هدية حسين: سنوبل يقود ثورة ضد الظلم

hadiya-5إنها ” مزرعة الحيوان” رواية جورج أورويل التي رفضت دور النشر إصدارها، ولكنها حين صدرت بعد ذلك بيع منها خلال الأسابيع الأولى من توزيعها مليون نسخة.. قد تبدو أحداث الرواية بسيطة للوهلة الأولى، فما هي إلا حيوانات يستغلها مالكها “الإنسان” للحصول على الثروة، لكن الرواية في العمق لها رموز تمثل أبشع صور الاستبداد البشري وأعمق الإحساس بالمهانة، وقد أراد جورج أورويل أن يرسم من خلالها العالم بين المستغل والمستغل (الأولى بكسر الغين والثانية بفتحها) الحاكم والمحكوم، المستبد والمغلوب على أمره، إنها صورة تتكرر على الدوام وتكرر نفسها في كل عصر، وما تزال تتعمق يوماً بعد آخر كما لو ان جورج أورويل يقص حكايته علينا ويذكي فينا جمرة الثورة على ما يحدث كلما حاول إخمادها من يريد البقاء في الصورة دون غيره من البشر، وتعالوا ندخل المزرعة ونقارن ما يجري فيها بما يحدث الآن في كثير من بلدان العالم.
قررت الحيوانات أن تجتمع بعد أن ينام صاحب المزرعة السيد جونز، وذلك للاستماع الى ما يقوله العجوز ميجر وهو أحد الخنازير، الذي سيحكي عن الحلم الغريب الذي رآه، وعن الأحوال المزرية التي تعاني منها الحيوانات.. وحين اجتمعت بدأ العجوز ميجر بسؤال وجودي عن معنى الحياة التي تعيشها الحيوانات على الأرض، وقد وصفها بأنها حياة تعيسة وقصيرة تنتهي بالذبح، إنها حياة لا وجود للسعادة فيها وإنما للعبودية والاضطهاد، وأجاب عن أسئلته التي طرحها بالحث على عدم الرضوخ للإنسان الذي يجني ثمار تعبهم، وبالتالي فهو عدوهم الوحيد الذي يستهلك ولا ينتج، وهو المسؤول عن تعاستهم، ولذلك يجب أن تتحد الحيوانات ضد هذا العدو وأن تثور عليه وتطيح به وتنتزع منه السيادة، وأوصاهم في ختام كلامهم بسبع وصايا إذا ما أمسكوا بزمام الأمور، من بينها أن لا يتشبهوا بالإنسان، ولا يقتبسوا رذائله، ولا يرتدوا ثياباً، ولا يشربوا خمراً أو يدخنوا تبغاً أو يلمسوا نقوداً، والأهم من ذلك أن لا يستبد بعضهم بالبعض الآخر.
بعد ذلك قص عليهم حلمه الغريب، وهو رؤية لمستقبل الأرض خالية من جنس البشر، وأثناء ما كان يتحدث تذكر أغنية كانت تغنيها أمه، عنوانها (حيوانات إنكلترا) تدعو الى الحرية والتخلص من العبودية، وما إن بدأ بالغناء حتى شاركته جميع الحيوانات، وهنا استيقظ السيد جونز مفزوعاً وظن أن ثعلباً هاجم الحظيرة، فأمسك بالبندقية وأطلق ست رصاصات، عم الهدوء بعد أن هربت الحيوانات الى أماكنها لينتهي الفصل الأول من الرواية، ويبدأ الفصل الثاني بموت العجوز ميجر الذي بشّر الحيوانات بمستقبل آمن بعيد عن شرور الإنسان، مات وترك وصاياه في عقول وقلوب الحيوانات التي تنتظر يوم الخلاص من عبوديتها بإعلان الثورة التي لا أحد يعلم متى وكيف تبدأ شرارتها الأولى، لكن بقية الخنازير أخذت على عاتقها مهمة توعية الحيوانات وتنظيمها، وبرز من بينها الخنزيران سنوبل ونابولين، يتصف نابولين بالضخامة وقبح الطلعة ولا يجيد الكلام لكنه يشتهر بطرقه الميكافيلية، فالغاية عنده تبرر الوسيلة، أما سنوبل فكان مفعماً بالحيوية وأكثر نشاطاً من نابولين، طليق اللسان وسريع البديهة وله قدرة على الابتكار، وكان هناك خنزير ثالث ينتظر الذبح يدعى سكويلر وهو سمين ورشيق الحركة ومتحدث بارع وله القدرة على الحوار والإقناع، سيتولى بعد انتصار الثورة مهمة الإعلام.george-orwel
هؤلاء الخنازير الثلاثة هم الذين وسعوا مضامين وصايا العجوز ميجر وجعلوا منها نظاماً متكاملاً أطلقوا عليه (الحيوانية) وقاموا بتنظيم اجتماعات سرية لشرح أسس الحيوانية ومبادئها، وقد آمن بتلك المبادىء الكثير من الحيوانات، إلا أن قلة منها وكانت ضعيفة، لا يهمها إن قامت الثورة أو لم تقم، ما يهما فقط هو أن لا تموت جوعاً، كالغراب موسيس الذي كان يلفق الأكاذيب عن وجود جبل الحلوى الذي ستذهب اليه الحيوانات بعد موتها.
في هذا الوقت ساءت أحوال المزرعة، السيد جونز أوشك على الإفلاس فأخذ يسرف في الشرب وأهمل عمله بالمزرعة، معتمداً على بعض رجاله الذين يشبهونه بالتصرف، حتى أنهم ذات نهار لم يطعموا الحيوانات، تركوها وذهبوا للصيد، ولما جاء الليل لم تستطع الحيوانات مقاومة الجوع فحطمت باب المخزن ليأخذ كل حيوان حصته من المؤونة، وحين استيقظ السيد جونز ورأى ما رأى أوسع الحيوانات ضرباً وركلاً، ومن هذه اللحظة بدأت شرارة الثورة، لحظة الجوع الذي لا يصبر عليه أي كائن، وهي تشبه الى حد التطابق ما يحدث بين البشر حينما تُجرد الشعوب من حقوقها وتُجوّع فتثور ضد مستبديها.
هاجت الحيوانات وراحت تنطح وترفس وتعض، وخرج الأمر عن السيطرة لأن التمرد سرى بين الجميع، ولم يجد السيد جونز ورجاله الا الهرب، والحيوانات تجري خلفهم حتى أخرجتهم الى الطريق العام، وهكذا أصبحت المزرعة ملكاً للحيوانات، ولكي لا يبقى أي أثر للإنسان فقد قامت بكسر باب المخزن وأخرجت شكائم اللجام وحلقات الأنف والأربطة والسكاكين وألقت بها في البئر، ثم قادها الخنزير سنوبل الى بيت المؤونة وقدم لها الحصة مضاعفة، وصارت أغنية “حيوانات إنجلترا” نشيداً للثورة.. لقد انتصرت الثورة ولكن ماذا بعد انتصارها؟
هذا هو السؤال الذي سيقودنا الى جوابه جورج أورويل في روايته العجيبة، فحين تولى سنوبل ونابولين مهمة القيادة قاما بتعليم الحيوانات القراءة والكتابة، وأشرفا على كل صغيرة وكبيرة، وراقبا تطبيق الوصايا التي غدت قانوناً يسري على الجميع، وأعطيا لجميع الخنازير الحق باتخاذ القرارات، أسّسا اللجان وأصدرا الأوامر التي تبين فيما بعد أنها غير مجدية، وأرسلا أسراب الحمام الى التجسس على المزارع المجاورة، وحينما عاد الحمام أعلن أن جونز ورجاله في طريقهم للمزرعة، فتولى سنوبل مهمة الدفاع لصد الهجوم، ترأس الحملة مُقدماً الحمام للبدء بالغارة، تلاهم الإوز الذي راح ينقر وجوه الرجال، ثم الخراف للرفس والنطح، بعد ذلك استدرجهم سنوبل الى المزرعة فظن الرجال بأن الحيوانات تتراجع، وهكذا وقعوا في الفخ وانتصرت الحيوانات وراحت تردد نشيدها وترفع علمها.kh-george-orwel
وبعد أن ذاق الجميع حلاوة النصر دب الخلاف بين سنوبل ونابولين، خصوصاً بالتدابير اللازمة للدفاع عن المزرعة واتخاذ الخطط لتطويرها، وكما يحدث بين قادة الثورات من البشر فإن الثورة بدأت تأكل أبناءها، فحين رأى نابولين أن الهزيمة ستلحق به أثناء التصويت على أحد القرارات أطلق صيحة عالية، ارتفع على إثرها نباح شرس خارج الحظيرة، ثم اقتحمت المكان كلاب شرسة وتوجهت نحو سنوبل فما كان منه الا الهرب، وقد تملك الحيوانات رعب شديد من كلاب نابولين المدرّبة التي صارت جزءاً من طاقم حمايته، وأصبح هو بعد هرب سنوبل القائد الأوحد، فعطل الكثير من الإجراءات، ثم شكل لجنة من الخنازير برئاسته لتمشية أمور المزرعة دون مناقشتها مع الحيوانات الأخرى، وقد أرادت بعض الحيوانات التعبير عن انزعاجها الا أن زمجرة الكلاب أعادتها الى الصمت.
وهكذا رُفع شعار الولاء والطاعة لنابولين، فخضعت له الحيوانات دون استثناء، وتقبلت أوامره العسكرية حتى تمكن من السيطرة تماماً، وفرض أعباءاً إضافية، وأصبحت المزرعة سجناً كبيراً للكثير من الحيوانات بحجة تعاونها مع سنوبل، كما أعدم الكثير منها.. ثم ألغى نابولين نشيد “حيوانات إنجلترا” وغيّر مفهوم الوصايا السبع، وأطلق على نفسه ألقاباً مثل “والد جميع الحيوانات” و “صديق فراخ البط” و “مرعب البشر” وصار كل إنجاز تقوم به الحيوانات يُنسب له، لكن الخطر الأكبر أنه دخل في معارك متواصلة مع مزارع الجيران، وسواء ربح المعارك أم خسرها فإنه يحوّل الأمر الى انتصار، ونتيجة لذلك زادت ساعات العمل وانخفضت الحصص التموينية، ولما ساءت الأحوال دعا نابولين جيرانه من بني البشر للصلح وتبادل المنافع، وبذلك خرق جميع الوصايا التي قامت عليها الثورة.
ينهي جورج أورويل روايته (التي أصدرتها عدة دور نشر مترجمة للعربية، ومن بينها هذه الطبعة التي بين أيدينا بترجمة محمد العريمي وإصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر) باختلاط الأمور على الحيوانات التي كانت تراقب مشهد لعب الورق وتبادل الأنخاب بين الخنازير والبشر، فما عادت تعرف ملامحهم، بل أصبح من المستحيل عليها أن تميز هذا عن ذاك، وبذلك استطاع جورج أورويل أن يحشد في هذه الرواية الكثير من الرموز لعالمين مختلفين أصبحا في عالم واحد، بطريقة فيها من السخرية قدر ما فيها من المأساة، وذلك هو أسلوب جورج أورويل في رواية (1984) التي تنبأ فيها بمستقبل العالم، باختلاف واحد هو أنه قام في رواية مزرعة الحيوان بتغيير البشر الى حيوانات.

شاهد أيضاً

ضوء على رواية (الخبز الحافى) للقاص محمد شكرى
بقلم: عبد الهادى الزعر

كتاب السيرالشخصية فى أدبنا العربى قليلون – – ومعظم القاصين والشعراء والذين ابدعوا فى مهاراتهم …

أيام عجاف صوت الإنسانية للشاعر عصمت شاهين دوسكي
بقلم وليد عبد الله خريوش – فلسطين

* إننا نعيش في ظروف صعبه لم يشهد مثلها التاريخ . * حرمان البشر من …

عن الشعر العربي الفصيح الذي قيل في مدح الانكليز
مهدي شاكر العبيدي
اوستن –تكساس

الشعر العربي الفصيح الذي ينسجه الشعراء في القطر العربي الشقيق السودان، يحتفظ قبلاً وبعداً، بسمات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *