كريم القاسم: ( الكتابة ) سلسلة فنون الكتابة … (الحلقة الاولى)

karim-alkasem-3الكتابة: ( اسم ) الكتابة ُ : صناعة الكاتب. لُغَة الكتابة : لُغَة الإنشاء من أدب ٍ ونحوه . الكتابة : هي مخزون كلام القلب ، يترجمه اللسان الى كلمات . والكثير من الاقلام … يمزج بين فنون الكتابة مثل : ( المقال – الرسالة – الخاطرة – القصيدة النثرية – القصة – الخ ) . وهناك فنون كتابيه اخرى تتصل بحياتنا اليومية ، وهي كثيرة الفائدة ، والتي سنتطرق اليها فيما بعد.وإن كل فنٍّ من هذه الفنون يقع ضمن مفهوم(الانشاء). والكتابة ُ هي (إنشاء) … والإِنْشَاءُ في الادب ، هو فن يُعنى بجَمْع المعاني والتأْليف بينها وتنسيقها ، ثم التعبير عنها بعباراتٍ أَدبيّة بليغة . وهو تعبير عن شعورِ كاتبه ِ . والمراد من كتابة الانشاء ، هو كل ما تعلقَ بصناعة الكتابة إلى تأليف الكلام وترتيب المعاني . ــ والكلام المنثورتكون ألفاظه تابعة لمعانيه . ــ وللأنشاء تفضيل على سائر أنواع الكتابات …. وناهيك بالنثر فضيلة أن الله تعالى أنزل به كُتبهِ السماوية والقران الكريم ونوره المبين الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه). ــ اذاً لنبدأ بخطوات الكتابة والأنشاء . وهذه الخطوات سنعتمدها في كل انواع فنون الكتابة ، مع الاحتفاظ بمعاني كل فن من هذه الفنون بما يناسب المراد والنص . كل نص منثور هو انشاء ، ويعتمد نفس الهيكل (عنوان – مقدمة ـ عرض ـ خاتمة) .. مهما تَنَوّع نوع ومقصد النص ( بحث ـ رسالة – مقاله بأنواعها ـ خاطرة ـ دعوى ـ شكوى ـ شكر ـ خطبة … الخ ) . لكن لكل نوع من هذه الأنواع والنصوص ، طريقة وأركان وأهداف تختلف في مضمونها ونوع المفردات والمعاني المستعملة وطريقة حياكتها ونسجها عن الاخرى ، وهذا ما سنتطرق اليه في كل فن ادبي على انفراد إن شاء الله تعالى … وتُصنَّفُ الكتابة الى خمسة اصناف رئيسيه هي : 1- كتابة المقاله . 2- كتابة البحث العلمي . 3- كتابة الرسالة . 4- كتابة التقرير . 5- كتابة التلخيص . ــ وسنتاول شرح هذه الانواع تِباعاً ايضا ً. ــ والآن نأتي للسؤال المطروح : كيف نكتب …؟ الجواب : لكي تصبح كاتباً ناجحاً ،عليك ان تضع نصب عينيك هدفاً محدداً كي تستطيع ان تبني عليه كل المعطيات ، وسيضعك الهدف امام طريقين لاثالث لهما : – ماذا تكتب …؟ – كيف ستكتب … ؟ ــ يرتكز موضوع الإنشاء على ركائز (اركان) أساسية بدونها لا يصح هذا النوع من الكتابة ، وهي تأتي على النحو التالي : 1- اختيار الموضوع / عند الشروع بكتابة اي نص ، لابد من اختيار الموضوع ــ الذي تنوى التأليف بشأنه ــ بعناية فائقة ، ويُعتبر اساساً تُبنى عليه كل الخطوات القادمة . 2- تهيئة الفكرة / تهيئة فكرة كتابة النص واستحضار مخرجات من هذه الفكرة ونسجها في عبارات تحوي مفردات مناسبه للنص ومضمون الفكرة . 3- المقدمة / وبعد اختيار الموضوع وتهيئة الافكار ، يبدأ الكاتب بالكتابة . وإن مَنشَأ المقدمة يقوم على مجموعة من التساؤلات الافتراضيه الذاتية ، كي تتوفر للكاتب علاقة وَصِلَة بينه وبين الفكرة المراد صياغتها ، ويجب ان يضع الكاتب امامه هدف كبير ، هو .. كيف يجذب القاريء …؟ كي يجعله منجذب ومشدود للقراءة ، ولمتابعة افكاره، وهذا ليس بالشيء الصعب والبعيد المنال، بحيث لا تأخذ المقدمة حيّزاً كبيراً ينافس العرض، إنما عبارات قصار و مركزّة ، تُعتبر مدخلاً يقود القاريء للعرض . 4- العرض / ونعني به صلب الموضوع ، وأفكار الموضوع ، ويُعتبر من أهم الركائز في الكتابة الإنشائية ، والذي بدونه لا يَصُح الإنشاء . وهنا تبدأ مرحلة إنتقالية من المقدمة الى عرض الافكار ، ولتكن بصورة تدريجية وليست منفصلة عن المقدمة ، بحيث تكون كل عبارة مرتبطة بما قبلها فكرة وأسلوباُ ، كحبات المسبحه ، كل واحدة تستند على الاخرى ، وهذا يأتي نتيجة الإحاطة وفهم وادراك لفكرة النص . ثم يبدأ الكاتب بعملية ترتيب عرض هذه الافكار ، حسب اهميتها وأولويتها ، ويعطي العرض حقه حتى الاشباع ، دون الاطالة الغير مفيدة ، مع الابتعاد عن اللغو ِ والحشو . 5- الخاتمة / بعد معالجة الكاتب لأفكاره في العرض ، واطمأن لما طرحه من إيحاءات ومفاهيم ، يبدأ بصياغة النتيجة النهائيَّة التي يروم ايصالها الى القاريء او السامع ، ويُستحسَن أن تكون النهاية مفتوحة ، كأن تنتهي بتساؤل ، أو وجهة نظر تأخذ عدة احتمالات ، وذلك لإعطاء القاريء فرصة التفكير بحلول ممكنة ، أو بإضافة مشاعر أُخرى غير التي أوحى أو صَرَّح بها الكاتب . ولا مانع من أن تكون مغلقة ، بحيث ينهي الكاتب الفكرة بخاتمة تقودك الى نقطة واحدة لاغيرها . 6- العنوان / وهو من الضرورة التي يَغفَل عنها الكثير . وهو ركيزة وركن اساسي لمعظم الفنون الادبية ، بل هو وسيلة تعريف القاريء بالنص . لذا فهو يحمل اهمية بالغه بكيفية صياغته ، كونه يتكون من كلمة واحدة او عدة كلمات تحوي معنى مركز جداً لكل افكار النص . هنا تظهر مقدرة الكاتب وحذاقته في استنباط العنوان ، بحيث يجب ان يتأمل الكاتب كل ماكتبه ، ويستخلص عنوان مُركَّز يكاد يتفجر معاني ، و يجذب القاريء بقوة كبيرة ، ويجعله مجبراً على قراءة الموضوع . وأنا شخصياً أميل الى كتابة العنوان بعد اكمال النص. 7- تهذيب النص / وهذا ركنٌ مهم جداً ، كذلك يغفل عنه الكثير، اما عجزاً ، او إفتتان الكاتب بما يكتب ، وهذه مشكلة كبيرة. تهذيب النص ، يعني تشذيبه من المفردات الزائدة عن الحاجة اللغوية ، وحذف واضافة وإبدال بعض المفردات والمعاني ، وتصحيح الاخطاء الاملائية ، ولابأس ان تكون هذه المرحلة بعد الكتابة بساعات أو ايام ، إن كان النص مهماً ، حتى يصل الكاتب الى درجة القناعة ، ويأخذ النص شكلاً جميلاً جذاباً قريباً من الكمال . نصائح / ……….. بعد ان تطرقنا الى كيفية بناء الهيكل العام للكتابة الانشائية ولأي نص منثور مهما تعددت عناوينه، لابد لنا من وقفة ضرورية : ــ عندما نقول كتابة ، نعني الكتابه الادبيه والكتابه العلميه . ومادامت الكتابة صنعة ، فصاحبُ الصنعة لابد ان يمتلك مهارات وحِرَفيّه ، بكيفية كتابة المفردات ، وكيفية إختيارها ، وكيفية الفصل بين العبارات ، وما هو الاسلوب الذي يتعامل به مع النص، كي يظهر المصنوع في غاية الجمال والابداع ..؟ عندها سيجد لبضاعتهِ من يهواها ويعشقها . وهكذا الكتابه فلا بد للكاتب من مهارات يمتلكها أو يُنمّيها كي يجيد الصنعه . ومن هذه المهارات : – كثرة المطالعة والقراءة المستمرة ، كي تتكون لدى الكاتب ثروة لغوية ، او خزين لابأس به من المفردات تعينه على التعبير، ليكون مؤهلا للكتابة . – مراعاة الفروق الفردية بين القراء ، وإختيار العبارات التي تناسب النص ومستوى القاريء واختصاصه ، وخاصة في فن الرسالة والخطبة وغيرها . – الابتعاد عن المفردات العامية ، مع استخدام لغة ومفردات تناسب طبيعة النص ، ان كان خاطرة عشق ، او سياسة ، او مقال اجتماعي ، او بحث علمي ، او بحث تخرج ، او رسالة ، كل حسب المضمون ، كي لاتأتي المعاني نافرة للذوق السليم . – القدرة على استيعاب الافكار وفهمها ، وإستقصاء الحقائق التي تخص الفكرة ، والقدرة على عرضها بأسلوب لغوي رائع وجذاب. – استخدام المحسنات البديعيه. مثل : الكناية والأستعارة والتشبيه والرمزيه والسجع في فن الكتابة الذي يتطلب ذلك . وهذا يعطي النص مظهرا ورونقا ، يثير الدهشة والاعجاب والاستمتاع لدى القاريء . وسنوضح ذلك بأسلوب مبسط في حلقات قادمة ان شاء الله تعالى . – الكثير يخلط بين هذه الفنون ، فيكتب قصة قصيرة ويعتبرها خاطرة اومقال. فالكاتب لابد ان يفهم ، ان في القصة والمقال والرسائل تنعدم الرمزيه ، بل يكثر التوجيه في المقال . اما في الخاطرة فتعتبر الرمزيه هي الصفة والسمة الاساسية فيها . بينما تأخذ الرسائل الادبية طابع الموعظة والارشاد والنصح. – على الكاتب ان يكون على علمٍ ودراية ومعرفه بعلامات الترقيم وفوائدها وكيفية استخدامها اثناء الكتابة ، فالكثير يكتب دون الاهتمام بهذه الناحيه ، فتترابط الجمل بشكل خاطيء وتتداخل المعاني ويتيه القاريء فلا يفهم القصد. – ايمان الكاتب بما يكتب ،كي يكون صادقا في العرض . ــ كل ما تقدم ، يصب في بوتقة واحدة ، ليظهر النص بصورة مقبولة ، بعيداً عن الاخطاء التي يجب ان لا يقع فيها الكاتب ، كي يخضع النص للنقد والتقويم والتقييم ، وبما يناسب درجة رقيه . ولايأتي كل هذا الا من خلال التدريب والتأليف الكثير والمثابرة وتقبّل النقد البنّاء . وعندما نقول التدريب ، نعني التدريب العلمي الذي يخضع لهذه الضوابط ، ويكون بعيدا عن العشوائيه ،فلا فائدة من كاتب يكتب ولايدري مايكتب ،عندها يكون الحرج . وكما قال علي بن ابي طالب ( كرم الله وجهه) : قيمة كل امرئ ما يُحسِن . وفنُّ الانشاءِ ، هو موهبة ومَلَكَة من عند الله ، يعتمد الإبداع الذي يعتبر بصمة في اسلوب الكاتب ، فكل واحد مِنّا هو مبدع ولكن قد تختلـف طريقة ابداعه.. ويبقى الابداع هو السر الكبير ….. الذي نبحث عنه … تقديري الكبير …..

(الكاتب والناقد كريم القاسم ) 

شاهد أيضاً

أسامة غانم: النص المختلف في حفريات الموروث الديني والذاكرة المستفزة
“لوسيفر الضمير السري للإنسان”

يتعمد الروائي العراقي محمد علي النصراوي في روايته ” لوسيفر” الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات …

خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام: أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة …

ضوء على رواية (الخبز الحافى) للقاص محمد شكرى
بقلم: عبد الهادى الزعر

كتاب السيرالشخصية فى أدبنا العربى قليلون – – ومعظم القاصين والشعراء والذين ابدعوا فى مهاراتهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *