شوقي يوسف بهنام: سافو (النصوص 15و16و17)

shawki-yuosef-5*مدرّس مادة علم النفس/ كلّية التربية/ جامعة الموصل
سافو في نصوصها الثلاثة الاتية تضعنا في جو مألوف لدى اصحاب الادب الرؤيوي ، وهو نمط من الكتابة الادبية تتحدث عن صورة الانسان عن المستقبل وما يخفيه من اسرار ومجاهيل ومكنونات . ويعد سفر دانيال في العهد القديم وسفر الرؤيا في العهد الجديد نموذجا لذلك . وقد يعترض البعض من مقارنة النص السافوي مع النصين المذكورين انفا ، لهذا السبب او ذاك . الا اننا مجبرون ان نضع هذه النصوص السافوية ضمن هذا الاطار لأن موضوعاتها تتمحور حول السلوك الرؤيوي ان صحت العبارة . انها ترى مشاهد او مناظر تخص عالم غير عالمنا المرئي . وسواء أكان هذا العالم المرئي متخيلا او صادقا عندها فنحن نضعها على اساس تجنيس النص لا غير . والصور او الرموز او الشخصيات التي رأتها سافو هي رموز وشخصيات من صميم حضارتها وثقافتها . الا ان استثمار سافو لهذه الرموز والشخصيات ليس من باب المصادفة بل هي تجعلها قناة او معبرا لتمرير فكرة ما او رغبة او نزوة ما قابعة في هذا المكان او ذاك من اخدود لا شعورها على اقل تقدير . مهمتنا اذن تتحدد في هذا الاطار وهي العثور او الوقوف عند هذه النزوة او الفكرة او تلك . في النص الاول والذي يحمل الرقم 15 تقول سافو فيه ما يلي :-
السماء سادها السلام
طعام الآلهة كان مهيئا
وممزوجا في الدنان
وكان ذلك هيرميز
من حمل الابريق
وصب النبيذ للآلهة
رفعوا الكؤوس جمعيا
وشربوا نخب العروس
ودعوا له بالبركة
(الاعمال الشعرية ، ص 24)
**********************
لنرى من يكون هيرميز هذا ؟ هو ” من يصب النبيذ للآلهة وهو رسولهم والاله الذي يرشد الموتى لعالمهم وهو ايضا اله النوم والاحلام ” (1) .
متى يسود السلام في السماء ، على الاقل من وجهة نظر سافو ؟ الجواب هو كما سردته سافو في نصها الراهن هذا . انها مأدبة شراب وطعام ولهو وعربدة !! . في هذه اللحظة بالذات يسود السلام السماء . عندما تشرب الالهة نخب العريس والخادم او حامل الابريق يدور حاملا ابريقه ليكمل ما نفذ من شراب . لكن ما يهمنا هنا هوية العريس الذي من اجله اقيمت هذه المأدبة الالهية السماوية . الا تجعلنا هذه الصورة ان نتذكر صورة العشاء الرباني الذي يقدمه لنا المخيال المسيحي في الليلة الاخيرة لتسليم المسيح الى اعدائه ؟ وايضا ينبغي ان نعلم ان العريس في المسيحية ليس هو غير المسيح بالذات . هذه مقاربة من عندياتنا لا غير ، لكي نفهم خفايا اللاشعور الجمعي لا اكثر . ومن المؤكد ، في تقديرنا ، انه ما كانت تجول في مخيلة سافو لحظة كتابتها هذا النص ، ان العريس هو المسيح ، وذلك لسبب بسيط جدا الا وهو ان شاعرتنا الجميلة قد سبقت المسيح بستمائة عام . وبالتالي فليس لديها اية فكرة عن هوية العريس او الاقل رمزيته . لكن يمكن القول ان محور نصها هذا او غاية اقامة مأدبة سماوية كهذه لهذا العريس هو ان يكون عريسا مجهول الهوية . نميل الى الظن ان العريس هو أدونيس المقتول غدرا ذو الدماء المتحولة ازهار الشقائق الربيعية . نعم ، في تقديرنا ان ما تريده او تنتظره سافو من الالهة في مأدبتهم السماوية هذه هو ان يشربوا نخب الشاب المقتول ادونيس الذي شغفت بحبه ولم تحضى به قط !! . انه عريسها المجهول الذي تتمنى ان يكون على منواله او ذكراه على اقل تقدير . نصها التالي .. اعني النص رقم 16 يصور الاله أيروس هابطا من السماء بهيئة او بصورة بطولية . لنقرأ النص اذن :-
حينما رأيت أيروس
هابطا من السماء
كان يرتدي عباءة جندي
بلون الارجوان
(الاعمال الشعرية ، ص 26)
************************
أيروس هو ” إله الحب وكانت سهامه تصيب الآلهة والبشر ، وكان ممن يخدمون أفروديت ” (2) . ذلك هو أيروس . وقد دخل هذا الاله او رمزيته مجال التحليل النفسي حيث ضمنه مؤسس التحليل النفسي مجمل نزوات الحياة في مقابل نزوات الموت …. (3). المهم في الامر هو صورة البطل ، ايا كانت مسمياته ، وسافو هنا تنتقل من رمز بطولي الى اخر . وقد لاحظنا ذلك عند وقوفنا عند نصوصها السابقة والراهنة . أيروس ، وفقا للصورة التي ترسمها لنا سافو عنه ، منطبقة مع الصورة التي ترسمها له الاسطورة . ها هو قد رأته بالفارس او الجندي ، قد يكون الجندي المجهول مثلا ، الذي نزل من السماء ليوجه سهامه الحارقة الى كل من البشر والالهة معا الا سافو لأنها هي العروس المنتظر او المبتغاة . وهو شعور هيمن على لا شعور سافو عند هبط وهو متخفي او متقنع بالعباءة ذات اللون الارجواني . لقد هبط من السماء وترك عروشها ومآدبها وكرنفالاتها لكي يتخفى ، كما قلنا بزي جندي مجهول ، هبط ليس الا ليخطف سافو من اعين البشر والالهة معا . هنا شعور نرجسي واضح المعالم يجتاح كليهما .. اعني سافو و أيروس . أيروس بالتخلي من مكانته السماوية وبحثه عن سافو ، ومن الجهة الأخرى ، انتظار سافو له بعدما يئست من رجال الارض والهة السماء ليكي يحضوا بها . شعور نرجسي متبادل . على الاقل وفق مخيلة سافو . سافو محط انظار اهل السماء والارض معا . ما يربط النصين ، على الاقل على المستوى الرمزي ، هو بروز البطل او العريس وسافو في حدثيهما . الا اننا في النص التالي او النص رقم 17 نجد نكوصا او ، ان صح التعبير تخليا من مشاعر النرجسية هذه والعودة الى النظر في واقعية الذات ومعرفة حجمها الحقيقي . في النص الثالث ، يتجلى هذا الشعور بالضعة او الشعور بمحدودية الذات ازاء الالهة . لنقرأ النص ونرى حيثيات هذه الصورة :-
انت راعي المساء
يا هيسبيروس
أنت تعيد الى بيته
كل ما شتته ضوء الفجر
تعيد الاغنام ، وتعيد
الماعز ، وتعيد الأطفال
إلى أمهاتهم
(الاعمال الشعرية ، ص 27)
****************************
هيسبيروس هي نجمة الليل (4) . ما معنى نجمة الليل وما هي دلالتها ؟ ايمكن مقارنتها بالانطباع او الرؤية التوراتية لكوكب الصبح الذي تغنى به اشعياء ، احد انبياء العهد القديم الكبار؟ . انه ” ي الأدب اليوناني: كوكب الصبح يشير إلى نجمة الصبح التي هي أكثر الكواكب لمعاناً، والتي تؤذن بنهاية الليل (فينوس)، وأيضاً يشير إلى شخصيات ملكية أو إلهية ” . لا نبغي عقد مقارنة نصية او دلالية بين الصورتين ، على الرغم من اشعياء قد يكون من الممكن قد عاصر سافو تاريخيا . هذا المسألة نتركها الى الباحثين في مجال الاديان المقارنة . الا انه يمكن القول ان الهداية هي التي تربط بين الرمزين او بين الالهين !! المسيح و هيسبيروس . لكن كل وفق منظوره الحضاري والثقافي . اعني سافو و اشعياء . لقد وصفت سافو او تغنت في النص الاول بالعريس بشكل غير مباشر من خلال رسم صورة المأدبة السماوية التي عقدت واقيمت لأجله للاحتفاء به . كانت سافو تتمنى ان يكون هذا العريس هو عريسها المنتظر والمرتقب يأتي ممتطيا جواده الذهبي المجنح ليخطف سافو مثل الفرسان اذا استعرنا عبارة شاعرنا الكبير نزار قباني في قصيدته ” مدرسة الحب ” . وتحقق هذا الحلم وهذه الرغبة على يدي الجندي المجهول أيروس في نصها الثاني . الا ان ما يمكن قوله ان سافو قد استيقظت من حلمها الوردي هذا وشعرت بالضياع والسأم ، يمكنك ادراجه ضمن السأم الوجودي والضياع والتيه اللذان يلاحقان الغجر ويلازمهم . من هنا لجوئها الى هذه النجمة الهادية الى حيث السلام والسكينة والاستقرار . كلنا نعلم اي الم يعانيه طفل ابعد عن والديه واعيد اليهما بعد ضياع وتيه طويل ……… سافو تعيش محنة التيه بالمعنى الذي اسهب في وصفه احد علماء الاجتماع المحدثين (5). سارت مثل الاغنام والماعز عندما تعود حظائرها بعد تجوال طويل وترحال مؤلم حتى يأتي المساء يستنيرون بنور هذه النجمة الجميلة التي تبدد ظلمة الليل وحلكته . وقارنت نفسها بالأطفال التائهون الهائمون على وجوههم وتأتي هذه النجمة لتنير دربهم الحالك الى حيث السكينة والدفأ في احضان امهاتهم . سافو هنا تتذلل الى هذه النجمة لعل يوما يسطع نور نجمة هيسبيروس وتهتدي الى طريق بطلها المجهول او عريسها المنتظر!.

الهوامش :-
1- سافو ، 2008 ، الاعمال الشعرية ، ترجمة : طاهر رياض – د. امينة امين ، دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية ، دمشق ، سورية ، ط1 ، ص 143 .
2- سافو ، المصدر السابق ، ص 137 .
3- لابلانش ، جان – بونتاليس ، ج . ب ، 2002 ، معجم مصطلحات التحليل النفسي ، : ترجمة : الدكتور مصطفى حجازي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ، ط4 ، ص 135 -136 .
4- سافو ، المصدر السابق ، ص 143 .
5- مافيزولي ، ميشيل ، 2010 ، في الحل والترحال : عن اشكال التيه المعاصرة ، ترجمة : عبدالله زارو ، افريقيا الشرق ، المغرب ، د.ط ، معظم صفحات الكتاب .

شاهد أيضاً

عن الشعر العربي الفصيح الذي قيل في مدح الانكليز
مهدي شاكر العبيدي
اوستن –تكساس

الشعر العربي الفصيح الذي ينسجه الشعراء في القطر العربي الشقيق السودان، يحتفظ قبلاً وبعداً، بسمات …

نبيل عودة: يوميات نصراوي: النقد الشخصاني ثرثرة بلا مضمون!!

حضرت قبل سنوات ندوة ثقافية عن النقد الأدبي المحلي، قال ناقد معروف انه يكتب عن …

شوقي كريم حسن: عبد علي اليوسفي… محاولة تشكيل اليومي!!

*قد يدفع الهدوء الذي يعيشه الصبي، وسط بيئة مزدحمة بالخوف والضجيج، الحكايات التي تتجدد بشخوص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *