د. لقاء موسى الساعدي: رسائل الدكتور علي جواد الطاهر الى زوجته (ملف/1)

leka-alsadiإشارة :
من المؤسف أن تمر الذكرى السنوية لرحيل شيخ النقاد الدكتور “علي جواد الطاهر” من دون الإحتفاء بمنجزه النقدي العلمي وتراثه البحثي وهو “الطاهر” تربويا وعلميا. ويسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح وللمرة الثانية بعد ملف الراحلة د. حياة شرارة هذا الملف عن الراحل الكبير بمقالة مهمة للدكتورة “لقاء موسى الساعدي” عن صور ورسائل نادرة متبادلة بين الطاهر وزوجته لتكون مسك البداية.. فشكرا لها.

المقالة : 
الدراسات حول ادب الرسائل قليلة جدا، وربما يعود ذلك لندرة ادب الرسائل في الثقافة العربية ايضا، ربما لان الرسائل شأن شخصي ولا يجدر الكشف عنها للعموم، وتلك حجة جديرة بالاعتبار، لكن يظل الرأي الحسم في تقديمها لجمهور القراء يخضع لطبيعة تلك الرسائل نفسها ومحتواها، وفي كثير من الاحيان تكون رسائل الادباء والكتاب ذات مضمون عاطفي وفكري مرتبط بالمرحلة السياسية والاجتماعية التي كتبت فيها، وقد عرف الادب العربي مايعرف ب(رسائل الاشواق) وهي مادارت بين الاصدقاء والمحبين والاقارب حين تفرق بينهم الغربة ، واشهر من كتب في هذا الصد العلامة المصري أحمد الهاشمي المولود سنة(1878) في كتابه (جواهر الادب في أدبيات وانشاء لغة العرب) فقد وضع لرسائل الاشواق قسما خاصا وتفريعات متعددة. وقد عرف الادب العربي الحديث رسائل محبين مثل رسائل غسان كنفاني لغادة السمان ورسائل جبران خليل جبران لمي زيادة، لكني لم اقع كثيرا على رسائل الادباء لزوجاتهم، بينما يتصدر ادب الرسائل العالمي رسائل دستوفسكي لزوجته ورسائل تولستوي لزوجته ونماذج اخرى لم تحض بالشهرة والاهمية ذاتها. لذا تمتلك الرسائل اهمية الوثيقة في الثقافة المعاصرة والشهادة على العصر الذي كتبت فيه، وتزيد اهميتها بعدها نصا ادبيا حين تصدر من كاتب مثل علي جواد الطاهر، فالطاهر الذي عرف ناقدا للادب العربي وكاشفا لجواهر الابداع فه شعرا ونثر، ومبشرا بابداعات الكتاب، يمتلك ناصية اللغة والتجويد فيها فترى روح الاديب تتسرب الى اي جنس يكتب فيه، فقد احال المقالة يوما الى متعة قراءة خالصة ، وتأمل في فن كتابة القصة فجعل القارئ المبتدئ يقبل على قراءتها قبل المتخصص، هذه الروح الدفيئة واللغة المنفتحة على العصر والاخذة من التراث احلاه واجمله هي ذاتها تسربت في رسائله الى زوجته في وقت فراقهما . لذلك وجدت ان من المنصف ان يضاف للادب العربي الحديث نماذجاً من رسائل الدكتور الطاهر لزوجته وهي اضافة ليست بالقلية على حد علمي حتى الان.ali jawad altaher 2  jpg
بين يدي مجموعة كبيرة من الرسائل هي من محفوظات السيدة فائقة حميد كاشي زوجة المرحوم الطاهر تبادلوها في مراحل زمنية متفرقة .وفي كل فراق كان هناك سببا يختلف عن فراق الازواج في كل الدنيا لانه غالبا قسريا وسياسيا ينتزع المرء من بيته انتزاع القلب من الجسد ليتركه عاريا من محبيه وامكنته الاليفة التي وطن نفسه ليكون فيها وتكون فيه.
ولكثرة هذه الرسائل اثرت ان اتحدث في هذا المقال عن الرسائل التي بعث بها الطاهر الى زوجته اثر اضطراره مغادرة العراق الى بيروت بحثا عن عمل، سنة 1963م، وهي السنه التي تسلط فيها حزب البعث على رقاب العراقيين في انقلاب شباط الاسود وبدأت همجية القوم بالانقضاض على الجامعات وقياداتها وخيرة اساتذتها فتم الغاء تعين 40 استاذا من بينهم الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور مهدي المخزومي الذي كان ان ذاك عميد كلية الاداب في جامعة بغداد وقد سجن المخزومي في وقتها دون سبب، والدكتور شاكر خصباك الذي سجن ايضا وكتب لاحقا رواية عن السجن والنظام البعثي وكيف كان يعامل الناس في السجون .وجل الاساتذه المستبعدين من ذوي الاتجاهات التقدمية والغير محسوبين على التيار القومي والبعثي في تلك الحقبة الحالكة من تاريخنا والتي جرت مصائب الدنيا علينا حين فتحت باب الجهل والتجهيل والقتل والتقتيل، واعلت صوت الاسلحة واشاعة العنف على ارض العراق ، فضيعت الحاضر والماضي بأيادٍ لاترَ للدم حرمة ولا تقيم للانسانية وزنا ً.ولان اصحابه قد اقتيدوا الى السجن فقد كان خروجه الى بيروت سريعا ومفاجئاً ولم تترتب شؤون البيت بعد لكن أمر الاعتقال وارد لذلك كان القرار سريعا وموجعاً..للجميع للزوج الذي يمضي تاركا زوجته بلا مال مع ولدين صغار وذاهب يواحه مجهولا ويبحث عن عمل قد يجده ويليق به وقد لايجده ويتعثر في بحثه عنه. الزوجة ايضا التي نالت نصيبها من وحشية القوم وبلائهم فقد تم نقلها من المدرسة التي كانت تعمل فيها مدرسة في الاعظمية (راغبة خاتون) حيث بيتها وبيت اهلها، الى مدرسة في منطقة الكرادة، ومن الطبيعي ان تضطرب احوالها واحوال صغارها مع هذا التغيير وأفتقاد الزوج الذي اضحى غائبا وبلا عمل.altaher-2
تتسم هذه الرسائل بالتنظيم الشديد ففي كل رسالة تاريخ كتابتها باليوم والشهر والسنة ومكان كتابتها الاكبر وهي المدينة والمكان الاصغر وقد يكون مقهى او مطعما او بانسيونا ينزل فيه الطاهر او بيت صديق. بناؤها يكون كالقصة يبدؤها الطاهر بالسلام على زوجته وولديه ويتحدث عن يومياته في لبنان ليعود ويستذكراحداثا جمعتهم في اماكن كانوا قد زاروها معا او اصدقاءً يلتقي بهم ويسألون عن السيدة ام رائد واخبارها، ويستطرد في قص احداث مر بها او سمع عنها. وقد تتضمن احيانا تفاصيل يومية يدرك الطاهر ان السيدة ام رائد مولعة بها مثل اسعار الاطعمة والملبوسات وحقائب السفر وماركاتها فيكتب لها عن هذه الامور طالباً رأيها فيما يقتنيه .
تختلط التفاصيل اليومية في هذه الرسائل مع تأملات في الحياة ومعنى الابوة والعلاقة بين الزوج وزوجته، فيجود الطاهر بوقفات مطولة حين يعتمل في صدره الم فراق السيدة ام رائد ويعتذر لها عن عجزه ويقدم بين يديها شوقه لها وللاولاد.
يقف كثيرا في هذه الرسائل عند معنى الحب ويحاول ان يفسر تعلقه بزوجته رغم انه لم يعرفها الا قبل الزواج بمدة محدودة , لكن جلال العلاقة بينهما يبهره ويدفعه في اكثر من رسالة لتحليل سر هذا الحب والتعلق الكبير يقول: (( أجل زوجتي واحبها، وهي جديرة اية جدارة بذلك، وهل شرط في الحب عواطف المراهقين، وهل شرط ان تحبها قبل ان تتزوجها، لا،فاني لم أر زوجتي الا مرة واحدة قبل الخطبة، ولكنها كالمسك تضوع رائحته كلما فركته، انها تزداد مكانة وسمواً كلما ااشتدت عليها الظروف، ولطالما قلت لها بعد ان قلت لنفسي، انها الزوجة التي لا يمكن ان تصلح لي سواها، ولا ادري كيف كان يكون مصيري لو لم أوفق الى فائقة! لقد اكتشفت عبقريتها الزوجية مبكرا، وكلما لازمتها ولازمتني أزددنا قرابة، ولم نستطع التفارق، وفي الرجال- وما أكثرهم- من يرى السعادة في التخلص من الزوجته، والسرور في الهرب منها، وقد يكون السبب في بعض هذه الحالات في النساء أنفسهن، ولكن الحال على أي حال مؤلمة وتستحيل مأساة.
لقد كان وقع الوداع شديداً، ووقع الفراق مراً…)).altaher-3
وقع الفراق المر يتكرر في رسائله فلا تكاد رسالة تخلو من الاشارة الى لحظة فراقهما، حتى انه يجترح مصطلحا عاطفيا (السغب العاطفي) يحاول ان يشرحه لها في رسالة اخرى فيقول:((وانا وانت ننشد السلوى والصبر، وتخفيف الم الفراق، وتقليل عوامل السغب- ولا ادري لم حضرتني كلمة السغب بالذات. انها لغويا وبلاغيا في غير مكانها، ولكنها فرضت نفسها، ولعلها أفصح مافي اللغة وابلغ من البلاغة- اي نعم. السغب العاطفي، السغب الى القرين الصالح، الحبيب..أه الحبيب الطاهر. لقد مضى على ذلك روح من الزمن، ولا ادري كم هو طويل دون شك. ولكنه قصير ايضا لاننا في الحقيقة لم نفترق حتى أحس بطول الامد. وهاأنت ذي حاضرة، وهاأناذا حاضر معك. في الاعظمية ، وفي البيت المرقم 9/2/28 ، وحيث الجدة تعد الغداء، وأنت تلاحقين رائد: أسكت، لاتعبث، والا ان بابا لايحبك… وتدور الافكار…اثني عشر يوما مر على ذلك، والمنظر ماثل امامي، وانا ماثل امامكم، ولا يكاد يختلف مايخالجني اليوم عما خالجني امس، شعور بفقد، وشعور بضعف شديد، اقرب الى الاستكانة والخسران منه الى شئ اخر، ما قيمة من يقصر عمايريد، ما أضيع من يضام على براءة واخلاص)).
كما لاتخلو رسالة كتبها الطاهر من اشارة الى انه لا يستطيع ان يتخلى عن مبادئه التي خذلها كره الناس وكيدهم، لكنه يعتمد على ذكاء الزوجة وتقيرها للامور(( أمن أجل هذا جهدنا واجتهدنا، أمن اجل هذا عملنا على ان نخدم البلد باخلاص والفكر بحماسة والادب بمحبة، أهذا جزاء من لم يرد الا الحق ولم يبغ من وراء أتعابه جاها او منصبا او مالا..لقد كنت استطيع ان احقق المنصب والمال على غير هذا الطريق، ان طريقي المتعبة التي اخترتها تنسجم مع مزاجي ليست الطريق المؤدية الى عرض الدنيا. وكانت فائقة تلحظ ذلك، وتنبهني اليه، فهي امراة كاي امرأة، ولم لا. بل ان تعبي هذا كان ينعطف عليها، ولطالما قصرت في شؤون البيت من اجل الاخرين. ولكنه الحقد، الحقد الذي تنطوي عليه نفوس زمرة تدعي العلم والثقافة والادب وحتى الوطنية، هو الذي فعل مافعل حقد اسود لغير سبب، كره عميق لغير داع، وهكذا انقلبت المقايس فيصبح الابيض اسود، والعلم جهلاً، والفضيلة رذيلة، بين عشية وضحاها، وعلى مرأى من الحقيقة ومسمع. كل الناس يعرفون الحقيقة، لكن ليس فيهم من يجرؤ على الدفاع عنها، وان جرؤء فهمساً، ونرجو ان يتراكم الهمس فيصير صراخاً. وسيكون. ولكن الشدة بساعتها والا فليس من المعقول ان تدوم الشدة وان يخلد الباطل)).altaher-4
ولان السيدة ام رائد كانت معينه الاول في انصرافه للبحث والكتابة فكثيرا ما كان يطلب منها في رسائله كتابا او مرجعا ويدلها على مكانه في مكتبة البيت ، وبلغ من حرصها على تنظيم شؤون المكتبة انها درست علم المكتبات وحصلت على دبلوم مكتبات كي تتمكن من ترتيب الكتب وتنظيم الاستعارة وتسهيل شؤون الوصول اليها.
لم يخب مسعى الكتور الطاهر في البحث عن عمل أثناء اقامته في بيروت، فقد عثر بالصدفة على اعلان عن الحاجة لمدرسين واساتذة جامعة في جريدة الحياة ، وضعتها بعثة وزارة المعارف السعودية، فذهب وقابل ونال حضوة من الاساتذة الذين حضروا المقابلة ، حتى طلبوا منه ان يرشح اسماءً عراقية اخرى بمثل مستواه العلمي ، وهكذا كان فرشح الدكتور المخزومي والدكتور شاكر خصباك. وانتقلت العائلة الى الرياض حيث عمل استاذا جامعيا في جامعة الرياض، كما عملت أم رائد مدرسة في اعدادية للبنات وحين لمسوا اخلاصها وحسن تنظيمها صارت مديرة لهذه المدرسة، واجتمع شمل العائلة التي فرقها الغدر والجشع الذي صار فاتحة صفحة الظلم التي لم تغلق حتى الان.

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: لوثر ايشو ..والتفرد الفني (ملف/14)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

لوثر ايشو مازال نابضا بالحياة رغم رحيله
مقالة في جريدة موصلية
عنكاوا كوم –الموصل -سامر الياس سعيد (ملف/13)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

مقداد مسعود: “حميد الربيعي” من الهدوء .. إلى الورد (ملف/3)

حين علمت ُ برحيلك، وقفتُ حاملاً أعمالك الأدبية دقائق حداد … ثم شعرتُ بحفيف ينافس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *