حسين سرمك حسن: من أدب المنافي: كوجيتو المنفى “أنا أتذكر، إذن أنا موجود”

تحليل قصة “”رسائل ميتة إلى الفردوس المفقود ” للمبدع العراقي ( علي عبد العال )

” الرحيل يعني قليلا من الموت ” – مثل قديم –

في قصة”رسائل ميتة إلى الفردوس المفقود”يعالج القاص والروائي العراقي (علي عبد العال) موضوعة متفردة من الموضوعات التي تعصف بوجود المنفي السياسي الذي تصور أنه قد فر ناجيا بذاته من جحيم ملاحقة السلطة القمعية الباطشة . تتمثل هذه الموضوعة الكارثية بالكيفية التي تتحول فيها محاولة أهل المنفي البريئة التخلص من ضغوطالأجهزة الأمنية والمخابراتية في البلد الأصل وتحقيقاتها حول مصير ابنهم السياسي المطارد وذلك من خلال الإدعاء أنه مات !! . هذا ما يعبر عنه القاص بصورة مؤثرة في استهلال القصة حيث يخاطب الأهل ابنهم المنفي في الرسالة النهائية لهم والتي يحذرونه فيها من الإتصال بهم قائلين :
“لا تكتب شيئا،الرسائل خطرة.لأنك إنسان (ميت) بالنسبة للآخرين . حتى نحن نكاد نصدق هذه الخرافة من كثرة ما رددناها أمام الأجهزة السرية بمختلف أنواعها .قلنا لهم أنك فُقدت، والأرجح أنك مت.وأقمنا لك العزاء.كان ذلك هو الأسلم لنا ولك . وبعد مرور كل هذه السنين الطويلة على غيابك اقتنعوا أخيرا بزعمنا حول فقدانك وربما موتك ” .
من هنا يتحول المنفي / الراوي إلى حالة مزدوجة لميت حي مؤجل في تعامله مع أهله في وطنه الأصل .. هو يعرف أنه حي فعليا لكن عليه أن يتصرف كميت في كل ما يتعلق بالرحم الأمومي الذي خلع منه وألقي بعده في أحضان باردة لأم دخيلة يبدو من الصعب جدا عليه ، إن لم يكن مستحيلا التصالح مع رحمها .وكميّت عليه أن يغسل ذاكرته تماما ويكفّ عن السؤال عن الشوارع والأشجار التي كان يعرفها كما أخبره أهله في رسالتهم.وأهله،عدا أمه،يعرفون أنه حي لكن عليهم أن يروضوا أنفسهم على نسيانه والتعامل معه كميّت . لكن للأم مأزقها المركب الذي ينعكس على وجود ابنها بكامله في منفاه . فلأنها لا تكذب فإنها ستعتقد أن ما يقوله الآخرون صحيح وأن ابنها مات فعلا.ابنها المنفي الذي يشعر بالمسؤولية تجاهها وأن عليه أن يشعرها بأنه حي يرزق: ” إنها لم تلدني كي ترميني في غياهب المجهول ؛ ولا هي أهدتني طواعية للمنفى أو لشوارع المدن الغريبة . الأمهات لا يفعلن ذلك بأبنائهن مهما كبروا ومهما أصبحوا مغامرين ذوي قلوب قاسية تشبه سيور نعال قديم” . ويكشف التشبيه الوحشي الأخير؛قسوة القلب =صلابة سير النعال ، القدر الهائل من الاحتقان الداخلي المدمّر الذي يغلي في أعماق الراوي بفعل مأزقه المتضاد – أن يحيا ميتا أو يموت حيا – الذي يؤجج بعضه بعضا .وفي نتاجات علي القصصية والروائية ستجد الكثير من هذه التشبيهات الناقمة التي يصعّد وقعها النفسي المشبه به الذي يحمل عادة صيغة يومية هامشية تستمد بلاغتها من رسوخها الحاد في الوجدان ومن الموضع المؤثر الذي يختاره لها القاص. إن هذا التشبيه يعبر عن نفاد صبر موجع ينفض فيه الراوي يديه من تراب البلاغة ” الرسمية ” للغة الشعرية المتعالية التي لم تعد قادرة على تجسيد لهيب محنته المستعصية .
ومن السمات الأسلوبية الأخرى لعلي عبد العال في مجال التشبيه هو استخدام التشبيهات الحسّية ، وخصوصا الجنسية – وهذا ما سنراه بصورة وافية عند تحليل رواياته – حتى لو كان ذلك على حساب إرباك كفتي المعادلة التشبيهية في الظاهر. يقول الراوي- وأغلب قصص وروايات علي تسرد بضمير المتكلم لأسباب سنتناولها لاحقا – :”أن يكون الإنسان ميتا هذا يعني أنه لا يكترث بأي شيء يجري أمامه في الدنيا . وسوف تتكشف أمامه الحقائق كنساء عاريات ” . إن السياق العام الذي يفرضه تبلّد شعور الفرد الميت يوصله إلى توقعات قاتمة تتسق مع خواء وجوده ولا اكتراثه . في حين أن تكشف الحقائق أمامه كنساء عاريات يأتي كرجفة حسّية حياتية ملتهبة تجهض بلادة الاستجابة .لكن هذا الفعل يأتي ضمن إطار موقف تأملي هو -أي الموقف التأملي – أيضا سمة ثالثة من السمات الأسلوبية لعلي عبد العال . هذه السمة التأملية هي من أهم خصائص الفن السردي للكاتب والتي تتجلى بوضوح باهر في رواياته كما سنرى . ولعل ما يميّز الرواية كجنس سردي إبداعي عن الفنون السردية الأخرى كالقصة القصيرة مثلا هو سعة الـتأمل وتداعياته النفسية والوجودية والفلسفية والذي بدونه ستتحول الرواية إلى سرد فوتوغرافي خارجي من ناحية ولن تكون أكثر من قصة ممطوطة من ناحية أخرى.يمكننا القول أن القصة القصيرة فن والرواية علم،وكاتب القصة القصيرة فنان في حين أن الروائي محلل نفسي أو فيلسوف إذا جاز التعبيران السابقان . إن ما يميّز النصوص السردية العظيمة هو التداعيات التأملية التي تغوص في أعماق الظاهرة لتمسك بمضامينها الدفينة التي تعكس موقف الإنسان من الحياة والمجتمع والوجود والكون،واستجاباته الانفعالية العميقة تجاه التحولات التي تجتاح كيانه وتحاول تهشيم أواصر ارتباطاته بالآخرين وبالمحيط ، وتمظهرات دفاعات النفس البشرية تجاه الحقيقة المدمرة الكبرى في الحياة ؛ الحقيقة الوحيدة في الحياة هي: الموت . ولعل صاحب الدرس الأول في ذلك هو”مرسيل بروست” في “البحث عن الزمن الضائع”، الذي كان ينطلق من أبسط الأشياء ؛كعكة مغموسة بالشاي ، تقاطعات بلاط الرصيف ، نغمة موسيقية ، رقبة فتاة ” ألبرتين ” .. إلخ ، ويستخدمها كمثيرات يستدعي من خلالها مخزونات ذاكرته ، خصوصا في طبقاتها اللاشعورية الغائرة . وعلي عبد العال يصل مستوى هائلا في هذا المجال ، فهو يقلّب الظاهرة البسيطة على وجوهها المختلفة في رواياته التي تتيح له مساحتها السردية ذلك بحرية كافية ، لكنه لا يفوّت أي فرصة يظفر بها في القصة القصيرة أيضا ليقدم تأملا سريعا لكن عميقا لا يؤثر في كثافة النص وتركيزه في القصة كجنس مغاير محكوم بمحدودية المكان والزمان ومساحة التداعيات.إنه يتفحص الآن استجاباته وردود أفعاله النفسية تجاه محنته كراو ينبغي عليه أن (يموت) استجابة لضرورات بقاء أمنيّة ترتبط بسلامة أفراد عائلته في وطنه الأصل . ويضاعف هذا الموقف النفسي المدمر حالة ” الموات “الداخلية المفزعة التي بات يشعر بها تدريجيا وهي تنسج شبكتها العنكبوتية السوداء شيئا فشيئا حول وجوده الهش في بلد المنفى . هاهو يتأمل حالته هذه فيقول : “هل يخون الشارع؟وهل تخون الأشجار؟ وهل تخون البلاد ؟ والأم هل تخون ؟ هل هذه الأسرار العميقة هي مثل الإنسان ، هذا الكائن الغامض الذي ليس عنده عمل أسهل من الخيانة عندما تحين الظروف ؟ أنا ميّت إذن،ما كنت أعرف ذلك . لكم وددت أن أجرب الموت،هذا الاختفاء الأبدي من حياة الآخرين ومن الوجود . والآن بمقدوري أن أجرّب طعم الإحساس بالموت . أن يكون الإنسان ميتا هذا يعني أنه لا يكترث بأي شيء يجري أمامه في الدنيا . وسوف تتكشف أمامه الحقائق كنساء عاريات . سوف يسقط من قاموسه حساب الربح والخسارة ، الندم والخوف ، وسوف يسقط عنه الإحساس بالجبن ، حيث أن الشخص الميت يستقي شجاعته عن طريق الفناء والّلاوجود . اكتسبت اسما جديدا ووطنا جديدا وأوراقا ثبوتية جديدة ، لكن السؤال الذي يؤرقني دوما : هل أنا حقا ذلك الشخص الذي مات ، أم أنا هو هذا الذي يعيش الآن بهذه السمات الجديدة ؟ إنها حالة اللاوجود “.
إن من أهم الخصائص الوجودية لتجربة الموت هو أن الإنسان لا يستطيع أن يجرّبها وأنها تجربة لا يمكن أن تُعاش .. لا يستطيع الإنسان القول : هيْ ..لقد مت !!،كما كان يتمنى علي عبد العال ، لأنه عندما يموت تنتهي عملية إحساسه بأي شيء .الموت تجربة لا تُجرب . إنها تجربة نهائية وختامية .. هي ختام التجارب والستارة الأخيرة التي تعلن نهاية مسرحية الحياة التي لا عرضا ثانيا بعدها أبدا.لكن راوي علي عبد العال المنفي يموت ويراقب موته ويصرخ وبُنى وجوده تتهاوى بلا رحمة: ” أشهد أني أموت ” . إنه يجرّب الموت الآن في حالة تختلف عن الموت النهائي الختامي من خلال ألم التجربة المدوّي المستمر.إنه يعيش عذابات”هذا الاختفاء الأبدي من حياة الآخرين ومن الوجود” كما أسماه . لكنها تجربة شديدة الأذى . فإذا كان عليه أن يختفي من حياة أحبائه في بغداد إلى الأبد يساعده على ذلك الانفصال الجغرافي الساحق ، فإنه – ومن دون أن يشعر- بات يمارس عملية الاختفاء الأبدي تلك تدريجيا في بلد المنفى . تبدأ عملية الاختفاء أولا في عملية النفي أو الهجرة ذاتها ، فهي عملية اختفاء عن الأرض والأحبة والذكريات الرخية . المثل القديم يقول : “الرحيل يعني قليلا من الموت “، فكيف به إذا كان رحيلا نهائيا يعلن الأحبة فيه موت المنفي وهو حي فيُقطع عليه أي خط رجعة.ثم تأتي خطوة الاختفاء الثانية متمثلة بالوثائق الجديدة والاسم الجديد واللغة الجديدة ، وكلها أستار اصطناعية عليه أن يتخفّى خلفها لينسجم مع المحيط الجديد . تلي ذلك خطوة ثقيلة موغلة في كابوس الاختفاء.وتتمثل في الغياب المديد؛سنوات الغياب الطويل،فقد غادر الراوي بلاده الأم وفارق أمه الفعلية منذ أكثر من عشرين عاما.كان عمره آنذاك لا يتجاوز العشرين إلا بعامين .أي أنه نصف ميت،(نصف مختف) بحساب الزمن الذي مرّ عليه.وفي لمحة شديدة البلاغة نفسيا،يصف الراوي لعبة اختفاء بسيطة يمارسها عند الذهاب إلى عمله من دون أن يلتقط معناها كحلقة في مسلسل التلاشي الوجودي الذي تفرضه حياة المنفى بشراسة . فلا يمكن أن تكون منفيا حقيقيا في بلد آخر إلا إذا أكملت حلقات اختفائك من البلد الأم نهائيا .فحين يلفظك الرحم الأم عليك أن تستسلم كي يلتهمك الرحم البديل . بخلاف ذلك ستعيش حالة جحيمية لا نهاية لها مراوحا بين جهنمين . ولأن الراوي مطلوب منه أن (يختفي)، ولأنه خُلع قهرا وقسرا ولم يعد لديه أي أمل بالعودة إلى فردوسه الأول فإنه قد أصبح (يختفي) تدريجيا من دون أن يعلم : “الطريق الذي أسلكه إلى المكتبة- المكتبة التي يعمل فيها في بلد المنفى – هو الممر الخلفي ، حيث مرآب السيارات والمركبات الأخرى وليس الطريق الاعتيادي العام .لا أعرف لماذا على وجه التحديد، لكني أستطيع التخمين من خلال اللذة القصيرة التي تراودني عند المرور من الطريق الخلفي ، أن هذا الطريق يخصني وحدي”. وفي العادة فإن اللاشعور حين يصمّم فعلا ما فإنه لا يسلّم مفاتيحه القصدية للشعور مباشرة.يبدو الشعور مرتبكا وهو يحاول الوصول إلى السبب الحقيقي للتصرف الذي رُسم من وراء ظهر عقلانيته المخططة ، لذلك نجد الراوي يستدرك سريعا: “أوه ، كلا ،لم تكن الفكرة دقيقة بما فيه الكفاية . أقصد عند المرور يوميا عن طريق المرآب أشعر وكأنني أعرف المكان أكثر،والناس الغرباء لا يفكرون بالمرور من هنا عادة ، ذلك يمنحني إحساسا بالخصوصية له نكهة المعرفة بالمكان ” . ولم تحصل إضافة دلالية مفارقة بين ” أشعر وكأنني أعرف المكان أكثر ” و”أن هذا الطريق يخصني وحدي”، لكنها الربكة المشوشة لمكنونات اللاشعور المحتدمة التي هاجت وهو ، أي اللاشعور ، يقر لأول مرّة بقابليته على الإنجراح ، هو العصيّ عن الفناء .إن ” نكهة ” المعرفة بالمكان ترتبط بـ “نكهة” يفرضها النكوص إلى الثدي الأمومي المطعم .ذلك يفسر كثرة الانشغالات الهضمية لدى المنفيين والمهاجرين وكون الطعام يشكل قضية مهمة في الحياة اليومية هناك وخصوصا طعام الأم وخبزها ووجباتها المحببة . فالنفي والهجرة في جانب عميق من رمزيته النفسية هو في الواقع حالة “فطام” نفسية قاسية تشعر الفرد بالنبذ والإنهجار . لكن هذه العملية التي اختُزنت مراراتها في اللاشعور منذ أيام الطفولة تجري الآن على مستوى أكبر وأكثر خذلانا . ولذلك يرتدّ المنفي إلى تثبيتاته ” الفمّية ” الفعلية والذاكراتية . وفي الدرب الخلفية يقع المطبخ الذي تنبعث منه روائح الأكل والتوابل .ويستطيع الراوي تخمين الوجبة الرئيسية للمطعم ، سمك مقلي مع الرز،أو صلصة الدجاج والبطاطا كما يقول . إن ما يعلق بالذاكرة من مشاهدات ومثيرات ومواقف، خصوصا في”الدروب الخلفية”وفي أوقات الضغوط النفسية الراضّة ، لا يمكن أن يحصل على عناية القاص السردية إذا لم تكن له قيمة نفسية فعلية أو رمزية مرتبطة بمخزونات لاشعور الشخوص ومن خلفهم لاشعور المبدع طبعا . ولا تفلت من الراوي – القاص ، وهذه من سماته الأسلوبية كما قلنا آنفا ، وهو في محنته الخانقة هذه فرصة السماح للغريزة الجنسية في دفاعها ضد غريزة الموت أن ترفع هامتها الكسيرة قليلا فـ ” تبصبص ” على ” بعض نهود الطباخات الحمراوات الضخمة وهي تلوح من خلال أبخرة تتجمع بكثافة على زجاج النوافذ ” .هذه صحوات مشروعة مثلما يحصل الانتعاظ والقذف لدى الجنود في المعارك أو لدى الطلاب في الامتحانات . إن من العلامات القليلة والخطيرة التي تدل على ديمومة “حياة ” المنفي هي الرسائل التي يبعثها إلى ذويه والتي ينقل لهم فيها شجونه وهمومه وأشواقه ومتغيرات حياته سلبا وإيجابا ويستعيد فيها روابطه بالأحياء هناك ، بل حتى الأموات إذا اتفقنا مع نصف الحقيقة التي قالها :”ماركيز” عن أن الوطن هو الأرض التي ندفن فيها أجدادنا”،والتي صححها المبدع العراقي الراحل “يوسف الصائغ” حين قلتها له بقوله :أن الوطن هو الأرض التي نُدفن فيها ، والتي أضيف إليها القول : أن الوطن هو الأرض التي ندفن فيها قرب أمهاتنا .المهم وبعد أن سرت إلينا عدوى التأمل من علي عبد العال ، أقول أن الرسائل فعل حياة أولا وقرائن ذاكرة ثانيا . ولم يعد المطلوب من الراوي الآن أن ينقطع عن إرسال الرسائل إلى أهله لأنها صارت خطيرة وهي تعني أنه حي في بلد المنفى حسب وهو خلاف ما قاله ذووه لأجهزة الرعب والقتل، بل عليه أن يمحو القرائن التي تصون سلامة ذاكرته وتحفظ تماسكها . الإنسان ليس حيوانا ناطقا أو اجتماعيا كما قال السيد أرسطو أو رومانسيا كما قلت كثيرا فقط . الأهم هو أن الإنسان حيوان ذو ذاكرة. والذاكرة أم . الذاكرة نتاج أمومي بل هي أعظم عطايا حضارة الأمومة البهية . والمنفي أو المهاجر ذاكرة حسب . وحين تُعطّل هذه الذاكرة فإن المنفي الحي يصبح في حكم الميت .. يختفي تدريجيا مع اضمحلال وشحوب محتويات ذاكرته خصوصا محتويات صندوقها الأسود المرتبط بالذكريات الأوديبية المكبوتة لكن اللائبة تجاه موضوع الحب الأول : الأم .ومعنى أن ترسل رسالة هو أنك تتذكر.وبالتالي فأنت موجود (كوجيتو المنفي الأثير الذي يعينه على البقاء متماسكا هو:أنا أتذكر، إذن أنا موجود ) ، موجود وغير مختف خلف أستار النسيان الثقيلة التي تسدلها بلا رحمة ضرورات التكيف مع سبل الحياة الجديدة في البلد الجديد . (يتأمل) الراوي مأزقه الخانق هذا ويقول : “كتبت رسائل كثيرة،لكني لم أجرؤ على إرسالها إلى المكان المقرر لها.لذا فهي رسائل ميتة.الرسائل الميتة؛أوه إنها من الأشياء الأكثر حزنا في الحياة . من الأفضل ألا تحتفظ بها طويلا ،إذ أنك سوف تعتقد ، لكثرة ما تحتفظ بها في أجزاء الوقت والأيام ، كما لو أنها وصلت إلى أماكنها وعناوينها .ولن تصدق أنك حتى لم ترسلها البتة .وبذلك سيبلغ حزنك مرتبة الجزع والصمت ، وعلى الدوام تظل ترتقب الأوهام .وستظن تدريجيا ، بعد اليأس ، أن أهلك ماتوا أو تلاشوا، كما ظنوا بك ،عندها سيشبه وجودك الموت .من الأجدر بك تمزيق كل الرسائل التي لم ترسلها إلى عناوينها حتى لا يتفشى الانتظار والموت في أجزاء وقتك ” . إن أحبته يتلاشون و( يختفون ) من ذاكرته ومن ساحة حضورهم الوجودي مثلما يتلاشى هو ويختفي على جبهتين مدمرتين : الأولى بالنسبة لهم والثانية بالنسبة لذاته . فهم هناك ، ورغم كل تهديدات الموت والاضطهاد يقفون على أرض أمومية صلبة ويحتفظون بشبكة علاقات تفرضها وداعة الأنوثة المعطاء المسالمة السمحة تحت خيمة العائلة ،تحفظ لهم تماسكهم وتدفع عنهم الانهيار . وهم لا يشعرون بأنهم يتلاشون وتتساقط أحجار وجودهم دون أن يكونوا قادرين على أن يفعلوا شيئا . ولهذا نجد المنفي تشتعل حاجات ارتباطاته بأمه؛ موضوع حبه الأول،عند انفصاله عن وطنه أو نفيه منه .لقد حصل الراوي الآن – كما يقول له صوت المخاطب الموبخ الذي هو صدى لـ (أناه العليا)القضائية النقدية-على وطن جديد غير وطنه القديم ، هو الذي كان يقول : ” إن كرة الأرض بلادي ” – والأمومة تكذّب هذا المنطق والآيديولوجيات التي طرحتها هي من نتاج الذكورة المعصوبة -،واسمه مدوّن بالدوائر الرسمية وإن كان غير اسمه القديم : “لكنك لا تعرف غير أن تموت. أنت وأمثالك لا تجيدون سوى الزوال والتلاشي في هذا المكان الجديد والزمان الجديد”. إن الراوي ،حسب هذا الصوت ، لا يجيد سوى البكاء على الذكريات القديمة ، وأن يهدر عمره الجديد بنفس الطريقة القديمة. وهو أمر متوقع من فرد كان يود أن يجرب الموت كتعبير عن حفزات غير مباشرة لتدمير الذات في المجتمع الأصل . فرد شديد الارتباط بالأم إلى حدود تقرب من التثبيت العصابي حيث نجد حضورها المعنوي راسخا ويلاحق اختياراته واستجاباته كلّها كركيزة مرجعية في محنته .فبعيدا عنها بآلاف الكيلومترات ، نجده الآن يرد على صوت الإدانة الداخلي محتكما إلى نظرة الأمومة إلى انفصال ولدها – طفلها عنها : – ” ولكن أمي لن ترضى بهذا الحل . إنها لم تلدني كي أبيت في الشوارع الغريبة . إن قلبها لن يشعر بالراحة على الإطلاق ، ألا تعتقد ذلك ؟ ” إنه يحيا في مدينة تقع في شمال الكرة الأرضية في الحاضر ولكنه بفعل اختفاء قرائن الأمومة وتلاشيها التدريجي والانقطاع النهائي لأي أمل بالعودة إلى الحضن الأمومي :امرأة أو وطنا ،بدأ يعوم في حياة المدينة الجديدة التي أصبحت أما ملتهمة بالنسبة له. إن المدن التي لا نستطيع النظر إليها كمكافآت للأمومة الحانية ستصبح أما خاصية – ميدوزا يضيع في متاهات احشائها :
” منذ أيام أخذت أتعثر ببعض الأفكار ، فترتبك خطاي وهي في الطريق إلى جهة أخرى غير معلومة من هذه المدينة . أجهل روح هذه المدينة الواقعة في شمال الكرة الأرضية ولا أعرف خباياها جيدا،وفي كل يوم أضيع في طرقاتها عدّة مرات.هذا لا يهم كثيرا ، فليس لي هدف محدد من تجوالي اليومي على كل حال . وهاهو العمر يمضي دون معنى ، وصرت عاجزا تماما ” .
إنه يضيع في طرقات المدينة ولا هدف له كما يقول .. إنه يواصل عملية الإختفاء التي ستستقر على مآلها النهائي الذي يعرف الراوي – من دون أن يعرف- هدفه المحدد فيه ،وهو ختام كل شيء، الختام الذي يجد تجسيده في المقبرة . المقبرة التي زارها أول وآخر مرة من قبل ليحضر مراسم دفن الشابة ( جانيت ) من غير أن يدعوه أحد ، وكأنه يقوم بحركة تدريبية تعده للاختفاء الأخير . وهاهو يدخلها الآن وتحت غطاء غريب صادم جديد :
– ” كي أفتش عن قبري ” وفي المقبرة يرسم القاص المقتدر مشهدا فذّا يوسع محنة الإختفاء التي يعاني منها لتشمل رجلا خمسينيا مهاجرا آخر من أبناء وطنه ، يجده يبكي بحرقة على قبر يعتقد الراوي لأول وهلة أنه قبر لأحد أبناء وطنه ، ثم يظهر أنه قبر لشاب – هل يستطيع أن يسميه ” أجنبي ” الآن ؟ – من أبناء المدينة المنفى : “اكترث الرجل الخمسيني لوجودي جواره .. مما شجعني على السؤال عن صلته بهذا القبر ..
– لا أعرفه ! قال لي ببلاهة حزينة
– ولماذا هذا البكاء الحار ؟
– لأنه شاب صغير !
– من أنت ، وما اسمك ؟
– أنا آشوري .. واسمي آشور ؛ أنا من بغداد .. وهكذا عرفت أن هذا الرجل الغريب يأتي مرة على الأقل في الأسبوع كي يبكي على قبر غريب يعتقد أنه الأجدر بالحزن . هذا الرجل يعيش وحيدا، وهو إنسان مليء بالأحزان . روح هذا الرجل هي نسخة طبق الأصل عن نفسي ، أو ربما يكون هو أنا بالذات ” . إن الشرخ الابتدائي الذي يتكفل بتحطيم لوح النفس هو التماهي مع الأموات وليس الأحياء . وراوينا المعذّب المنكسر تماهى أولا وبثبات معطّل مع أحبائه الذين بدأو بالاختفاء تدريجيا وذاته التي بدأت بالتلاشي بحيث أنها لم تعد متموضعة ماديا بصورة نابضة تؤهلها للتماهي مع الأحياء المحيطين به في الواقع الجديد، وتأسيس شبكة علاقات تكيفية حامية معهم . إن ذاتا في طور الاضمحلال والاختفاء لا تتوحد إلا مع كائنات العالم الأسفل . راوينا في الواقع هو من مجسدات ” زومبي ” ؛ كائن انبثق من العالم الأسفل فاقدا القدرة على الكلام وقوة الإرادة .تضيع خطاه في شوارع المدينة الجميلة ،ويختار دروبها الخلفية الموحشة، فهو يرى أن لا جدوى من كل شيء هنا ، إذ أن المنافي البعيدة تشبه المقابر روحيا إلى حد كبير،حيث لا جدوى من البكاء،ولا جدوى من الألم أو الزهور، ولا جدوى من زقزقة العصافير . لكنه ، وعلى النقيض من ذلك يتابع مفتونا حركة ” الحياة ” في المقبرة : ” الزهور تحف بالموتى ، والأشجار الوارفة العملاقة تؤكد جلال المكان وهيبته الصامتة . اعتقدت ، من كثرة الصمت الذي يلف المقبرة،أن الحفيف الذي أسمعه متسربا من بين الأغصان، وهسيس أجنحة الطيور وزقزقتها ،والأصوات التي يصدرها وثوب الجنادب التي لا يمكن رصدها ، أو حتى رؤيتها ،اعتقدت أنها أرواح الموتى وهي تحدق بزائر غريب ” .
كان الراوي يفتش عن شاهدة قبر تحمل اسمه أو اسما يشبهه من قريب أو بعيد . والشاهدة هي الإعلان الرسمي عن نهاية عذابات محنة الاختفاء ، فبالنسبة له لا تنقسم مدينة المنفى ، كحال مدينته الأم ؛ بغداد مثلا ، إلى عالم للحياة ( المدينة وسكانها ومكوناتها ) وعالم للموت ( المقبرة وقبورها ) ؛ بل إلى عالم واحد من قسمين متجاورين : مقابر الأحياء ومقابر الأموات، ولا تفرق بين العالمين المتناقضين تماما الروح الإنسانية المهيبة وتجلياتها الحيوية الآسرة ،بل قطع حجرية ” هي تلك الشواهد الرخامية التي تسجل أسماء الموتى وتواريخ رحيلهم النهائية الأكيدة عن هذا العالم ” .الكل أموات ؛ من هم في مقبرة المدينة هم في انهمام متصل بالحصول على الشاهدة التي ستعلن استكمال عملية موتهم و”اختفائهم” الدائبة التي يعيشونها في مقبرة المدينة . المدينة هي مقبرة الإنتظار التمهيدية ليس إلا . لكن اللاشعور الذي يقوم على حقيقة أنه بنية خالدة ، ويقر عادة بفناء الآخر ولا يسلم بفنائه الشخصي مطلقا – هذا من أعظم قوانين اللاشعور ، وهذا السبب في عناد الإنسان الشيطاني ومروقه المسؤول عن بهاء الحياة في الإبداع خصوصا ، فالإنسان في تعريف آخر هو ” حيوان لا يتعظ ” رغم كل العقائد والأديان والتهديدات وكل الدلائل التي تشير إلى أنه كائن فان وكل الموت في الحروب والكوارث والأمراض .. إلخ-،قانون اللاشعور الخلودي هذا يتململ وتنسرب حفزاته الحيوية الاحتجاجية لتعلن عن تمسك الراوي بالحياة رغم أنه يتلاشى ويختفي ويموت كما يعلن . فالشاهدة – الإعلان هي للآخر ، بل لكل الآخرين في هذا العالم عداه . وهو بذلك ينسف محاولات أحبائه في إماتته : ” لست أملك بعد مثل هذه الشاهدة حتى لو فتشتم كل مقابر العالم . ورغم أنكم قلتم أن بعض الناس الذين لا أعرفهم قد استطاعوا قراءتها عبر استحضار الأرواح.أنا أشك في ذلك؛وكلكم تعرفون كم كنت لا أؤمن بالسحر ، وأمي تعرف أنني لم أكن أخاف الجن حتى عندما كنت مجرد طفل صغير. لقد كذب عليكم الدجالون، فما زلت حيا أرزق . هل تسمعينني يا أمي العزيزة ؟ ” إن ما يسحن روح المنفي – ونقصد حال راوي هذه القصة تحديدا- ويطحن إرادته هو ليس الموت المنتظر بل حالة الإنفصال عن الرحم الأمومي . إننا نستطيع أن نشبه وبدقة لا تراجع عنها أن المنفي هو كالوليد الذي خرج من الرحم توا؛عار تماما تجلده سياط ضغوط العالم الخارجي وتهديداته بعد أن كان غافيا في الفردوس الأمومي الحامي . إن الحياة بالنسبة لمنف من نمط الراوي أو من نمط خالقه علي عبد العال،”هي في مكان آخر” حسب عنوان رواية “ميلان كونديرا” الذي اقتنصه من “مرسيل بروست” دون أن يشير إلى ذلك. و”المكان الآخر” بالنسبة لعلي- الراوي هي “بغداد” التي يخاطبها آشور وهو يسكب سيول الدموع والأحزان على قبر ميت ” أجنبي ” لا يعرفه وهو يقول : ” كلهم يقولون لك نحن نحب بغداد .. لكنك لن تخمّن على الإطلاق ماذا تعني بغداد بالنسبة إلى آشور إنها تعني الحياة بالنسبة له ، وأي مكان آخر دونها يعني بالنسبة إليه الموت ” . والراوي إذ يشخصن مشاعره وصراعاته من خلال سلوك آشور الفعلي أو المُسقط يجد في محنة الأخير محنته ويشعر كأنه نسخة طبق الأصل منه مع فارق بلغ الجسامة وهو أن آشور قد حول الأم / بغداد إلى قبر يسفح أنهار الدمع الساخنة أسبوعيا عليه ؛ أنهار دموع هي رسائل ميتة بدورها يكتبها كل أسبوع ولا تصل إلى الفردوس المفقود، فإن الراوي غير قادر على مجرد الاحتفاظ برسائله الميتة أولا ولا يستطيع التصالح مع حقيقة أن الأم قد أصبحت قبر ذكريات أو موضوع حب يمكن أن يستعيظ عنه رمزيا بأي بديل آخر .إنه يعيش لعنة النبذ من الفردوس الأمومي ورغبة العودة الحارقة إليه .لا بديل عن امرأة اللاشعور الحيّة التي لا تموت : الأم . وكل شيء يراه ويعيشه ويصادفه يسهم في تأجيج لعنة حياته المميتة التي لا خلاص منها ولا حل لها وهو أن يثبت لأمه أنه لم يتلاش،لم (يختفي).. وصحيح أنه غير موجود ، لكنه ليس ميتا . وهي المعادلة الشائكة المستحيلة بالنسبة للأم التي لا يمكن أن تقنع بهذه التخريجات الفلسفية السخيفة التي سممت المعرفة البشرية بفعل الذكورة المعصوبة-ألهذا لا توجد فيلسوفة أنثى في تاريخ البشرية ؟ فالأم تمقت اللعب المجازي والفلسفي بمصير ابنها ،لأنه إما موجود في رحمها أو أن لا تخريج سماويا أو أرضيا قادر على خديعتها .. الفلسفة .. فلسفة الكون كله وفلسفة الإبداع بأجمعها كامنة في أحشائها -. يعبر علي عبد العال عن هذه الرؤيا العظيمة ببساطة في مشهد مركب لكن عميق الدلالات. وهذه المشاهد من مميزاته الأسلوبية أيضا ،حيث تجد أن نص هذا المبدع يسير في صورة أمواج ترتفع وتنخفض لكنها لا تموت وتصل القعر .. إنها متوترة دائما وعند كل ذروة تشعر بأنك وصلت لحظة الختام لكنه يعود بك من الجديد في حركة موجية جديدة . يقول الراوي : “لم ينقطع الثلج عن النزول من السماء طيلة الليلة الفائتة ، وليال أخرى سبقتها .وعندما كانت الدنيا بيضاء برمتها،رأيت أسرابا من الطيور تتبع بقعة سوداء تتحرك ببطء على الثلوج .استطعت تمييز امرأة عجوز تمد يدها بكيس وترمي ما في قبضتها على وجه الثلج الناصع،فتتبعها الطيور التي يزداد عددها باضطراد.طيور لاأعرف أين ستذهب وسط كل هذه الثلوج . لكن لعلني نسيت أن الحيوان يعرف هدفه بدقة ، وهو لا يعرف الخوف ولا الخجل في الوصول إلى مأواه ، وليس هكذا يفعل الإنسان . الإنسان عرضة لنسيان كل شيء،وأحيانا يشعر بالخجل عند السؤال عن مكان ضائع ،أو مجرد مكان مجهول ، فكيف لا يشعر بالخجل إن هو سأل عن الطريق الذي يجب أن يسلكه للوصول إلى مأواه ؟ – أنا حي يا أمي . اسألي أحلامك إذا شئت . أصرخ بصوت مكتوم بأعماق هذا الصمت المطبق .ليس من السهل العودة إليك ؛ أعرف ذلك.لذا من حقك أن تعتبريني غير موجود ،لكن لست ميتا.ما الفرق بالنسبة إليك ؟ “

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *