يعرضون معلوماتهم المعرفية ولا يكتشفون أسرار القصيدة والنار الكامنة في بؤرتها.

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

حول مجموعة سلام إبراهيم “رؤيا اليقين”*
أسلوبية المدلولات
جلال الرداوي ـ تونس (ملف/81)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
ثالثا: مسرحية العودة بين الخيانة والانتماء (ملف/9)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

عماد جبار: ذكرياتي.. يوسف الصائغ (ملف/8)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *