شوقي يوسف بهنام: سافو والمأتم المأساوي (النص رقم 12)

shawki yusef bahnam 4سافو في هذا النص تنقلنا الى اجواء العقل الجمعي . اجواء عقلها الجمعي . وفي هذه الاجواء نتلمس تصويرا لجنازة ادونيس . ما يهمنا هنا ان سافو في تصويرها هذا ركزت على الاناث دون الذكور في تلك الاحتفالية المؤلمة . ونحن نجد في هذا التخصيص اشارة ، ولو انها رمزية الى الجنسية المثلية الكامنة لديها . تقول سافو في هذا النص :-
أنصتنا إليهن يترنمن
الصوت الأول : يكاد الموت
يخترم أدونيس الفتى
فماذا نحن فاعلات يا سيثريا ؟
الصوت الثاني : ألطمن صدوركن
بقبضاتكن ، يا فتيات
ومزقن الجيوب !
(الاعمال الشعرية ، ص 22)
*************************
ادونيس الفتى يكاد يخترمه الموت او (يهلكه) . الشخوص كلها ؛ ادونيس او سيثريا لنرى من هذا الفتى الجميل وهو الدون الجوان الذي يتسابقن عليه النساء للفوز به . ادونيس هو ” ابن سينرس ملك قبرص . تحولت امه ميرا الى شجرة ، فاهتمت أفروديت بالطفل الجميل ، وعهدت به الى بيرسفون ملكة العالم السفلي لتربيته . لكن هذه اغرمت به ورفضت ان تعيده الى افروديت ، فشكتها الى زيوس ، وحكم هذا الاله بأن يبقى ادونيس ثلث العالم مع بيرسيفون وثلثه مع افروديت ثن يكون حرا في اختيار مكان اقامته في الثلث الاخير من العام . وتثور الغيرة في قلب أيريز زوج افروديت اثناء تجواله في الغابة مع افروديت ، فيرسل خنزيرا بريا ويقتله . وتتحول دمائه الى ازهار الشقائق الربيعية (1) . اما سيثريا فهو لقب من القاب افروديت (2) . اذن النص موجه نحو افروديت التي هي موضوع حب وتعلق شاعرتنا سافو . ماذا نستنتج من هذه الرسالة الموجهة الى ربة الحب والجمال سايكولوجيا على الاقل ؟ انها شكل من اشكال الغيرة Jealousy وهي انفعال قد يصل الى حالة مرضية في اشكاله المتطرفة او الزائدة . لقد كانت افروديت قد عهدت ادونيس الى ان المربية وهي ملكة العالم السفلي فوقعت في حبه فما كان من افروديت الا ان تقدم شكوى ضدها عند الاله زيوس . فكان الحكم الذي اوردناه . ادونيس مقسم بينها وبين ملكة العالم السفلي . ها هي سافو هنا تعاني هي الاخرى ولفيف من فتياتها انفعال الغيرة من افروديت مثلما استولى عليها ذات الانفعال ملكة العالم السفلي من قبل . سافو ليست من جنس الالهة مثل افروديت ، هي بشر ولا غير ؟ انها تسال افروديت ماذا تفعل وهي ترى ان الموت يخترم ادونيس الفتى بواسطة الخنزير البري الذي ارسله زوج افروديت . ان دماء ادونيس كما تخبرنا تلك الاسطورة تحولت الى ازهار ربيعية . انه سليل الالهة . والجواب على سؤالها ذاك متضمن في الشق الثاني من النص . اللطم على الصدور وتمزيق الجيوب . ولنرى ما الفرق بين الندب واللطم . تقول الموسوعة الحرة عنهما ما يلي ” ربما يتبادر إلى أذهاننا أن الندب واللطم لفظان لمعنى واحد كما هو الشائع حالياَ، لكننا لو رجعنا إلى معاجم اللغة ودققنا لوجدنا أن معنى الندب مختلف عن معنى اللطم في أصل اللغة. فالندب هو أن تدعو النادبة الميت بحسن الثناء في قولها وا فلاناه وا هناه واسم ذلك الفعل الندبة وهو من أبواب النحو كل شيء في ندائه وا فهو من باب الندبة. وندب الميت أي بكى عليه وعدد محاسنه. أما اللطم فهو ضربك الخد وصفحة الجسم ببسط اليد أو الضرب على الوجه بباطن الراحة. فالندب فعل اللسان والحنجرة (بالصوت) واللطم فعل اليد(بالضرب) ولكنهما يجتمعان في المجالس والمواكب الحسينية فيقوم النادب (الرادود) بالندب ويشاركه الحاضرون به في اللازمة وهم يلطمون صدورهم ورؤوسهم ” وتذكر هذه الموسوعة عن هذا النمط من السلوك عند الشيعة ما يلي ” عادة دينية على مر الزمن تتم عبر الضرب على الصدور للتعبير عن الحزن على خلفية واقعة الطف. وتترافق عادة مع ما يسمى باللطمية وهي أناشيد دينية حزينة تترافق مع أجواء عاشوراء. واللطمية هي شعيرة من شعائر الحسينية تمثل طريقة من طرق إحياء أمر أهل البيت ومراسم عاشوراء لدى كل الموالين لآل محمد على اختلاف ألوانهم وألسنتهم يعبرون من خلالها عن حزنهم وتألمهم لمصائب العترة لاسيما الحسين بن علي” .[3] ولنرى ايضا مفهوم الجنازة وهي التي يصورها نصنا هذا حيث تقول ذات الموسوعة عنها ما يلي ” الجنازة هي مراسم تقام لتشييع وفاة شخص .وغسل الميت وتكفينه وتطيبه بالعطر عادات جنائزية لا تختلف كثيرا في الديانة السماوية بشرائعها السماوية اليهودية وعليها اليهود والمسيحيون والشريعة الإسلامية وعليها المسلمين وتختلف الطقوس واشكال الصلاة على الميت واتجاه دفنه وهو ما يعلمه جيدا اتباع كل رسالة سماوية.
أما الديانات الوضعية وعند الحضارات فلكل عادات وتقاليد فالهندوسية يحرقون الميت وينثرون تراب الحريق بالبحيرة المقدسة والمصريين القدماء كانوا يجرون اجراءات تحنيط الميت ويدفنونه في اليوم الأربعين ويضعون يديه في وضع متقاطع على صدره في رقده أطلق عليها الوضع الأوزيري وسموا إله الموت أنوبيس ودفنوا موتاهم في البر الغربي من النيل وأطلقوا على الغرب بوابة العالم الأخر وأعظم مقابرهم ب وادي الملوك بالبر الغربي بالأقصر بمصر وكانوا يدفون الميت في لفائف بعد تحنيط الجثة وحفظ الأحشاء الداخلية في أربعة أواني عرفت ب الأواني الكانوبية ويوضع الميت في تابوت ومعه لفائف بردي عليها نصوص كتاب الموتى ويضعون معه ما يلزمه في العالم الآخر حسب عقيدتهم.
ولا زالت بعض العادات الجنائزية في ريف وصعيد مصر متأثرة بعادات فرعونية بالرغم من مرور آلاف السنين فلا زالت بعض الريفيات تخرج حاملة طعام للمقابر توزعه رحمة ونور على روح المرحوم لتذكرنا بالمصرية الفرعونية حاملة القرابين ولا زالت عادات مثل غسل ملابس الميت في اليوم الثالث للوفاة بالقرى القديمة بمصر ولا زال البعض يضع في القبر الجديد بعض الخبز والملح وقلة ماء وعادات كثيرة منشأها فرعوني ولا يدري غالبية من يفعلها لماذا يفعلها غير أن هذا ما وجد عليه أبائه السابقين ” (4) . نحن قدمنا هذه الصورة – لاعتقادنا على تقدير – ان هناك لا شعورا جمعيا وراء السلوك الانساني بتعبير يونج . نحن امام نص مأتمي او نصا يصف لنا شعيرة مأتميه تحدثت او وصفتها سافو شبيه بتلك الشعائر التي وقفنا عندها تنتمي الى خلفيات ثقافية مختلفة . والمأتم السافوي ، ان صح التعبير ، هو مأتم يتمحور على الهاجس الجنسي لان المشهد جمع من النساء او الفتيات يمارس شعيرة اللطم وتمزيق الجيوب على مقتل ادونيس الشاب الجميل والوسيم .

الهوامش :-
1- سافو ، الاعمال الشعرية ، ص 135 .
2- سافو ، نفس المصدر ، ص 136 .
3- الموسوعة الحرة (ويكابيديا) على الانترنيت ، مادة اللطم والندب .
4- المصدر السابق ، مادة الجنازة . كما قدم المحلل النفسي اللبناني رالف رزق الله مقاربة نفسية – انطلاقا من تصورات التحليل النفسي – لمقتل الامام الحسين في كتابة المعنون ” يوم الدم : مشهدية عاشوراء في جبل عامل : مقاربة نفسية واجتماعية لمقتل الامام الحسين ، والصادرة عن دار الطليعة 1997 وهي في الاصل اطروحة مقدمة الى جامعة باريس .

شاهد أيضاً

عن الشعر العربي الفصيح الذي قيل في مدح الانكليز
مهدي شاكر العبيدي
اوستن –تكساس

الشعر العربي الفصيح الذي ينسجه الشعراء في القطر العربي الشقيق السودان، يحتفظ قبلاً وبعداً، بسمات …

نبيل عودة: يوميات نصراوي: النقد الشخصاني ثرثرة بلا مضمون!!

حضرت قبل سنوات ندوة ثقافية عن النقد الأدبي المحلي، قال ناقد معروف انه يكتب عن …

شوقي كريم حسن: عبد علي اليوسفي… محاولة تشكيل اليومي!!

*قد يدفع الهدوء الذي يعيشه الصبي، وسط بيئة مزدحمة بالخوف والضجيج، الحكايات التي تتجدد بشخوص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *