المقالات الصحفية (10) وقوفا ضد الميز العنصري (1) د. زكي الجابر (ملف/48)

zeki-aljaberإشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة . ومازالت الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد ترفد الملف بنصوص وصور مهمة للراحل الكبير فشكراً لها.

المقالة :
كان الفيلم يحكي قصة الطفلة الملونة التي تربت ونشأت في كنف بيت سادته من البيض، وكانت تلك الطفلة تحسب نفسها أختا للطفلة البيضاء، ابنة سيد البيت، فهما يدرجان ويلعبان معا. وتمر الأيام، وبحكم الاختلاط بالمجتمع الأبيض ونمو العلاقات الاجتماعية تدرك الطفلة البيضاء أن هذه الأخرى التي تتعايش معها ليست بأختها، وأن العرق مختلف، والدم يختلف، والمنزلة الاجتماعية تختلف.
ويتطور الأمر إلى احتقار ومن ثم إلى اضطهاد تضطر إزاءه الملونة إلى الهرب لتحترف حياة الليل. تلك إذن حكاية الموقف الذي لم يكن ليكون لولا هذه التنشئة التي سدت على الطفلة نوافذ التعامل الإنساني، ودفعت بها إلى احتقار واضطهاد من ألفت العيش معها على أنها أخت. إنه موقف، ولنسمه الموقف العنصري المسبق، يتكون ويتطور، ومن بعد ذلك يصبح الحافز المحرك لفعل الميز العنصري.
لقد شهدت الشهور الماضية ميلاد فيلم ’’أشباح من الماضي‘‘، وهو يحكي قصة ذلك الأبيض الذي فتك بداعية من دعاة الحقوق المدنية وأحد شداة المساواة. تعددت جلسات المحاكمة لتصدر هيئة المحلفين قرارها بعد ارتكاب المتهم للجريمة، ولتحكم له المحكمة بالبراءة. وبعد ثلاثين من الأعوام تعاد المحاكمة مجددا، ويدان القاتل. ولم تكن هيئة المحلفين التي ارتكزت في قرارها على فقدان الأدلة غير مجموعة من البيض انطلقت من موقف عنصري مسبق إلى فعل الميز العنصري.
لقد أوردت هذين المثالين في صدر هذه المقالة تجنبا لضياعي وضياعك في زحمة المصطلحات، وما أكثر ما وقعنا في ارتباك المنهج والمقصد في زحام المصطلح ورطانة التعبير.
يتجسد الموقف العنصري المسبق في الرغبة في قبول أفكار عن مجموعات تختلف عنصرا، وكثيرا ما تترجم هذه الرغبة إلى فعل. أما مفهوم العنصرية فهو يصدق على تركيبة من المجموعات، تنظر مجموعة إلى أخرى على أنها عنصرية. وبذلك تنشأ العلاقات العنصرية وتنمو على وهم الاستناد إلى مكونات بيولوجية متوازنة يظن العنصريون أنها قابليات وخصائص لا تتغير. إنها علاقات ذات جذور عميقة تطورت لتشكل بعد ذلك نظرية بيولوجية مزيفة. إن الصفات الوراثية لا تشكل عنصرية إلا إذا ترجمت إلى مواقف عنصرية مسبقة ومن ثم إلى الميز العنصري كفعل.
ليس الميز العنصري من أشباح الماضي، بل هو قائم في صيغة تتجاوز النطاق الفردي إلى موقف منظم وإلى ميز منظم.
ميليشيات عنصرية
يتحدث ’’آرثر سيليزنجر‘‘، الذي حظي بجائزة بوليتزر (Pulitzer)، عن ميليشيات عنصرية مسلحة قد تتلبس ثوب الدين، وتستعين بالتاريخ لتمارس العنف تحت غطاء نقاوة الجنس الأبيض وسيادته. إن الأحداث تتوالى في أكثر من مكان، مبان حكومية وغير حكومية تفجر هنا وهناك، والمصلون الراكعون الساجدون إلى ربهم في الخليل تمطرهم رشاشة عنصري متحيز، وحليقو الرؤوس يشحذون المدى والسكاكين لتحز جلود الملونين ورقابهم، والطفلة المغربية ’’لبنى‘‘ يغتصبها أوروبي ويقتلها ليرميها بعد ذلك نفاية في مرآب سيارته.
والميز العنصري لم ينشأ في فراغ، فعادة ما تكون الفئات المضطهدة عنصريا هي تلك التي تفتقد القاعدة المادية المتينة، والتي حرمها القهر المادي من توسيع قدراتها وإمكاناتها الذهنية، ومن متابعتها لمدارج التعليم، والتي تعيش مهمشة في الحواضر الصناعية المزدحمة أو الأرياف والبوادي أو بين الجبال والأودية البعيدة.
تشيد العنصرية كيانها على اللا مساواة واللا تكافؤ بين البشر ترسيخا للإقصاء والتهميش وتعميقا للسيطرة، ويترتب على ذلك أفعال جسدية إجرامية من قتل وتعذيب وضرب أو إهانات لفظية وشتائم أو نظرات ازدراء أو إعاقة في سير المعاملات أو إشاعة لروح الهوان والمذلة. وهكذا تنطلق العنصرية من الموقف المسبق إلى الميز العنصري متمثلا في الخطاب العنصري والفعل العنصري.
وإذا ما كانت السلطة العنصرية قد عملت على صياغة الخطاب العنصري فإن وسائل الإعلام ما زالت تعيد إنتاج هذا الخطاب، وإعادة هذا الإنتاج ليست وقفا على الإنتاج في العالم الغربي بل نجده يأخذ مكانه في إنتاج دول العالم الثالث. ألم ترسخ السينما الهندية الفتاة الراقصة والفتى العاشق الذي يغني النواح والحسرات؟ ألم توطد السينما المصرية صورة الصعيدي الأبله والنوبي المغفل؟ ألم تفعل هذه السينما فعلتها في إشاعة صورة الفتاة الريفية الساذجة المعرضة للاغتصاب والإذلال؟ أليست هذه السينما مسؤولة أيضا عن رسم صورة تظهر المرأة مغلوبة على أمرها راضية بنصيبها، غير قادرة على رفض أوامر ونواهي السيد ’’عبد الجواد‘‘ بطل ثلاثية نجيب محفوظ، ذلك المتسلط الباطش مالك المال والنفوذ والنساء؟
وإذا ما وقفنا عند السينما والتلفزة الأمريكية والأوروبية فإننا لا نجد مجالا للتردد في تشخيص مسؤولية هذه السينما في رسم صورة الهندي الأحمر الذي يستحق الفناء لجهله وغبائه وعدم قدرته على استغلال الأرض، وصورة الأسود الذي لا تتصاعد أحلامه إلا إلى مستوى العيش كقن من الأقنان أو سائق سيارة أو التحليق في عالم الجنس وصراع الديكة والتفنن العضلي؟
مسؤولية الكاتب
وماذا بعد ذلك؟ إن مسؤولية الكاتب الملتزم بكرامة الإنسان والملتزم بالوقوف ضد التمييز العنصري تفرض عليه القيام بدوره المشرف في تعرية الممارسات العنصرية، وكشف جوانب إعادة الخطاب العنصري في وسائل الإعلام ومن خلال مختلف الأجناس الإعلامية والدعائية من خبر وبرامج ومسلسلات وأفلام. كما عليه أن يبرز الفعل العنصري عاريا مهما كان لبوسه ’’الحضاري‘‘، وأن يكشف كل ما يسنده من قاعدة مادية وعلاقات إنتاج وتخلف فكري وأخلاقي وقوى اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية منظمة.
إن ثقل هذه المسؤولية يتضاعف على كاهل كاتب تحتضن أمته مبادئ ’’الناس سواسية كأسنان المشط‘‘، و’’لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى‘‘، و’’أنفعكم للناس أنفعكم عند الله‘‘، و’’كلكم لآدم وآدم من تراب‘‘، و’’متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟‘‘ أمة لم تجد ما يفرق في مجالات العمل الصالح والإيمان بالله بين ’’صهيب الرومي‘‘ و’’سلمان الفارسي‘‘ وأي مؤمن آخر نماه عدنان. أمة لم تتبن في ماضيها وحاضرها شعارات عنصرية مثل ’’الإرهاب المقدس‘‘ الذي تتنادى به وتدعو له ’’الارغون‘‘ و’’الكوكلوكس كلان‘‘ واللفيف الملتف حول ’’باروخ غولدشتاين‘‘.
إن الكاتب العربي، إذ يجد في موقفه الملتزم ضد المواقف العنصرية المسبقة وضد الميز العنصري امتدادا لالتزام أمته بمبادئ المساواة بين البشر يجد فيه، أيضا، انعكاسا وانسجاما مع تأكيد ميثاق الأمم المتحدة على حقوق الإنسان، ومع ما جاء به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من عدم جواز التمييز، ومن إقرار بأن جميع الناس يولدون أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، ومع مناداة المنظمات الإنسانية بضرورة استئصال شأفة الفصل العنصري وجميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وما يرتبط بها ويغذيها ويساعدها على أن تنمو وتستشري من استعمار واستعمار جديد وعدوان وسيطرة أجنبية واحتلال وتدخل في الشؤون الداخلية للدول.

(1) نشرت في صحيفة البيان (الإمارات)
15-9-1997

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: أصدقائي الأدباء.. الروائي والشاعر حميد العقابي (ملف/84)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

رؤيــا الـيـقــيــن لـســـلام ابـراهـيـم*
قصص تدعو لإعادة صياغة الوعي والبحث عن الذات الأنسانية المفقودة
صباح كنجي (ملف/83)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (19) (ملف/82)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *