الرئيسية » مقالات » عوّاد علي: العراقيون .. وسيكولوجيا الندم

عوّاد علي: العراقيون .. وسيكولوجيا الندم

ثمة نظرية في علم النفس تُعرف بـ “نظرية الندم” وضعها كل من لومس غراهام وسودن روبرت، تقول إن الناس يتوقعون الندم إذا هم جنحوا إلى خيار خاطئ، وتصلح هذه النظرية أن تكون نموذجاً لأي خيار في ظل عدم اليقين.
منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي، استفادت دراسات الندم من وجود تقنيات متطورة للتصوير العصبي. وعثر الباحثون على دلائل بأن أجزاء الدماغ المسؤولة عن التفكير والمشاعر تصبح نشطةً عندما يشعر الإنسان بالندم. إلاّ أن المرضى الذين حدثت لهم أضرار في الدماغ لا يشعرون بالندم، ولا يتعلمون من تجربتهم بعد الشعور به. وتوصلت دراسة قدمتها الباحثة كولين سافراي وزملاؤها في جامعة إلينوي الأميركية إلى أن شعور الناس بالندم يقودهم إلى فهم أحداث الحياة، ويمكّنهم من إيجاد بلسم شاف لأخطائهم التي وقعوا فيها.
في السابع من آذار/ مارس الحالي أطلق آلاف الشبان العراقيين على مظاهرة يوم الجمعة في ساحة التحرير ببغداد اسم “يوم الندم”، بدلاً من جمعة الكرامة، لتزامنها مع موعد الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي، وتعبيراً عن ندم المشاركين في تلك الانتخابات، التي أوصلت الطبقة السياسية إلى السلطة الحالية، وشعورهم تجاهها بخيبة أمل كبيرة لأنها لم تعمل شيئاً لإصلاح الخراب. 
من يقرأ أساطير العراق وتاريخه القديم والحديث يكتشف أن ظاهرة أو سيكولوجيا الندم ملازمة للشخصية العراقية، وقد تكررت عقب العديد من الكوارث والمآسي التي شهدها البلد، ففي أسطورة “نزول عشتار إلى العالم السفلي” يُختطف إله الرعي دموزي ليحل بديلاً عن زوجته عشتار (الامتداد البابلي للإلهة إنانا السومرية)، بتدبير منها، في عالم الموتى. وعند غياب دموزي يضمحل الخصب ويعم الجفاف في الكون، فيمتلأ قلب عشتار حزناً على حبيبها ويصيبها الندم على تسليمها إياه إلى الموت، ويشاركها شعب بلاد الرافدين في النحيب عليه، ويمارس طقس الندم الجمعي حتى تجري قيامته من جديد، عندها يبدأ الخصب في الربيع بعد الموت والجفاف، وهكذا تبدأ دورة الحياة..
يقول المقطع الأخير من النص السومري للأسطورة: “مات دوموزي، وبموته يدب الاِصفرار في النباتات، وتسير الحيوانات صوب الانقراض، وتعبس الطبيعة، وتُرَنَّم أغاني الحزن بعد أن أصبح الجحيم مسكن دوموزي. الندم دبَّ في قلب إنانا فتعاونت مع أُخت دوموزي كيشتين- آنا- كرمة عنب السماء، لتنشله من براثن الموت. وبعودة دوموزي الدورية إلى الأرض تدب الحياة من جديد وتعمُّ المسرة كُلَّ الكون وتتجدد الحيوية في كُلِّ المخلوقات، فتنمو الأعشاب والأزهار لتغطي المروج، وتتحرك الأجنة في الأرحام، وتكبر عناقيد البلح، وتصدح أناشيد الفرح”.
في أسطورة بابلية أخرى هي أسطورة “إرّا” (إله الطاعون والدمار) يتخلى له الإله الوطني “مرودخ” عن العرش مؤقتاً ليقود حرباً لإخضاع البشر الذين يتمردون على الآلهة ويقلقون راحتها، فينجح في السيطرة عليهم وإخضاعهم بالقوة، لكنه يندم على فعله الدموي، ويقنعه وزيره بتوجيه ضرباته إلى أعداء بابل.
بعد استشهاد الإمام الحسين في فاجعة كربلاء، على يد جيش يزيد بن معاوية، شعر الكوفيون بالندم لأنهم خذلوه وتقاعسوا عن نصرتهم له، وهم الذين بايعوه خليفةً وأرسلوا إليه الوفود ليأتي إلى الكوفة (عاصمة الخلافة أيام أبيه الخليفة علي بن أبي طالب) ويخلصهم من ظلم الأمويين، فكان ذلك الندم من أهم عوامل ثورة “التوابين” على السلطة الأموية، فضلاً عن تهيؤ الأجواء والظروف، خاصةً أن سليمان بن صرد وأصحابه خرجوا من السجن الأموي ثائرين. 
في صبيحة 14 تموز/ يوليو عام 1958 وجه الانقلابيون في بغداد الرصاص إلى العائلة الملكية، ولم تكن سوى جمهرة من النساء فيها رجلان لا غير: الملك فيصل الثاني الذي أحبه أغلب العراقيين، وانتظروه سنيناً منذ اغتيال أبيه الملك غازي، وولي العهد الأمير عبد الإله. كان الجمع المستسلم يحمل المصاحف والرايات البيض، لكن جنود الانقلابيين فتحوا النار عليهم، رغم أن الملك أرسل مرافقه الضابط من الحرس برسالة يوضح لهم فيها استعداده للتسليم سلمياً ومغادرة العراق. أما رئيس الوزراء نوري السعيد، فقد قُتل أيضاً وسُلِّمت جثته مع جثة الأمير عبد الإله إلى مؤيدي الانقلاب لسحلهما بالحبال في الشوارع.
بهذه الطريقة البشعة تصور هؤلاء “المتعطشون للحرية” أنهم قد أصبحوا أحراراً… وحين استبدت بهم الأنظمة الجمهورية، وسرقت ثروات بلدهم، أعلنوا عن ندمهم وأسفهم، وكان في مقدمة هؤلاء عدد كبير من ضباط الانقلاب الدموي، ولسان حالهم يقول كما قال الكسعي (راعي الإبل):
نَدِمْتُ ندامة ً لو أنّ نفسي       تُطاوعني إذاً لقطعتُ خَمْسي
    تبيَّنَ لي سَفَاهُ الرأيِ مني       لَعَمْرُ أبيك حينَ كسرتُ قوسي   
رغم أن العراقيين عانوا معاناةً قاسيةً جداً، لم يعاني منها أي شعب آخر، خلال عقدين ونصف من حكم صدام حسين الاستبدادي (حروب، قمع، عسكرة الحياة، هيمنة الحزب الواحد، وحصار شديد الوطأة… إلخ)، فإن أشكال الدمار والكوارث التي أصابتهم، نتيجةً للاحتلال الأميركي لبلدهم عام 2003 (العنف الطائفي والإرهاب، التهجير والتشريد، المحاصصة، الفساد الإداري والمالي، الآفات والأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية، نقص الخدمات الأساسية، البطالة، النفوذ الإيراني، تراجع الحياة المدنية، تدني مستوى التعليم، انتشار المخدرات… إلخ)، قد دفعت مئات الآلاف منهم (لن أقول بضعة ملايين تجنباً للتهويل) إلى الترحّم على العهد السابق (بعضهم كان مناهضاً له) والندم على تأييده لإسقاطه في الأيام الأولى، ولعل من بين أكثر الرسائل تعبيراً عن الحال في العراق “الجديد” تلك التي تلقاها أحد الكتّاب العراقيين في عام 2005 من شخص اعترف فيها أنه من “فيلق بدر”، وقال “لا ينفع الندم الآن بعد أن حطمنا بأيدينا ما كان لدينا من خير وأمن واطمئنان وخدمات وكرامة وامتيازات بعضها نادر في العالم”.
ترى هل ستكون مظاهرة “يوم الندم” في العراق، التي رفعت صورة مواطن يعض إصبعه المصبوغة باللون البنفسجي (علامة المشاركة في االانتخابات البرلمانية) تاريخاً فاصلاً بين الندم والوعي الجمعي لأي اختيار قائم على اليقين؟
* ناقد وروائي عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *