الجواهري: آمنتُ بالحسين

 

aljawahiri-10فداءا لمثواك من مضــجع……………………. تنَور بالابلـــــــج الاروع

بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنـانِ…………………..رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْـوَعِ

وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ “الطُّفوف”…………………..وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْـرَعِ

وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس…………………..على نَهْجِكَ النَّيِّـرِ المَهْيَـعِ

وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال…………………..بما أنتَ تأبـاهُ مِنْ مُبْـدَعِ

فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ…………………..فَـذَّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَـعِ

ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ …………………..للاهينَ عن غَـدِهِمْ قُنَّـعِ

تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ …………………..وبُـورِكَ قبـرُكَ من مَفْـزَعِ

تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ…………………..على جانبيـه ومـن رُكَّـعِ

شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ …………………..نَسِيـمُ الكَرَامَـةِ مِنْ بَلْقَـعِ

وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ…………………..خَـدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْـرَعِ

وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ…………………..جالتْ عليـهِ ولم يَخْشَـعِ

وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ …………………..بِروحي إلى عَالَـمٍ أرْفَـعِ

وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ ………………….. بصومعـةِ المُلْهَـمِ المُبْـدِعِ

كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ ………………….. حمراءَ ” مَبْتُـورَةَ الإصْبَـعِ”

تَمُدُّ إلى عَالَـمٍ بالخُنُـوعِ ………………….. وَالضَّيْـمِ ذي شَرَقٍ مُتْـرَعِ

تَخَبَّطَ في غابـةٍ أطْبَقَـتْ …………………..على مُذْئِبٍ منـه أو مُسْبِـعِ

لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيـبَ الضَّمِيرِ………………….. بآخَـرَ مُعْشَوْشِـبٍ مُمْـرِعِ

وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ………………….. خوفـاً إلى حَـرَمٍ أَمْنَـعِ

تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي………………….. فَإنْ تَـدْجُ داجِيَـةٌ يَلْمَـعِ

تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ………………….. لم تُنْءِ ضَيْـراً ولم تَنْفَـعِ

ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ…………………..وقـد حَرَّقَتْـهُ ولم تَـزْرَعِ

ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء…………………..ولم تأتِ أرضـاً ولم تُدْقِـعِ

ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِـهِ…………………..وغِـلَّ الضمائـرِ لم تَنْـزعِ

ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُـمُ …………………..عليهِ مِنَ الخُلُـقِ الأوْضَـعِ

تعاليتَ من “فَلَـكٍ” قُطْـرُهُ…………………..يَدُورُ على المِحْـوَرِ الأوْسَـعِ

فيابنَ البتـولِ وحَسْبِي بِهَا…………………..ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِـي

ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها…………………..كمِثْلِكِ حَمْـلاً ولم تُرْضِـعِ

ويابنَ البَطِيـنِ بلا بِطْنَـةٍ …………………..ويابنَ الفتى الحاسـرِ الأنْـزَعِ

ويا غُصْنَ “هاشِـمَ” لم يَنْفَتِحْ………………….. بأزْهَـرَ منـكَ ولم يُفْـرِعِ

ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود………………….. خِتَـامَ القصيـدةِ بالمَطْلَـعِ

يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ…………………..مِنْ مُسْتَقِيـمٍ ومن أظْلَـعِ

وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلـودِ………………….. مـا تَسْتَجِـدُّ لـهُ يَتْبَـعِ

تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطـرِي …………………..ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِـي

وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِـبْ………………….. بِنَقْلِ ” الرُّوَاةِ ” ولم أُُخْـدَعِ

وقُلْتُ: لعـلَّ دَوِيَّ السنين………………….. بأصـداءِ حادثِـكَ المُفْجِـعِ

وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ…………………..من ” مُرْسِلِينَ ” ومنْ “سُجَّـعِ”

ومِنْ “ناثراتٍ” عليكَ المساءَ…………………..والصُّبْحَ بالشَّعْـرِ والأدْمُـعِ

لعلَّ السياسةَ فيما جَنَـتْ …………………..على لاصِـقٍ بِكَ أو مُدَّعِـي

وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي………………….. بِحَبْلٍ لأهْلِيـكَ أو مَقْطَـعِ

لعلَّ لِذاكَ و”كَوْنِ” الشَّجِيّ ………………….. وَلُوعَاً بكُـلِّ شَـجٍ مُوْلـعِ

يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن………………….. بلونٍ أُُرِيـدَ لَـهُ مُمْتِـعِ

وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَـــرْزَةً …………………..يدُ الواثِـقِ المُلْجَأ الألمعـي

صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً…………………..وكيفَ ومهما تُـرِدْ تَصْنَـعِ

ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ………………….. وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْـدَعِ

أريدُ “الحقيقةَ” في ذاتِهَـا …………………..بغيرِ الطبيعـةِ لم تُطْبَـعِ

وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ ………………….. بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ

وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون………………….. لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ

وأنْ تَتَّقِي – دونَ ما تَرْتَئـِي-………………….. ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ

وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ ………………….. مِنَ “الأَكْهَلِيـنَ” إلى الرُّضَّـعِ

وخيرَ بني “الأمِّ” مِن هاشِمٍ………………….. وخيرَ بني ” الأب ” مِنْ تُبَّـعِ

وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ ………………….. كَانُـوا وِقَـاءَكُ ، والأذْرَعِ

وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِـلْ …………………..ثِيَـابَ التُّقَـاةِ ولم أَدَّعِ

تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ …………………..يِضِـجُّ بِجُدْرَانِـهِ الأَرْبَـعِ

وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب …………………..عَلَيَّ مِنَ القَلَـقِ المُفْـزِعِ

وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَـاتِ …………………..و” الطَّيِّبِيـنَ ” ولم يُقْشَـعِ

إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ ………………….. تَأَبَّى وعـادَ إلى مَوْضِـعِ

وجَازَ بِيَ الشَّـكُّ فيما مَعَ ………………….. ” الجدودِ ” إلى الشَّكِّ فيما معي

إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيـلَ………………….. مِنْ ” مبدأٍ ” بِدَمٍ مُشْبَـعِ

فأسْلَمَ طَوْعَا ً إليكَ القِيَـادَ………………….. وَأَعْطَاكَ إذْعَانَـةَ المُهْطِـعِ

فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي ………………….. وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِـي

وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَـرَى………………….. سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ

بأنَّ (الإباءَ) ووحيَ السَّمَاءِ…………………..وفَيْضَ النُّبُوَّةِ ، مِـنْ مَنْبَـعِ

تَجَمَّعُ في (جوهرٍ) خالِصٍ………………….. تَنَزَّهَ عن ( عَرَضِ ) المَطْمَـعِ

* * * * *
—————–

1) “الأبلج”: الوضاء الوجه. و”الأروع”: المعجب بشجاعته أو حسنه.
(2) الطفوف: هي الأراضي المشرفة من جوانب الشواطيء، وهي تطلق بصورة خاصة على ما أشرف من أراضي “الغاضرية” وهي مدينة كربلاء الآن على نهر الفرات وفيها كان مصرع الحسين الشهيد وآله وأبنائه.
(3) المهيع: البين الواضح.
(4) مبتورة الأصبع: هي يد الحسين (ع) وقد بترت إصبعُه بعد مقتله.
(5) مذئب ومسبع: كثير الذئاب والسباع.
(6) البطنة: النهم. الأنزع: من انحسر الشعر عن جانبي جبهته، وكان يقال للامام عليّ “الأنزع البطين”.
(7) لم تنون “هاشم” للضرورة فجرت بالفتحة.
(8) ظلع بالظاء: عرج وغمز في مشيه، وضلع بالضاد: مال وجنف.
(*) – ألقاها الجواهري الكـــبير في الحفل الذي أُقيم في كربلاء يوم 26 تشرين الثاني عام 1947، لذكرى استشهاد الإمام الحسين.
– نشرت في جريدة “الرأي العام”، العدد 229 في 30 تشرين الثاني 1947.
– كتب خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيسي الذي يؤدي الى “الرواق الحسيني” في كربلاء

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كريم الأسدي : ببابلَ ماذا تقولُ الكواكب؟! مثنويّات ورباعيّات عربيَّة * .

تأمَّلْ اذا كنتَ تأمَلُ أَن تشرقَ الشمسَ فوقَ البيوتْ ففي كلِّ دورةِ شمسٍ شموسٌ تصيرُ …

| عصمت شاهين دوسكي : لقاء السحاب .

حبيب وشوق وعذاب ارتقى بعد لقاء السحاب أسمى روحا بعد روح ذوت بين أشجان الرحاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *