نيران العبيدي: ميسلون هادي تتربع على عرش الكتابة في رواية سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية (ملف/4)

niran 3إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.

المقالة : 
تبدأ ميسلون هادي كتابها الروائي سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية بقصيدة للشاعر الاسباني الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1956 جوان رامون جيمينيز التي توحي بما سوف تكون عليها الرواية التي تود Multiple Personality ابرازها الكاتبة لشخصية مختلفة الاقطاب ميسلون هادي كاتبة غنية عن التعريف لها اكثر من 25 منجزا مطبوعا ما بين قصص قصيرة ومقالات وروايات وكتب مترجمة اضافة الى تجربة متواصلة لاكثر من 30 سنة بالعمل الكتابي والصحفي لكنها في رواية سعيدة هانم ويوم غد من السنة الماضية تفوقت على نفسها وعلى كثير من الكتاب العراقيين والعرب بدخول نموذج السرد النفسي الساخر الذي يتهكم على الحياة الاجتماعية والسياسية وما الت اليه الحياة بعد 2003 من اوسع ابوابه , اسلوب فكاهي لا يخلو من مرارة , تلتقط الصور وتصورها بعين خبيرة ومن ثم تكبرها بعين ناقدة لاذعة تتهكم على سخرية الحياة وقدرها التي اوصلت المجتمع البغدادي باعتلاء طغم فاسدة لسدة الحكم بهذه الدرجة من الانحطاط تقول في الصفحة 26 والأب صفق وهتف بالروح بالدم نفديك يا غالي , وياساري بينا للمعالي مرة يا عبدالكريم قاسم بدلا من الملك فيصل الثاني , ومرة ياصدام حسين بدلا من عبدالكريم قاسم , ومرة يادولة الاسلام بدلا من صدام , ومن ثم فقدان القيم الاجتماعية , و ضياع الشريحة المثقفة الواعية التي كانت تتوسط الطبقات العراقية , وتشكل الركيزة الاساس لها ,لتنضوي خلف الجداران في دار سعيدة هانم , التي هكذا اراد والدها تسميتها باسم مركب له دلالات اجتماعية معروفة في منطقة الاعظمية مكان الاشتغال السردي , و التي يغلب عليها شريحة اجتماعية تتفن باستعمال الكلمات التركية الى جانب البغدادية الخاصة باهالي المنطقة التي تختلف عن لهجة بغداد القديمة الرصافة , وهانم تعني السيدة باللغة التركية لكن اهالي بغداد يستعملون كلمة خانم بدلا عنها لهجة تركية قديمة مندثرة وهذا ما درج علية معاظمة بغداد ,يبدو ان الكاتبة متأثرة بالاسلوب المصري او التركي على الطريقة الاسطنبولية سعيدة هانم تعيش مع اختها مليكة جان هكذا يبدو للوهلة الاولى maysalon-7وجان تعني العزيزة او الجميلة كلمة تضاف تحببا ً للاسم لنكتشف فيما بعد انها قرينة سعيدة هانم الشخصية , الرواية ترتكز على شخصية ثنائية القطب مصابة بكأبة ,ففي الوقت الذي تعمل فيه سعيدة هانم مدرسة لغة عربية تكون مليكة جان رسامة لاتحب الخروج من البيت وحتى اذا ما خرجت من البيت مع اختها سعيدة هانم , فلن يلحظ الناس وجودها كثيرا , لانها مخفية دائما خلف هلاليلها البنية التي تشبه لون الانسان ص 11
مليكة جان تضع مشاعرها بالرسم وانا اضعها بالطبخ هكذا تقول عنها اختها سعيدة , بعدها تنقلنا الكاتبة الى الحياة اليومية العادية لهاتين الاختين بكل تفاصيلها فتتجلى مقدرة الكاتبة السردية لتشعرنا برتابة الحياة المللة التي تحياها بطلة روايتها سعيدة هانم والتي تنتقد نفسها وتحادثها وتسخر منها بصوت عال عبر عوج فم اختها مليكة جان المفترضة الى الاسفل دلالة على عدم الرضا عن النفس , هذه المحادثة ما بين سعيدة هانم ومليكة جان تُظهر قمة الكأبة , و الاضطراب النفسي الذي تعاني منه البطلة , لكنه لا يرتقي ابدا للانفصام الشخصي ( الشيزوفرونيا ) من خلال سير احداث الرواية.kh maysalon 10

الولوج في المضمار النفسي ومعالجته باسلوب روائي حقيقة هو جديد على الادب العراقي , لكن التجارب التي خاضها الكتاب امثال الدكتور حسين سرمك في رواية ما بعد الجحيم وهدية حسين في رواية زجاج الوقت و رواية صخرة هيلدا اضافة لميسلون هادي في هذه الرواية تنبىء عن ريادة وفتح جديد للرواية النفسية العراقية ,وخوض مضمارها بقوة , اراها أنا لا تقل اهمية عن ريادة القصيدة الحرة للسياب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي اربعينيات القرن المنصرم , لكن يبقى حسين سرمك اول من كتب عن الرواية النفسية العراقية بمنهجية عالية وتعرض لاعراض مرض ما بعد الصدمة الذي يصيب الجنود اثناء الحرب بأسلوب علمي قل نظيره في السرد العراقي والعربي.
لقد سخرت الكاتبة ميسلون هادي في هذه الرواية كل امكانياتها وخزينها من الموروث العراقي, وادواتها اللغوية والتجريبية اضافة للعامية من اجل شحذ روح الفكاهة , فاستعملت الامثال البغدادية العامية ذات الدلالات التي تخدم النص ص 21 ( سليمان بك بالعربان ولا بالتربان ) عنوان للحديث عن الاخ سليمان بك المهاجر الى بلاد الكفار والمعتدين تهكماً على المد الاسلامي الذي زج شقيق سعيدة هانم بالسجن دون توجية تهمة فهاجر لاجئا الى كندا محتميا بأنسانيتها
المال مال الله والسخي حبيب الله
مليكة جان اما ان تكون دجاحة او عجاجة
حبربش حورية , عنوان ص 80
وياغراب ياغراب .. ما شفت ابوية عند الكببجي , ياكل ويبجي
صدق من قال . البعير لو شاف أذانه كان احتار بزمانه , ص 81kh hussein sarmak n
حتى اللغة العربية تلاعبت الكاتبة بها وطوعتها لخدمة نصها لتعطي الصورة التي تريد ص 25
أما وقد اشترت مليكة جان المعطف البيجي مع عمتي حورية , وعثرت على مروحتها الورقية , في جنطتي اليدوية ,فالمفروض انها قد شعرت بالراحة والفرح
لاحظ هنا استعمال (أما )حرف استفتاح وتنبيه يحمل في طياته لون من الوان النقد والسخرية كأنها تريد ان تذكرنا في مجلس يجتمع فيه الناس وتريد اسماعنا هذه الحكاية وبذا فهي تقترب من ادب المقامة الذي يسخر ويتهكم على صور من الحياة الاجتماعية بجمل نثرية مسجوعة
واخيرا حتى الاخطاء الاملائية أستغلتها الكاتبة للسخرية , فجعلتنا نضحك بقوة , ونحن نقرأ ولا نستطيع الفكاك حين كتبتها بطريقة يستعملها الكثير والمفارقة من صحفي ايضا في روايتها دون دراية بأصول اللغة ص 50 تقول شكرها الصحفي كثيرا ً وكتب لها تحت العنوان ( هاذه فكرة رائعة , شكرن لك , لاكن المكان بعيد ).

ميسلون هادي كتبت رواية لا تتكرر ابدا

نيران العبيدي
اكتوبر 2016
كند

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *