هديّة حسين: الكتابة عن البحر

الكاتبة على شاطىء البحر
الكاتبة على شاطىء البحر

للبحر عالم آخر قد لا يدركه الكثيرون بالحساسية ذاتها التي يدركها الأدباء، بعضهم تناوله برومانسية عجيبة، أو كملمح جمالي يؤطر العمل، وآخرون جعلوه بطلاً لا يكتمل النص الا به ومن خلاله، إنهم عشاق البحر بامتياز، عاشوا بالقرب منه، انعجنوا بسحره وغموضه، تنفسوا رطوبته وانسكبوا قطرة في أمواجه الدافقة.
عالمياً يمكن أن نشير الى أبرز من كتبوا عن البحر، آرنست همنغواي في رائعته “الشيخ والبحر” وعربياً حنا مينا في جل أعماله ومنها ” الشراع والعاصفة” و “ثلاثية حكاية بحّار” وقد قال في أحد حواراته: إن البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى أن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب.
ومن الكتاب العرب الذين كتبوا عن البحر أيضاً عبد الرحمن منيف في روايته “حين تركنا الجسر” ومحمد زفزاف في رواية “الأفعى والبحر”
لم تُتح لي فرصة الكتابة عن البحر الا حينما شاءت الظروف أن أكون قريبة من ازرقه اللانهائي، هنا في كندا وقرب بحيرة أونتاريو، التي تعد أصغر من محيط وأكبر من بحر، وهي إحدى أكبر خمس بحيرات عظمى في العالم.
أكتشفت ذات يوم مكاناً هادئاً في زاوية ما من البحيرة التي تلتصق بالأفق في بعض جهاتها، وبقيت أتردد على المكان، أجلس في شريط الحديقة المقابل للمياه، وأتأمل الصخور الصلدة التي تجاور الماء الرقراق.
هناك عثرت على صخور صغيرة منقوشة عليها أسماء وتواريخ، كتخليد ومحبة يقوم به ذوو الموتى لأعزائهم، يضعونها قرب جذوع الأشجار ومصطبات الجالسين من رواد البحر.. يكتبون اسم المتوفي وسنتي ميلاده ووفاته، مع عبارات قليلة الكلمات من مثل “نحبك يا جون” و “أنتِ معنا يا ماري” و “لن ننساك يا فرانك” و “نحبك الى الأبد يا إليزابيث” و “مورياك يحبكِ يا هيلدا”
العبارة الأخيرة هي التي استوقفتني، فهي لم تأتِ بصيغة الجمع، إنما هناك رجل يحب امرأة ويخلدها بهذا التذكار، أمعنت النظر في تاريخ المولد والموت فإذا بها شابة في العشرين من العمر، وكانت الصخرة أقرب الى الماء منها الى اليابسة محاذية لجذع شجرة قيقب وقرب مصطبة خشبية وتحت سماء عريضة وواسعة، ومنها بدأتُ بكتابة رواية “صخرة هيلدا” بعدما وجدتني أتساءل كلما جلست قرب الصخرة: ترى من هي هيلدا ومن هو مورياك؟ فأخالهما عاشقين كانا يلتقيان هنا، وبدأت خيوط الرواية تنضج فكتبت معظم فصولها أمام بحيرة أونتاريو التي صارت جزءاً لا يتجزأ من الرواية، مازجة حكاية مورياك وهيلدا المتخيلة بحكاية نورهان المرأة العراقية الهاربة من الحرب بعد ذبح امها من قبل مجهولين، وهاربة أيضاً من عشق رجل لم يكن على مستوى الحب، امرأة لم تجد من تتحدث إليه فصارت تتحدث مع الصخرة وماء البحر، بكل الأرث الذي تحمله على أكتافها والخوف الذي يتغلغل في أعماقها حتى وهي في بلد آمن مثل كندا.
يكشف البحر بعض أسراره في النهارات، أما في المساءات فله أسرار أخرى أكثر عمقاً وتأثيراً، حيث يبدأ بعد مغيب الشمس حتى يلف الشاطىء ظلام صامت الا من صوت الأمواج وهو يضرب الشاطىء والصخور، صوت الأمواج في الليالي يأخذ منحاً مختلفاً عنه في النهارات، كأنه قادم من أزمنة بعيدة غارقة في القِدم..تندفع الموجات بقوة كما لو أنها هاربة هي الأخرى من أشياء ربما هي كائنات ليلية غامضة لا نعرف كنهها، ورائحة البحر هي الأخرى مختلفة، تندغم بروائح الأشجار الكثيفة والنباتات المتنوعة، وحينما تجلس في الليل وتسمع موسيقى البحر تنفتح مسالك حواسك وتتيقظ، وتنطلق المخيلة لاكتشاف ما لا يُرى في ساعات النهار، بل تكتشف ذاتك الحقيقية أمام هذا الاتساع الرباني بكل غموضه وسحره.
كلما كنت قريبة من بحيرة أونتاريو تذكرت نهر دجلة، ففي طفولتي كان لنا بيت مقابل هذا النهر الخالد، وكنت أتسلل في أول المساء، أجلس على المسناية وأتخيل الكائنات الغريبة التي كنت أسمع عنها في حكايات الجدات، ذاك النهر الذي لم يغادرني أينما حللت في هذا العالم الشاسع، كل قطرة فيه تعادل موجة من موجات بحيرة أونتاريو وبحار العالم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *