يوسف العاني: حين لا أتمكن من قول الحقيقة في نص مسرحي فلن اكتبه (ملف/6)

yuosef-alani-9-2حاوره : علي عبد الامير
دخل الفنان يوسف العاني العقد السابع من عمره والخامس من سيرة فنية توزعت على المسرح والسينما والاذاعة والتلفزيون والصحافة أيضاَ، كتب في عام 1944 أول مسرحية له ومثلها وأخرجها، تخرج في كلية الحقوق عام 1950. درس في معهد الفنون الجميلة ( فرع التمثيل ) لمدة أربع سنوات، وكان الاول في كل الدورات وفصل في السنة الاخيرة ( عام 1953 ) لمواقفه الوطنية. ساهم بتأسيس “فرقة المسرح الفني الحديث” مع الفنان الراحل ابراهيم جلال وعدد من المثقفين الشباب عام 1952 . كتب ( 43 ) مسرحية من فصل واحد وأعدّ ( 25 ) مسرحية مثّل اغلبها بطريقة اظهرته شخصية مسرحية عراقية تقدمت الصفوف بما تستحق .
يوسف العاني في هذا الحوار يبوح لـ”الشرق الاوسط” عن جانبه “المسرحي” ومواقفه من قضايا شتى :
* اذا ذكر التحديث في المسرح العراقي، يذكر أسم “فرقة المسرح الفني الحديث” بل هو للانصاف يبدو قريناَ بأسم الفنان يوسف العاني، في هذه السيرة التي بدأت جادة، ولكنها توارت الان، مالذي يقول عنها الفنان يوسف العاني ؟
– نعم كانت سيرة جادة، ورؤيتك لها دقيقة، ولكن للامانة أقول لم يكن التحديث مقترناَ بأسمي فقط ، بل بأسم اعضاء ( فرقة المسرح الفني الحديث ) ، أما ما برزت انا شخصياَ فيه فهو: التحديث في كتابة النص المسرحي . فكتبت مسرحيات أختلفت فعلاَ عن السياقات السائدة في مسرح تلك الفترة وهو ما بدأ فعلاَ في مسرحية ” راس الشليلة” في عام 1950 . وقبل هذه الفترة كان التهيؤ قد بدأ لتأسيس فرقة المسرح الفني الحديث واثناء الدراسة في معهد الفنون الجميلة، خالفنا ( انا وسامي عبد الحميد وبدري حسون فريد ) بمعاونة الفنان المرحوم ابراهيم جلال الذي كان يرأس فرع المسرح في المعهد، الاتجاه التقليدي في العروض المسرحية. واخترقنا لاحقاَ الجدران التي تحول بين المسرح وبين الجماهير الواسعة المتعطشة لفن أصيل وفيه قراءة جديدة للفكر والواقع .
هذه الخطوة ولجذريتها كانت مثار إمتعاض السلطة انذاك، وبعد ان أبعد ابراهيم جلال عن معهد الفنون الجميلة ومنعت عدة مسرحيات كتبتها بدأنا التفكير بتكوين فرقة مسرحية، وهكذا تأسست عام 1952. وبدأت بتحويل المفهوم السائد عن المسرح في العراق، الى آخر مغاير، له علاقة بمفهوم سليم عنه، مرتبط بالناس أولاَ وعامل مثبت لاسس الفن المسرحي وكما عرفنا نماذجه الرفيعة اثناء الدراسة ، ثانياَ . واذا ارتبط التحديث في الفرقة – كما قلت – بأسمي، فهو يعود الى كونني المحرك لهذه الفرقة، بسبب تفرغي لها، فلم اكن موظفاَ ولم اكن مرتبطا بعمل غير ممارستي للمحاماة، وهذا أمدتني بعلاقة خصبة مع حالات انسانية، هذا الانهماك منح الناس اقناعاَ بأن يوسف العاني هو الاساس في الفرقة، ولكن الحقيقة ان الفرقة كانت تضم عناصر موهوبة وكفوءة، يكفي انها الان تركت بصمات رائدة في المسرح العراقي والعربي .yuosef-alani-4
                                                   يوسف العاني: من المحاماة الى العمل المسرحي

وهذه المجموعة من العاملين في المسرح كانت تضع امامها عاملين، الاول هو الارتباط بالناس وعياَ وتعبيرا،َ والثاني قراءة العمل المسرحي التي هي بصدد تقديمه لما كانت تعيشه البلاد من ظروف اجتماعية وسياسية، لا بطريقة النقل المباشر والتعبير الفج، بل بالصياغة الفنية المتقدمة . من هنا لابد من الاشارة الى ان المسرح العراقي بدأ سياسياَ، ولم يسيس كما جرى ذلك للعديد من المسارح العربية، بل ان المسرح العراقي ذاته بدأ بعد ثورة العشرين التي بدأتها المدن العراقية ضد الاحتلال الانكليزي .

يوسف العاني والفنان الراحل عبد الجبار عباس في مسرحية النخلة والجيران
يوسف العاني والفنان الراحل عبد الجبار عباس في مسرحية النخلة والجيران

                       العاني في مشهد من مسرحية “النخلة والجيران” والى جانبه الراحل عبد الجبار عباس

والملاحظ ان المسرح العراقي بدأ مثقفاَ أيضاَ، ولم يظهر على يد “المحترفين” في المسرح. فكانت هناك بدايات مسرحية جادة عند جمعيات ومنتديات ثقافية، كذلك في الحاضنة الاولى للثقافة العراقية الجديدة: “دار المعلمين العالية” التي انجبت للثقافة العراقية وللادب بشكل خاص غالبية رموزه المتقدمة، وكنا نحن، صدى لتلك البدايات، طوّرنا لاحقاَ اسئلتها وانشغالاتها الفنية والاجتماعية والفكرية ضمن نظرة جديدة للمسرح. ورغم انحسار نشاط الفرقة الان، الا انها ظلت مخلصة لفكرة التحديث المسرحي، وحمل شعلة المسرح العراقي الوضاءة التي أجدها تتعرض لريح شديدة تعصف بها، ولكنها مع ذلك ( تضيء ) من حولها .
* تكاد “فرقة المسرح الفني الحديث” تختصر في نشاطها وانحساره، حال الثقافة العراقية، فهي ناشطة مع نشاط ثقافي دائب يرتبط بأنفراج سياسي واجتماعي، وهي على العكس اثناء فترة التدهور السياسية والاجتماعية، وهو ما تحمله فترة ما بعد الحرب ولاحقاَ الحصار. الا تعتقد انه من الطبيعي الان ان تنحسر الفرقة طالما انحسرت الحياة الثقافية الرصينة في العراق ؟
– أنا اكتب وأؤرخ في جريدة عراقية للفرقة وللمسرح العراقي، ووجدت ان الفرقة قامت بما لم يقم به أحد، ووجدت اننا في الفرقة “ناضلنا” بشكل حقيقي ورغم الظروف الصعبة كنا نعمل. ثمة هدف كنا نصبوا اليه، الا وهو التعبير فنياَ عن المراحل الاجتماعية والسياسية التي يعيشها العراقيون دونما الانقطاع عن الارتباط بما هو عربي وانساني، وعلى ما اعتقد استطعنا ان ننجز في هذا الصدد الكثير .

يوسف العني وخليل شوقي وزينب
يوسف العني وخليل شوقي وزينب

                            العاني، خليل شوقي والراحلة زينب: من اعمدة فرقة المسرح الفني الحديث

الان ما يجري في الساحة، مؤسف وتحديداَ في منتصف الثمانينات إذ حدث ما يمكن وصفه كلمة حق أريد بها باطل . فظرف الحرب، ظرف صعب وان الناس متعبة، ومن اجل ان يخترقوا المسرحي الحقيقي ( … ) جاءوا بان الناس بحاجة للضحك وهذا صحيح، غير ان استغلالاَ سيئاَ لتلك الفكرة هو الذي ساد وبدأ التراجع في المسرح فقدموا ( … ) للناس المتعبة من الحرب وتأثيراتها، المسرحيات الهازلة والمنحدرة بحيث صار التهريج هو العلامة المميزة لهذا المسرح واستمر حتى يومنا هذا. فالتراجع هو الغالب عل مسارح العراق، وهذه أصبحت قريبة من الملاهي الليلية إن لم تكن كذلك، ولان الملاهي ممنوعة الان في العراق، فقد آثر البعض ان يحول المسرح الى ملهى ونقل تقاليد “الفرفشة الليلية” الى مكان ما زلنا نحن العاملين في المسرح ننظر اليه بشيء من “القدسية” !
* إذن في هذا الوضع كان من الطبيعي ان تنسحب “فرقة المسرح الفني الحديث” ؟
– نعم لا مكان للفرقة، لا موضع لنا بين مسارح صارت “الغجريات” نجماتها البارعات، وتوقفت الفرقة لعدم قدرتنا مجاراة هذا المستوى من العمل “المسرحي” لا بالامكانات المادية ولا بالخط الفكري. وتوقفت ايضاَ علامات في المسرح العراقي : “فرقة المسرح الشعبي”، “فرقة مسرح اليوم”، وانجرّت للاسف، “الفرقة القومية”، انجراراَ قصدياَ او لا قصدي – لا ادري – الى هذا النوع من المسرح !
* هل ستظل الفرقة مقيدة ؟ هل سيظل مسرحها “مسرح بغداد” يشحذ حياته بين عرض وآخر لفرق من المسرح الهابط، إذ تؤجره لتقديم “مباهج” الملاهي الليلية ؟
– أقولها صراحة وصدقاَ لم ولن تقبل الفرقة على نفسها، وعلى المسرح العراقي في أن تكون مقيدة القيد الكامل، ورغم ظروفنا، لابد من مراجعة، ولابد من قراءة نقدية لسيرتنا وحال الجمهور الان، وقد نخرج بعروض جديدة تظل مخلصة لسنوات طويلة من التعب والجهد والأمل، وفي نفس الوقت قد يدخل الضحك تلك العروض ولكنه الضحك المقصود، لاداء مهمة في العرض لا بوصفه ضحكاَ على المشاعر الانسانية والمعاني الطيبة وسخرية من مواصفات كانت الناس تموت من اجلها .
* تأخذنا هذه الحال الى فكرة تأصيل المسرح واشكال العرض الحديثة فيه. ففي عروض “فرقة المسرح الفني الحديث” برزت قضية تأصيل المسرح بملامح عراقية ، هل تتوقع ان وعي اعضاء الفرقة، الفكري والثقافي كان حاضراَ في حسم هذه القضية ؟
– ان تأصيل المسرح قضية عويصة وطويلة. ولكنني ارى ان التأصيل يبدأ بالنص أولاَ، فهو الذي يعكس الشكل المطلوب لهذا التأصيل. فالذي قام به الطيب الصديقي كان خطوة مهمة بأتجاه التأصيل ولكنها لم تمضي باتجاهات آخرى، وفي فرقتنا استوحينا عبر نص كتبته انا ” المفتاح” عوالم الحكاية الشعبية العراقية، واستطعنا عبر تفعيل عناصرها الانسانية والحميمة عربياَ ان نعرضها في جولات مسرحية أخذتها الى العديد من العواصم العربية. هذه الاشكال من تناول الملامح الشعبية في عروض مسرحية متقدمة فنياَ وجدت في اعمال لسامي عبد الحميد وقاسم محمد وقبلهما ابراهيم جلال، حيث تقدمت المشاعر والاهتمامات المصاغة بلمحة عراقية في عروض مصاغة حسب معالجات أخراجية ونصية متقدمة ، أبعدت “الشعبي” و”الموروث” عن شكله ومادته الخام وادخلته في عناصر المسرح المعاصر حقاَ . ففي واحدة من المسرحيات “طال حزني وسروري في مقامات الحريري” التي كتبها واخرجها قاسم محمد، تشعر انك في مسرح غير اعتيادي وتقليدي وانما كسر لكل التقليد في المسرح، وأوجدنا صيغة “بريشتية” دون الاتكاء على برشت بل نبعت من العرض ذاته. كذلك الحال في مسرحية “الشريعة” التي كتبتها انا، ومسرحية “الخان ” المكان الذي كنت اعني فيه العراق.

يوسف العاني والراحل الكبير قاسم محمد
يوسف العاني والراحل الكبير قاسم محمد

                             العاني والراحل قاسم محمد في واحد من عروض المسرح العراقي ايام مجده

هكذا قاربنا تاريخ العراق اجتماعياَ وانسانياَ في المسرح، وكنا نريد القول وبجرأة اكبر عن قضايا كثيرة دون نسيان الهاجس الفني المتقدم، ودائماَ بهاجس عراقي كما في “خيط البريسم” التي كانت تتناول حكايات الحائكين، مهنة الصبر والألم والانتاج الجميل أيضاَ، ومقاربة الحقيقة على امتداد كل هذه العروض وكما قلت بملامح عراقية، لابد ان اعترف هنا وأقول، انها لم تكن لتنجز بالطريقة التي ظهرت بها لولا جهود الفنان الراحل كاظم حيدر، الذي اعطى بديكوراته لمسرحياتنا، نكهة وحميمية عراقية ليس من السهل نسيانها ومعها كان المشاهد يحس تماماَ انه أزاء عرض عراقي تماماَ .
* قلت انك وعبر نصوصك المسرحية قاربت تاريخ العراق ولفترات طويلة، هل انك قادر على كتابة تاريخ العراق في فترة الحرب والحصار وبعيداَ عن التوصيفات الرسمية وقريباَ من هاجس “عراقيتك” الذي كتبت على ضوئه فترات سابقة ؟
– يمكن ذلك ، واذا لم اتمكن من قول الحقيقة فأنني لن اكتب فصلاَ واحداَ.
* جيلكم بدا منشغلاَ بفكرة المثقف العضوي ورسالته، واعرف انك على علاقة جيدة بالاجيال التي جاءت بعدك الى المسرح في العراق، هل تجد ان الرسالة “رسالة المثقف العضوي والحالم بالتغيير” خافتة عند مسرحيي العراق اليوم ؟
– انا متهم ( وهذه اشرف تهمة ) بأنني منحاز الى الشباب، لانني اجد نفسي فيهم حين كنت شاباَ، ثم ان لا قيمة لرسالة لا يظهر جيل يتلقاها بشكل جيد وينقلها بموضوعية وابداع الى الجيل الذي يليه ان كانت رسالة حقيقية وصادقة . لهذا السبب انا أجد نفسي قريباَ الى معترك ايصال تاريخ المسرح العراقي الى الجيل الجديد، فهم يستغربون احياناَ اننا قدمنا منذ اكثر من ربع قرن مسرحية “بيت بيرناردا ألبا” بصيغة متقدمة، لم أجد شبيهة لها. خذ مثلاَ “ستوديو الممثل” فنحن بدأناه منذ السبعينات، بينما اعتبره المسرحيون الشبان فتحاَ جديداَ في وسائل اعداد الممثل، كذلك عملنا على مسارح بعيدة عن الوطن العربي، كما في “مسرح اوزفالدو دراكون” من اميركا اللاتينية، حيث كان لفرقتنا قصب السبق في تقديمه، واستطعنا ان ننبت ذوقاَ فنياَ حقيقياَ للمسرح، لكنه اوشك على ان يذوب مع العروض السطحية السائدة اليوم عراقياَ وعربياَ وعبر شاشات التلفزيون التي تعرض المسرحيات المصرية المنحدرة دون الانتباه للاثر الذي تحدثه مثل هذه العروض. وهكذا يبدو ان الرسالة مطروحة الان، قلة هم من أخذوا منها ما يشعل الجذوة عندهم لمواصلة الرحلة الشيقة والشائكة في آن .
* في المسرح العراقي اليوم والى جانب ما اسميته عروض ( الملهى الليلي ) هناك عروض مغرقة في تجريبتيها وشكلانيتها، الا تجدها مصادفة غريبة في ان نشاطين مسرحيين يتناقضان في شكل العرض يلتقيان في النتيجة: ابعاد الجمهور عن وعي لحظته الراهنة بكل ما فيها ؟
– ان الاشكال الغريبة والتي تكاد مغلقة على كل معطى انساني يتوقعه المشاهد في العرض المسرحي مطلوبة ولكن ليس على خشبات المسرح الجماهيري، بل مسرح اكاديمية الفنون التي تدرس فن المسرح لطلبتها، ولكن ما نحن بصدده في لجنة شكلت حديثاَ هي “لجنة المسرح العراقي” هو ان يوفق المسرحي العراقي بين ما شاع وصار هو الراجح شكلاَ، وبين قضايا ينسجها نص مؤثر يحض على موقف واع في تقديم مسرحيات تجذب وتكسب الناس .
ان يافطات المسرحية الجادة ليست مبرراَ لكل هذه العوالم المغلقة على ذاتها، ولكل هذه الاشارات التي تبدو غير مفهومة، وإن تعكزت على نصوص عالمية وعربية ومحلية، والمسرح الجاد ليس نقيضاَ للضحك بل انني ارى فن “الضحك الحلال” كما أسميه، فناَ صعباَ، وانتزاع ضحكة من انسان متعب ومكبل بقضايا حياتية توجع انسانيته وتثقلها بالحزن، هو أصعب بكثير من تقديم فن مسرحي مغلق على ذاته على اعتبار انه المسرح الجاد. للاسف ساهمت تجارب كهذه في ابعاد الجمهور عن المسرح لينصب في الاتجاه الآخر: المسرح الهابط ، فخاَ للهارب من طلاسم مسرح يمعن في غموضه !

*نشر الحوار في صحيفة “الشرق الاوسط” العام 1999

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| رنا يتيم : إشكاليّة المثقّف والحداثة .

بطيئة كانت عجلة التاريخ فيما يتّصل بالابتكارات، والتحديثات. ثم كانت الثورة الصناعية، بمآزره فكريّة فلسفيّة، …

| حسن العاصي : قياس جديد لمواقف الأوروبيين تجاه الهجرة واندماج المهاجرين .

أصبحت الهجرة جزءًا من حقيقة الحياة اليومية للأوروبيين في دول الاتحاد الأوروبي. يوجد اليوم ما يقرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *