حنون مجيد: فندق البخلاء ..

       سيدتي..اجّلي  الان القراءة في كتابك ” الملذات الكبرى” ، كالحب والصداقة والكرم والزهد والفقر والوفاء وحسن السيرة واشياء اخر ، وانصتي لي، فقد يكون طريفا وقديكون ممتعا كذلك ،هذا الذي ساحدثك عنه ولن يكون عجبا ، ان عرفتِ تفاصيله كما عرفت‘ واطلعتِ كما اطلعت..ساروي لك كل ما شاهدته او لمسته في عالم لم تعرفيه من قبل.                                             حقا كنت أصبو بلهفة حارة ، قبل ان تكلفني الجريدة التي اعمل محرراً فيها ، الى معرفة ما ينطوي عليه من اسرارعصية او باطنية في ادق تعبير، عالم مغلق يدور في جنبات فندق قديم اسمه فندق البخلاء.                                                                                                شيء مغرٍ ، قلت ، فمن منا لا يريد ان يعرف اسرار العوالم المغلقة ، ان لم يعشقها، ثم من الذي لا يغامر ، ان كان في ذلك مغامرة ، من اجل الدخول فيها ومعرفة مغاليقها ؟ هذا اذا كان الامر ، وهذا ما كنت اهواه ، يتعلق باسرار الناس ، فهو مثير لاهتمامي بصورة لا ادرك ما وراءها ، ان لم تكن نصيحة قديمة غرسها في راسي رجل عابر عن صدورالناس ، “أثمن الصناديق المغلقة” .                                                                                                    ان رغبتي وقد تضافرت مع رغبة الجريدة ، صرفتني الى العمل بكليتي وبشهية قد احسد عليها ، مع يقيني بانني لن اخسرشيئاهناك ، فشاب له مطامح مثل مطامحي وجسد يغالب شتى المصاعب والمفاجات مثل جسدي ، لن يهاب ما قد يعترض طريقه من مشاق ، وما قد يصدر من نزلاء جل همهم ان يعيشوا حياتهم الخاصة دونما تكاليف.
  لا احد يعرف كم كانت خطواتي سريعة خافقة ، تتدفق ، مع الدم الذي يسري فيها ، لذة عاتية بان سعادتي ستكون كبيرة ، حينما اكتشف لغز هذا العالم المتفرد ، الذي ضم جناحيه عليه فندق وحيد في مدينة كبيرة تصطخب بمئات الفنادق المغايرة ، ويعيش فيه ناس ذوو سمة واحدة يختصون بها ولا يختصون بغيرها.
  الفندق هذا ، وعلى خلاف الفنادق الاخرى ، ذو مدخلين، مدخل للنساء ، ومدخل للرجال، يبدا كل منهما بسلم لا يتسع في حدوده القصوى الا لشخصين متقابلين او متجاورين، وهو مكون من طابقين واسعين يحتويان عدداً كبيراً من الغرف بمساحات مختلفة ، بني على هيئة قوس منطوٍ الى الداخل ، منزوٍ في زقاق مقطوع معتم ، نوره شحيح ولا صوت فيه غير ما يشبه الهمس المبحوح ، لافتته الرئيسية صغيرة الحجم كتبت بخط رقعة رديء ، حركة نزلائه محدودة ومحددة بالذهاب للعمل والاياب منه ،  والعلاقة بالحمام و دورة المياه والصالة التي لا يجلس فيها الا نفر قليل.
بدأت بسلم الرجال، ارتقيت درجاته المتآكلة عصرا ، والقيت نظرة عامة سريعة خاطفة ، رايت فيها ابواب غرفه مغلقة او مواربة ، واصحابها في غياب تام اما لنوم القيلولة ، او التفرج على التلفاز ما دام لا يترتب على هذا نفقات مادية ، وعلى مدى الساعات التي يقررها صاحبه عادة.
 اثناء ارتقائي السلم ، هبط رجل في نحو الثلاثين، يلبس ملابس لم تكن جديدة تماما كما لم تكن نظيفة تماما كذلك ، يحمل حقيبة ملابس ليست كبيرة . وحتى يتيسر لكلينا مرور سليم انحرف ما امكنه عن طريقي ، بيد ان كتفي ضرب كتفه المائل نحو الحائط فاحتك به ، سمعته يطلق كلمة قصيرة مضغوطة انحدرت مع خطاه الراحلة ، وغابت معه في فضاء الشارع  ولم تخلف في نفسي الا اصداء شتيمة عابرة تلاشت بعد لحظات.
 يقبع صاحب الفندق خلف منضدة في غرفة تحاذي فوهة السلم العليا . الغرفة هذه صغيرة مفروشة بفراش قديم ، توزعت على مساحتها المحدودة كنبات ثلاث سمر ، ولها باب نصفه الاعلى مزجج بزجاج رقيق .
نزعت من على كتفي حقيبتي وضعتها على الارض..قلت :
– مساء الخير.
رد بلطف:
– مساء الخير.
قلت:
– الديكم سرير للايجار؟
– ليس سوى سريرواحد شاغر، في غرفة فيها سريران.
 اذن شاغله السابق هو ذلك الذي قابلني منذ قليل،  وساكون مع نزيل آخريمكن ان افيد  منه في معرفة خصائل هؤلاء الناس ،وان كنت في الحق اريد السكن وحدي ، لاتحرك كيفما اشاء واكتب ما اشاء وانام متى اشاء، ولما لم اكن سكنت فندقاً من قبل ، وعرفت ناساً من اولئك الذين ينامون في الفنادق تضايقت قليلا ، اذن ساحط رحالي مع نزيل غريب وانا لا اسيغ ذلك، فالناس صنفان واخشى ان يكون جاري من صنف الاشرار.
– لا باس.قلت.
  ضحك الرجل ضحكة قصيرة ، بانت من خلالها طلائع اسنان معتمة ، اكلتها السيجارة المعلقة ابدا على فمه ، فعزوت الى ذلك سوء صحته.كدت انصحه ليستعيد عافيته ، بان يسرع الى قطع التدخين وقلع ما تبقى من اسنان.قال:
– كل زبائني من الاخيار. فكما تعلم ان الشرشيء مكلف وذو ثمن باهض .وزبائني لا يتعاملون مع شيئ يقتضي اي نوع من انواع التكاليف، ولا سيما الفائض منها، وهي كثيرة جدا كما هو معلوم.كذلك انهم ،كما ستلمس،قليلو الاتصال بالعالم الخارجي لاسبابهم الخاصة بهم ، واذا كان يشاع عن ان البخل يربك المواعيد ويقضم ازمانها ومن ثم نهاياتها الواضحة ، فانه في الحقيقة يهذبها وينظم فوضاها ، وخذ مثلا عما سيكون عليه الحال ، لو ان الجميع هنا اتصلوا وتكلموا على هوى سواهم وبأعلى اصواتهم.
بدأ حديثه يستحوذ على اهتمامي كصحفي يفيد من كل ما يرده..قلت:
– حسن ، انني ابحث عن هذا ..عن حياة هادئة لا خوف فيها ولا تكاليف.
– نعم تماما ، فكما ان الشر مكلف فالخوف هو الاخرمكلف ايضا ، سواء أكان ذلك في الهدر النفسي ام في التفكير في طلب النجاة ، وكلاهما مما يضيق على الحياة او يقصر العمر.
سقط نظري على زجاجة مؤطرة باطار من خشب قديم ، يحيط بنص غامض للعتمة التي تتفشى في عموم المكان،  تبينت بعد لأي ان ما اراه شهادة جامعية عالية تصدرتها بترتيب ، خاص صورة الرجل شاباً .. قلت:
– شهادتك يا استاذ؟
عطف رقبة رفيعة وقال:
– نعم.
– وصاحب فندق كذلك؟
– صاحب فندق فقط..لا علاقة لي بما تشاهد الان.
رفع يدة بتؤدة ، ولفها حيث تربض الشهادة أعلاه.
بدات اتفرس في وجه الرجل ..وجه دقيق شاحب لا يتراءى من خلاله اثر لصحة ما.
كدت اصاب بالدوار..فركت وجهي باصابع يدي كمن يحاول استعادة وعيه او تنشيط ذاكرته ، ثم رأيت ان لا طائل من سؤاله عن المفاضلة بين الفندق والشهادة ، ثم لكي اغير مجرى الحديث والافادة مما يفضي الي به  سالته ، عن طعام الفندق وهل يمتلك ميزة عن الطعام في المطاعم الكثيفة المنتشره هنا وهناك، افاد بان من ميزات طعام فندقه ، جودة التحضير وسرعة التجهيز و”اللطف” في السعر، ثم اردف بان لهذا الطعام ميزة اضافية اخرى ، فهو قليل الملح وكذلك السمن ، اضف الى ذلك التحكم الصارم في مقاديرالتوابل، كالفلفل والكركم والبهارات ، اما السكرفمعظم نزلائنا يفزعون منه ، نحن هنا نراعي متطلبات الصحة مراعاة تامة ، وقد لا تجد مطعما في العالم كله يعنى عنايتنا بذلك ، اننا هنا – يؤكد – نهتم بالنتائج ، والاساليب لدينا مقدمات. وحقيقة اغراني كلامه هذا على سؤاله مرة اخرى: 
– وهل يتوافد عليكم نزلاء جدد؟
– ليل نهار، ولا مجال لاستقبال احد، وها انا افكر بانشاء فندق اخر، فنادق المدينة جميعا لا تسع هؤلاء.
قلت :
– اذن كم انا محظوظ !
نظر في عيني نظرة مقتصدة، غائرة في العمق وقال:
– لقد اخترت ان يكون الفندق هذا في زقاق ، ولاسيما هذا الزقاق الذي لا مارة كثرعليه ، اذ هو مغلق النهاية  ولا يتفرع الى ازقة اخرى قد تجلب لنا متاعب ، او تستقطب اسماعنا الى فوضاها المؤذية، وانت ذكي ، كما يبدو، ولماح لتعرف ضرر الفوضى على الناس عامة، ثم انها غالبا ما لا تعود بسعادة على احد.
 اعرف ذلك، بل قل تدربت عليه ،منذ ان شاهدت امي تتصرف بنظام دقيق وحساسية مرهفة نحو ما يدخل في النفع الخاص ، ومنذ شاهدت ابي يحمد سلوكها ويتعلمه ، ليتفقا في النهاية على ان لا شيء افضل من الاقتصاد، وكأنهما جبلا من طينة واحدة ، يهددها بالدمار، كل آن ،  قدر غاشم عليهما ان يتفادياه ، ويستدعيهما في الوقت نفسه على الاحتفاظ بما لديهما في حرص دقيق مبالغ فيه. بيد انني ان اذكر لكِ ذلك فلن يفوتني ان اعترف بان امي كانت جميلة  ونظيفة كذلك ، وتهتم باناقتها وتستخدم عطراً اخاذاً يجعلني ابحث عنه في ملابسها .
– نعم هذا ما تآلف عليه ابواي ،اقصد النظام وعدم الفوضى .
تألقت عيناه بوميض لم اشاهده فيهما منذ لحظات لقائنا.
– جميل ان تقول ذلك ، رد واضاف ، جميل جدا ، بل من النادر ايضا ان يتوافق زوجان على مبدا سلوكي واحد وبهذه الصيغة الفريدة ، اتعرف ذلك؟ كل هؤلاء النزلاء تركوا بيوتهم فراراً من ازواجهم او ابنائهم لاختلاف في المزاج او سوء في التقدير.
– لقد كانا كذلك ، بل كنت اجدهما في نهاية الامركلأً يصفق للاخر ..ان سعادة طريفة كانت تغمرهما .
ضحك الرجل وكان يراود حنجرته سؤال ما لبث ان طرحه قائلاً:
– واين موقعك منهما؟
– غريب..كان عالمهما مغلقا وصعبا ولم اتعرفه تماماً.
– اما كان ينبغي عليك الاتساق معهما ، لتشكلوا حالة نادرة يصعب تصديقها في هذا الوجود ، الذي اضفى على الشخصية الواحدة ثلاث شخصيات؟
رددت :                  
– نعم . انت تقول الحق ، كنت بحاجة الى ذلك ، ولكن اضجرتني الوحدة الشديدة بينهما.   
  ولكِ ان تعلمي انهما كانا يسمعانني كلاما جارحا ، مفاده بانني امسيت فائضاً في هذا البيت ، وانهما ليسا بحاجة الى احد. كما انهما لا يملكان مالا زائدا لاعالة عاطل!                                    وبالرغم من انني ولدهما الوحيد تخليا عني ، ثم انني والحق يقال لم اكن متساوقا مع سلوكهما وافكارهما تماما..كانا يقرعانني على ما انفق من كهرباء وماء ، وحتى على عدد مرات الذهاب الى الحمام .
– ثم ؟ ..سالني فجاة.
– وجدت عملا  في مقهى اصنع فيه القهوة والشاي واوزعهما على الرواد وابيت فيه .    وخلال شهر او شهرين اصبحت اثيرا عند صاحبها، لانني اقتصدت له في كمية السكر في الاقداح والفناجين، فاحدثت خلخلة في عقول الشباب هناك في ما يتعلق بنسبة السكر فيهما ومقدار ما يلحقه بالصحة من اضرار،ولكِ ان تعلمي كيف انفرجت اسارير الرجل
الذي استدار الى شهادته، وحول صورتها الى الحائط متذرعاً بانها تجلب له كثيرا من الاسئلة وفائضاً من الاجوبة.
 سألني،ان كنت عملت عملا اخر من قبل وهل احمل شهادة ما؟ ذكرت له انني تخرجت في كلية الهندسة منذ اربعة اعوام ولم اجد عملا ، ثم لما ضاق بي والداي فكرت في العمل فلم اجد غير هذا اولا،  ثم ها انني اعمل مراسلا لصحيفة محلية اكتب التقارير، واجري التحقيقات وانقل الاخبار، واتابع الحالات التي تستقطب اهتمام القارئ العام، ولعل من بوادر سعدي، ان الجا الى هذا الفندق الذي لفتتني اليه الرقعة الصغيرة التي كتب عليها اسم الفندق ، وخط الرقعة الذي كتبت به ،والاقتصاد في تكاليف اللوحة ثم الموضع الذي وضعت فيه ،بحيث لا تاكلها الشمس ولا ينال منها المطر..ان تفاؤلي بما سوف اقدمه للقارئ من تحقيق يتعدى حدود مطامحي، فقد يحظى باعجاب عدد غير قليل من القراء ،على العكس من تحقيقات سابقة لم احقق فيها شيئا يذكر، ذلك ان هذا التحقيق يمتاز بقرب شديد من نفسي.
 فتح عينيه على سعتهما..انه يسمع كلاما جديدا فيه ثناء واطراء.شكرني على انطباعي هذا ورحب بي.صمت لحظة ،ثم باشر الحديث بعد ان خرج رجل من غرفته، متوجها الى غرفة الحمام بخطى ثابتة وكانها محسوبة:
– ساردفك الى جوارهذا الشخص في الغرفة رقم 6.هو محام وقدرته على الكلام فائقة. لكنه لا يتكلم الا نادرا وغالبا ما يستخدم الرموز او الاشارات في حديثه. لا علاقة لك به، بل لا علاقة لاحدكما بالاخر، كل ما في الامر انكما نزيلا غرفة واحدة.
   برزت امام عيني المهمة التي قدمت من اجلها.. قلت:
– لا باس ولا مانع لدي بالرغم من انني لا احب المحامين كثيرا واتجنب المحاورة معهم، لانهم غالبا ما يقحمون في احاديثهم ما سبق ان لقنوه من نصوص جامدة،  بمناسبة وبدون مناسبة.
– اذن لنمضِ اركَ سريرك واعرفك على جارك ما دام عاد الى غرفته، ومنذ اللحظة  انس ما دار بيني وبينك ، وتعرف طريقة زملائك في السلوك واغنم من وجودك هنا قدر ما تستطيع ، لتكتب قدر ما تشاء.
تقدمني نحوغرفتي، شق طريقه عبر صالة اطفئ تلفازها وجلس هناك على كرسيين متجاورين نزيلان شابان متشابهان غلب عليهما الصمت. اشر نحوهما باصبع خفية ان هذان شقيقان، تركا زوجيهما الشقيقتين بعد ان ملّا طلباتهما . لا يهمك امرهما ، فهما الان ممسوسان متوهجان بالريبة والشكوك . لا تسلم عليهما بل لا تنظر اليهما واكره ما يكرهانه تحية الراس حين تخفض لهما راسك ثم ترفعه.تجنب النظر اليهما وكانك لم ترهما الا اذا رمت الافادة من وضعهما الخاص،  هنا عليك ان تعرف الطريقة التي تتوسلها اليهما. في هذا الفندق تستطيع ان تكتشف اشياء كثيرة او تكتب عن اشياء كثيرة بالمراقبة الحية والذكية والصارمة معا ، فأعلى باب كل غرفة هناك شباك مزجج بزجاج ملون، ترى الناس من خلفه ولا يرونك ، هذا اذا كنت تبتغي معرفة طرق تصرفهم او كيفية تعاملهم وهم يمشون أو وهم يجتمعون ، من يكلم من ومن يتجنب من،  وعلى العموم  فالعلاقات هنا قائمة على الاختزال والتكثيف ، واي افراط يولد الشك وكما تعلم فان الشك افراط في توليد المشاعر المؤلمة على وجه ادق.
قلت:
– ها انني اتعلم حقا ، بل لقد تعلمت كثيرا واحسب ان هذه هي فرصتي السعيدة لاحقق غايتي فبعد ان ادخل غرفتي ستناط المسؤولية بي، بي انا وليس بأحدغيري.
عقب قائلاً ونحن نصل الى الغرفة المقصودة:
– لقد انتهى التفصيل في الكلام ، فمنذئذ ستعرف كيف تحييني اذا اتفق وعدت للحديث معي .ما دار بيني وبينك الساعة من قبيل الممهدات لاي نزيل جديد، وهو مستقل عن حدود عالمنا الداخلي الذي ستعرفه جيدا .
طرق الباب طرقة  اطل من ورائها وجه المحامي.
– جارك.
رمى الكلمةالواحدة وانصرف.
طفحت على جسدي رعشة خفيفة من الضيق وانا اقول:
– مساء الخير.
 اكتفى جاري بان قال: أهلا.
 تاملت الغرفة ، سقفها ، حيطانها ، سرير نومي، فراشي، درجة نظافته واهليته لنوم مريح واستقبال زائر جديد،  القيت بحقيبتي على الارض ، أنّت نوابض السرير تحت جسدي..ها انا  في عالم سبق لي ان عرفت شيئا عنه ، لكنه هنا جديد ، جديد تماما..كانت امي تقول لوالدي صباح الخير فيرد عليها بصباح النور، ياكلان معا ويشربان معا ، وقد يتقاسمان السرير مرة او مرتين في الشهر. كنت اسمع منهما انهما لم يعودا شابين حينما يكتفيان برغيف واحد في الوجبة الواحدة ، لا يتصلان باحد قريب او بعيد ، واذا اتصلا فنادرا والا حيث تكون لهما منفعة في ذلك ، لا يكتبان الرسائل الا بحدود الحاجة القصوى ، وكلمة او كلمتان لايصال المعنى لا غير ، الاثنان لم يتقاعدا، يكرهان حيازة السيارة ولا يفكران بزيارة احد ، واذا حصل العكس برما بالزيارة ، لما يترتب على ذلك من نفقات في الشاي والسكر واحيانا في بعض اقراص البسكويت . وبدعوى الحرص على سلامة الضيف من الاصابة بالسكري ، التزما باضافة ملعقة صغيرة من السكر لكل استكان شاي ، ومن الغريب ان كل الضيوف لديهم على درجة واحدة من القبول والترحيب ، ما دام القادم ياخذ منهما وقتا وطعاما ، اما الضيف الثقيل الذي لا تحتمل زيارته ، فذلك الذي يستصحب معه اطفاله ،اؤلئك الشقاة الذين لا راد لطلباتهم ، فهم يطالبون بالمزيد من السكر ، ثم انهم يتجرؤن فيفتحون البراد ، ليتناولوا ما قديجدونه فيه من فاكهة قليلة او حلوى بائتة ، منطويان على ذاتيهما وعالمهما “الجميل” الخاص الذي صنعاه بايديهما ، وكثيرا ما تداعى الى ذهني تصورمفاده ان سبب البخل انطواء ،اوسبب الانطواء البخل، او انهما متداخلان لا فاصل بينهما ، فنحن في عالم لا يعرف بعضه بعضا ، لكثرة ما تداخلت اشياؤه في اشيائه وامسى من الصعب الفرز بين هذا وذاك ، آه .. علي ان اخلع ملابسي لاستبدل بها ملابس النوم، دشداشة شكرية اللون، جلبها لي والدي بمناسبة تخرجي في الجامعة قائلا انها تضم جميع الالوان، ولا ادري حتى اليوم كيف انها كذلك. الغرفة ضيقة لا دواليب لحفظ الملابس فيها ، بل هناك مسامير مثبتة على حائط منها ، تعلق عليه الملابس وتحميها ، من قشور الصبغ وبعض الهباب العالق عليها ، اوراق صحف محلية ثبتت تحت المسامير مباشرة بشرائط لاصقة شفافة او بمساميردقيقة ، من تلك قصيرة الساق المتوجة بقباب صغيرة ، صفراء او بيضاء او حمراء وغير ذلك من الوان اخرى. لقد تبين لي حال استخرجت دشداشتي من حقيبتي ، ان المحامي على ذوق حينما اولاني ظهره واهباً اياي فرصة تغيير ملابسي بعيدا عن انظاره فانا ، لا يروق لي ان يخلع الرجل ملابسه الخارجية ليلبس غيرها تحت انظار الاخرين. وانني لأعتقد ان هذا امرخاص بي، والا فما الذي يفعله اربعة رجال في غرفة واحدة لكي يغيروا ملابسهم ، سواء اكانوا اصدقاء ام غرباء ،غيران يفعلوا ذلك وهم يتحادثون او وهم يغنون حتى. الرجل شريكي ما يزال موليني ظهره ، ساخرج للحمام لكي اعلن له عن الانتهاء من عملي ، ولكي يستعيد وضعه الاعتيادي، ولما لم يكن في الغرفة غير نعل واحد يستخدم للذهاب الى الحمام ، انتعلته ومضيت.في طريقي شاهدت الاخوين الشابين.اشحت ببصري عنهما لكنني سمعتهما يتحاوران بشاني:
– نزيل.
– آ.. رد الثاني.
– جديد.
– آ..
– موظف.
– ربما.
مهما كان اقتصادهما في اللغة شعرت بهجة تغمرني ..هذه بادرة جيدة لوعي النزيل بالنزيل الاخر.
– متزوج؟
– ربما.
امتدت بينهما لحظات صمت انبعثت خلالها اغنية شجية لم اعرف ان كانت من بيت مجاور او مقهى او زاوية من زوايا الزقاق القديم ،قطعها احدهما :
– اندعوه؟
– اياك .
– آ.. تماما.
– غريب.
– صحيح.
برز من الحمام رجل عطف رقبته عني ولم يرد على تحيتي ، سمعته يردد هامسا بما يفيد بانني  قد أطلب صابونته، ومن يعير حاجته اليوم؟
 عندما دخلت الحمام ، فطنت الى ان الحمام غيرمزود بقطع الصابون، ولم اكن املك واحدة من ذلك في حقيبتي ، كذلك وانا اخلع ملابسي ، تذكرت انني تركت منشفتي في الغرفة ، والحمام غير معني بهذا كذلك. وضعت جسدي تحت ماء الدش قائلا ، على طريقة اهلنا قبل مائة عام حينما كانوا يغتسلون ، او يلقون بانفسهم في النهر. لبست ملابسي على جسد كان ما يزال الماء يقطر منه ، بعد ان سمعت طرقا على الباب..اه ، نعم ، قلت، قبل ان يطالعني وجه مرتبك اشبه ما يكون بوجه المغلوب على امره.قبل ان اخرج تماما دلف هذا بنصف جسده الى الحمام ، وترك لي اغلاق الباب عليه .سمعته يطلق كلمات سريعة . قبل ان ينتهي من مهمته ، سمع طرقا شديدا على الباب…انتظر لحظة لم اكمل بعد. فتح الباب سريعا وانصرف.
شئت ان اجلس في صالة الاستقبال ، لاراقب المشهد المستمر من والى الحمام ،ثم لافكر في خلق فرصة قد تتيح لي حواراً ولو مقتضباً مع الاخوين احدهما او كلاهما.
 سيدتي: ما يزال كل ما يحصل يسير على هيئة ادوار سريعة ومزدحمة، ولكن بالرغم من شدة ذلك فلا صراع ولا عراك مما يخلف الندم اويشوه الحياة.ارهفت اذني للصمت السائد الان.. الاخوان صامتان لم يردا على تحيتي الا بالهمس، التلفازات في الغرف، الحركة في الزقاق، تباطئ الحركة في الشارع غير البعيد، ربما استسلم الجميع للنوم ، بخلاء في كل شيء، ترى هل البخل قرين الضعف الجسدي؟ كلا، فسوى صاحب الفندق وواحد هنا واخر هناك، فالنسبة العظمى من هؤلاء اصحاء ، والداي قويان وهذان الشابان اللذان غادرا مجلسهما منذ لحظات قويان، المحامي مرصوص الجسد قوي، ومعظم هؤلاء الذين يروحون ويجيئون اقوياء ، انه حالة عصية على الادراك والتفسير..اتعرفين الان في اي زاوية من هذا الفندق المنكفئ الموبوء بالشحة والتقتير، اعيش؟ اذن اي جمال كانت عليه ، تلك السنوات التي قضيناها معا في الصفوف والاروقة ، في الحدائق الجانبية وعلى دكات الاسمنت، منفردين او مع الطلبة الاخرين؟ اتذكرين كم كنا نبكرلدخول الجامعة كي ننفرد بلقاء حار نتقاطف فيه قبلا تظل زادا لنا حتى انتهاء زمن المحاضرات؟ يا هدى  اين ولى ذلك الزمن الجميل وموجة البخل تسود حياتنا ليس في الفندق وحده انما في كل مكان؟ لو لم يكن والداي بخيلين وارغماني على ترك البيت لاختلف الامر..كنت خالي الذهن صافي البال لا احفل بشئ، حتى مراجعاتي الدوائرالحكومية محاولا التعيين وعذابي جراء ذلك كان يتلاشى في هدوء البيت، يذوب حالما أطا عتبة الباب ، المؤسف انهما لم يصبرا علي، فلم يستمرا على رعايتي حتى تتهيا لي فرصة للتوظيف ..كانا قنوطين بل جزعين.. هل كانا على حق ؟ لا ادري، كل ما في الامر انني لست حاقدا عليهما الان ، واعيش حياتي الجديدة الخاصة في غرفة في بيت يملكه زوجان مسنان ، وبالمناسبة فهما بخيلان وبخيلان جدا، لا يعبران عن حاجتهما اليّ الاّ كلما جن ليل او هبت عاصفة . ولعل من حسن حظي او حظهما انني كلما المّت بهما موجة رعب او خوف ،عبرت بهما الى شاطئ الامن والامان..الخوف يا سيدتي حالة مرعبة ولا سيما على الانسان حين يكون عاجزا او حين يكون محاصرا ، بل حين يكون بخيلا لان هذا الاخير لا يرى لأزمته الا منفذاً واحدا وقد يكون هذا مغلقاً.
 من عجبي ، انني لم اجد من الرجال هنا من سافر الى مدينة بعيدة من قبل ، ولا سيما المدن السياحية التي تجتذب اليها عادة مختلف الناس ومن كل الاعمار، وتحقق لهم كما هو معلوم مزيدا من المتع والفوائد ، ولا سيما ما يتعلق بالفضاءات الواسعة، والبحار العظيمة ،والمباني الجميلة ،والنساء الفاتنات ،فضلا على فوائد ومتع شتى . ولماذا اجهد نفسي ومالي وقد ضم هذا الذي امامنا العالم كله ووضعه بين عيوننا، وأشر نحو التلفاز.  كان ذلك  رجل في اواسط العمر، ياكل قليلاً ولا يدخن في اليوم غير سيجارتين ، ظهراً بعد الغداء، وليلاً بعد العشاء ، ثم اضاف من فوق رؤوس من التفوا على تلفاز الصالة ذي الشاشة العريضة ، وما اصدق من قال ، ان العالم اصبح قرية صغيرة ، بل قرية عصرية صغيرة، وحقيقة الامر انه لم يصبح كذلك الا بهذا وامثاله من وسائل الاتصال.  وكان التلفاز يعرض صورا مؤسية من صور الدمار الشامل ، الذي لحق بهاييتي اثر الاعصارالعنيف الذي عصف بها، ثم صورة ام عراقية تحتضن صغيرتها على رصيف وسط ، من شارع رئيس من شوارع  الكرادة ، مانعة اياها من اللحاق بدميتها التي طفرت من بين يديها وحلت تحت سرفات دبابة امريكية سحقتها بصمت ثقيل ، واخيراً بدأ يعرض في مشاهد تالية ، صوراً لبحر يعانق الافق في مداه البعيد ، ومئات من النساء والرجال شبه عراة ، يسبحون على مائه القريب والبعيد مثل دلافين ملونة ، واخرين  يسترخون على رمال ساحله الذهبي ، وغيرهم يتجولون عليه بحثا عن مكان لهم بين هؤلاء وهؤلاء، وكانت المشاهد تتلى في حسية مقصودة كانوا يتاوهون عليها، ولا ادري كيف ولماذا استولى على اهتمامهم وانصبت عليه افئدتهم اكثر من غيره ، منظر الغابة فجراً واصوات الطيور والهوام تتعالى في الاذان مثل كورس سماوي عظيم ، يحرك اغوارهم نحو شيئ ملهم مجهول ، وكانت الكاميرا الخفية تلاحق النور المتسلل اليها ثملاً ، يراودعلى حياء الفجوات بين اشجارها الملتفة المتكاثفة ، وحركة الحيوان اول احساسه بتباشير يوم جديد وما يتمخض عنه من اسرار ومفاجات، تتواتر على رفيف جنح او انتباهة عين هنا، و توتر اذن او ارتجافة خطم هناك، أو التفاف جيد او ارتعاشة جسد هنالك ، وكانوا تحت ما يشبه النشوة او السحر، يصيحون علانية الله الله ، ومن بعد يصمتون، تغيب ملامحهم لحظات ، ثم ما تلبث بعدئذ ان تتبدى عليهم  في الاخير ملامح البلادة والبلاهة ، اذ ما ان تمضي المشاهد حتى تصبح نسياً منسياً، فلا حزن على جرح  مكث ، ولا اسف على  جميل ولّى . يتفرقون، كل ياخذ سبيله الى غرفته على يوم قادم ياتي مثل سابقه ويمضي. هكذا هم يمضون ، كانوا حياديين ماخوذين بيومهم الذي يشبه النهر تمر عليه السفائن وهو غاف ، وهم على هذا متوجهون نحو دواخلهم السالبة ، لا يعرفون من الخارج الا قشرته ، لذا لم تجمعهم مناسبة او عيد ، لا يتبادلون الهدايا وليس بينهم من جهة وبينهم وبين غيرهم من جهة اخرى، تهان او معايدات ، وكثيرا ما ضيع عليهم الشح في الاتصال اعمالاً مدرة او اتصالات مهمة ، رفضوا ان ادون اسماءهم ، كما امتنعوا من التقاط صور لهم ، كانوا مدججين بسلاح لا ‘يفل ولا ‘يفك،  وكنت احسبهم في نهاية المطاف ، كمن وقعّوا على عقد واقسموا على المضي عليه. كنت لا اكتفي بمراقبة حالات وسجايا هؤلاء في الفندق حسب ، بل جعلت اتتبع من استطيع الوصول اليه في عمله ، ولا سيما من سهلت علي متابعته ممن يعملون في اعمال مهنية او تجارية . وجدت ان لأحدهم  مثلاً دخلا شهرياً يستطيع به ان يعيش سنة في بيروت ، وسنة نصف في طهران وسنتين في القاهرة ، كدت اهتف به ان يفعل ذلك ،ان يخلع ملابسه الهزيلة الهزلية ويقلع بجناحين فريدين ليغسل روحه هناك ، لكنني لم افعل فلربما كان في عقل الرجل ، ان البخل ايمان والعيش في رخاء كفر .
 الحياة يا هدى في هذا الفندق مقننة ، هادئة وساكنة ومسكينة  وتحتاج الى اعصاب وراثية ، فانا لا اعتقد ان البخل حالة اكتساب فهو مضن لا يطاق بل ، حالة وراثية تحمل جرثومته جينات بعض الناس أباً عن جد.اخبرك بان ما ينقص الحياة في هذا الفندق اشياء كثيرة ، منها الموسيقى والازهار ، وحفلات الافراح والولائم ،وهبات العطور من تلك التي تنبعث من او تتفشى في الغرف والابهاء التي تضج بالنساء المترفات ، ولكن والحق يقال ان لا اطفال هنا يفزعون الهدوء ، ولا رجال يقتلون الوقت بالدومينو والنرد. اتعلمين ان من بين نزلاء هذا الفندق نساء؟ نساء هجرن ازواجهن” الخونة” او “المتلافين” ؟  لهن دورهن الثاني من الفندق، وغرفهن الخاصة ، وحمامهن الخاص، ولهن رسائل وان نادرا جدا مع احبة وعشاق كما للرجال هنا كذلك؟ المشكلة في هذه الرسائل، رسائل الرجال والنساء معا اللغة المقتصدة التي تكاد تصل الى مستوى الاشارات او الرموز..لقدعثرت على رسالة دونها صاحبها على ورقة قبل ان ينقلها الى هاتفه ، او هكذا يبدو، ورماها تقول:
              ”  حبيبتي..شوقي ..حياتي..رقة قلبك..ليس غدا ” . 
ان ما يضايقني عمليا هنا ، هو ان اكتب قائمة بما تصطلح عليه هذه الرموز التي يتكلمون بها ويتفاهمون فيها ..ان علي ان امكث في هذا الفندق طويلا لكي افقه لغة هؤلاء الناس ، فهي مثل تكتكة الساعات ، حتى ان ضحكا يراودني كلما انعمت النظرفي حركاتهم ومقاييس مشيهم ، ولو كان الامر في حديقة او متنزه ، لو كان في فضاء واسع فيه جمال واشجار ونهر لكان الامر شيقا ،  ولقلت انهم يصنعون عالماً من الخيال خال من اي رتوش، لكن ان يحصل هذا في فندق منزو قديم فانه لامر يبدو كالمستحيل
واغلب الظن وبحسب مراقبتي ان هذه الرسالة اطول رسالة يكتبها بخيل هنا ، هذا بحسب ما قيض لي ان اسمع وارى ، وكذلك بحسب لغتهم المشتركة التي يتداولونها يوميا.واغلب الظن انه كان يريد ان يقول لحبيبته:
    “حبيبتي ان شوقي اليك كبير. وانت حياتي.. وتؤسرني رقة قلبك ..وان موعدنا قد لا       يتحقق غداً ”
وهذا يقودني الى ان من بين الرسائل المتبادلة ، ما لايفهمه الطرف الاخر تماما الا اذا امتلك مع مراسله الحاسة التي يمتلكها الخرسان ، هذا اذا كان اولاء ومثلما يبدو عليهم ظاهرياً ، يتفاهمون حقا على كل صغيرة وكبيرة وانني اشك في هذا، اذ قد يضرب الاول في الغرب والاخر في الشرق ، والا فكيف يفهم الاول ما يقوله الثاني من ان الوضع السياسي معتكر حتى الان بعد مضي ثماني سنوات عليه ، وما اكبر الغبن الذي لحق بنا حينما ذهبنا فرادى وجماعات الى صناديق الاقتراع وانتخبنا ، وان نوابنا الذين وصلوا الى البرلمان كانوا في الاعم الاغلب غير اكفاء ولا صالحين، وانهم على مقدار ماقطعنا من كيلو مترات لانتخابهم قطعوا لانفسهم من خزينة الدولة ذهبا ودولارات ..لا يا حبيبتي لقد كانت سنوات الدراسة تلك وما قبلها من سنوات قليلة ،هي سنوات عمرنا..   بلغت السابعة والعشرين ولم اتزوج ..اشعر بخفة في جسدي لولا اعباء الحياة الجديدة غير المتوقعة . فان يكون المهندس عامل شاي في مقهى شعبي اولاً، ثم مراسلا لجريدة لا يقرؤها عشرة قراء، فامر في غاية الكوميديا .الطريف انني خلال ايام اصبحت عامل مقهى ماهراً اصنع الشاي باتقان لأنني احبه .. اتعلمين لماذا ؟ لانه كان ، في طفولتي،  التعويض عن اكل الفاكهة المحرمة اوالحلوى المجهولة ، بعد الطعام. وربما هكذا هم اغلب فقراء هذا الشرق المدمن على الشاي !

نحو سلم النساء

  منذ ان ارتقيت سلم الفندق ، هفت نفسي الى ارتقاء سلم النساء ليس لمعرفة احوالهن هناك حسب ، فقد تحررت نسبيا من حذافيرية عملي الصحفي ولو على المستوى النفسي اولاً، انما لرؤية المراة كائنا اخر غير الرجل في مجال كهذا ، وفي بعض التفاصيل ، المظهرية منها في الاخص،  شكلها، جمالها، صوتها ، تعاملها ، ذوقها ، الوان ملابسها، استقبالها ، مما يدخل في دائرة اهوائي في الاصل ، وبعيدا عن مطامح صحيفتي. منذ صباي كنت  اقرن المراة بالصباح ، ولا ادري ان كان ذلك ناشئا من تلك الافواج من النساء النظيفات والجميلات، اللواتي يقدمن الى المصرف القريب من بيتنا للالتحاق بالدوام اليومي كل صباح ، ام من علاقتي المحمومة والحيية مطلقا بمدرستي الجميلة سعاد ، التي درستني النكليزية في سنتي الاولى من الدراسة المتوسطة ، والتي غالبا ما كانت تجلس فوق المساحة المخصصة للكتابة من رحلتي وتنظر مليا في عينيّ.
 على اي حال استاذنت صاحب الفندق الذي اخبرته  بمهمتي وبدوره ابلغ النساء، فارتقيت سلم الطابق الثاني وانا اردد مقولة زميل لي: المكان الذي لا يؤنث لا تعويل عليه .
      ولعلكِ لن تدهشي ان اخبرتك انني وجدت النساء اقل انسجاما مع اوضاعهن، واكثر هيجاناً، مع ما يبدو عليهن من نظافة في المظهر العام ، ولا سيما في ساعات المساء التي يقاومن فيها ما يسود انفسهن من عتمة غاشمة ، فينصرفن الى اعمالهن من طبخ وتنظيف ، او قراءة اوحياكة ، او التفرج على التلفاز. لقد رايت نساء منهن غشي عليهن ضجراً ، او سقطن اعياءً ، ثم ما ان تذكرن ازواجهن حتى عاد اليهن وعيهن التام ، فكل شيء الا اولئك.
  اول مرة بعد سكن دام عدة ايام في الفندق اعرف ، ان طعام الفندق يصنع بايدي النساء هنا ، ويتقاضين اجورا على ذلك ، لا سيما اولئك اللواتي ليس لهن دخل وظيفي كبير.     اما الاخريات من ذوات الدخل الاكبر، فلا شان لهن باحد غير انفسهن، وكثيرا ما تراءين لانفسهن ملكات او شبه ملكات وان كن بخيلات حتى ابعد الحدود . وكما هو حال الرجال مع الاخرين ، فقد كنّ منفصلات عن العالم الاخر من اقارب او اصدقاء ، بل وجدتهن اكثر انغلاقا من الرجال ، عدا ما تقرره شؤونهن الخاصة ، بل انهن لا يبادرن بالاتصال باحد عبر مكالمات او رسائل “فارغة” ، ولهن نظرة صارمة في اقامة العلاقة مع “الخارج ” الذي هو “ليس انا” ، “الخارج”  الذي يعارض شعارهن المبثوث في ارجاء طابقهن الذي يقول “انا الاول وانا مركز هذا العالم”.
  تجولت في ارجاء الطابق صامتا متوجساً اول الامر ، احسب لخطواتي حسابا إثر آخر، حتى انعطفت على احداهن متجاوزاً قشرة وجهها المعتمة ، حييتها تحية معرفة الاخر بالاخر فانفتحت اساريرها ، وتوهج لون دمها واذنت لي بدخول غرفتها، سالتها مباشرة عن سر وجودها هنا، واللجوء الى فندق هو في كل الاحوال لا يعدل بيتها .    اجابت بعد لأي بانها فزعت من سلوك زوجها فسئمت حياة بيتها ، فهو مبذر يعبث براتبه في مشتريات ليست “ذات قيمة بعيدة” للبيت ، ثم يعود الي بدعوى انه انجز واجبه وقد حل الدور على راتبي ليتطاول عليه ، وهكذا يحاول ان يستنفده على طريقة استنفاد راتبه ، الامر الذي يجعلنا وكاننا ندور في فراغ ، عندئذ ما كان لي الا ان أترك له مجموعة جراء ، بات عليه ان يتكفل بهم ، فلربما عاد الى رشده وارعوى ، عندئذ قد اعود اليه.
  في محاولة ثانية مع امراة اخرى وتحت يافطة السؤال الاول عينه ، اجابت هذه بان عهدها وزوجها انتهى منذ سنة زواجهما الاولى ، حين اكتشفت قدرتة ” الجنونية” على التبذير، واستهلاك نقوده على اغراض شتى “غير حيوية” و”غير تنموية”  ، فهو عاشق للكرم  ولا يعرف قيمة المال،  بل يتغنى بذلك ويقص القصص المثيرة حوله   .الكرم لديه قيمة عظيمة ، واعظم امنياته ان يقال عنه انه  “كريم”.
 لم اشا ان اسالها عن الاغراض الحيوية والتنموية ، فما ذلك الا استغلال الفائض من ماله  او مالهما ، لاغراض التوفيرفي المصارف والبنوك ، او توظيفه في مجالات تجارية ذات طابع ربحي على افضل تفسير.
   لم تكن الثالثة او الرابعة او العاشرة ، بافضل صورة ، للتعبير، مما كانت عليه او قدمته المراتان الاوليان.. الرجل غير مسؤول الا عن لحظته الراهنة ، لا يعرف شيئا اسمه المستقبل ولا متغيرات الحياة او صروف الزمان، ان عقول ازواجهن “جامدة مصابة بعقدة السخاء” . وهو سخاء لا مسؤول ولا مرتب .المنطق فيه غائب ، والمستقبل هلام او مجهول ، وفوضى الانفاق هي القائمة ، وبين هذا وذاك وجدت نفسي ميالة لترك البيت ، اذ اصبح لا يطاق ولا سيما حين يقوده رجل من هذا النوع.
 اغرب حالة وجدتها هنا في طابق النساء هو الاخلال بالمواعيد، فلا موعد الا هدر لاتفه الاسباب وبقلق غريب ، فبين ان تفي بوعدها لصديقتها وتذهب لملاقاتها عند العاشرة صباحا من يوم لا دوام فيه ، وبين ان تنسى او تتناسى حدود الموعد المذكور، تكون الحادية عشرة قد حلت ، ثم الغي الارتباط من جانب واحد حتى يصل الاشعار بان المراة في الجانب الاخر تنتظر، عندئذ تكون الموازنة المترجحة بين قيمة اللقاء وبين الاحتفاظ بالجهد ، اذاك يكون الجواب ، لكي تحتفظ بطاقتك كن حيث انت. يحصل هذا كذلك في طابق الرجال وان بنسبة اقل،  للفارق ، ربما ، بين طبيعة الجسدين ، وقدرة كل منهما على الخوض في طرقات ومتاهات ، لم تعد صالحة للمشي عليها او فيها ، لكي يتم اللقاء بين الناس هذه الايام.
  ليس من شك في ان عالم المراة هنا بالرغم من كل هذا وذاك ، اكثر دينامية من عالم الرجل، فهي غير مستكينة لوضع واحد تماماً ، كما هو الحال عند الرجل الذي يقضي وقته الفائض اما بالقراءة او التفرج على التلفاز او النوم ، بل هن شغولات متحركات ، يطبخن وينظفن ويقرأن ويسلين انفسهن ، وبقدر ما يتاح لهن من وقت ، بالجلوس امام التلفاز، او حياكة ما يحلو لهن من دمى او ملابس للاطفال ، تظل مصلوبة على جدران غرفهن د ونما اهدائها احدا. ومن طريف ما رايت من هذا القبيل ، صورة الحائط الذي انتشرت عليه مجموعة جوارب للاطفال ، بحياكة نظيفة والوان زاهية وهّاجة ، نظمت على هيئة فنية او هندسية وبحسب الوانها المختلفة ، فهي هنا مربع احمر، وهناك مستطيل اخضر ، وهنالك مثلث ازرق ، ورابع اصفر، وخامس برتقالي ، وسادس ابيض خالص البياض ، وكل هذه بحجم واحد طرّز بخيط مخملي ثر، حتى ان مشاهدها من ‘بعد مناسب ، يشاهد ان ثمة على الجدران باقات ورد.
  سالت المرأة صاحبة الغرفة عن سر هذه الجوارب ، ولماذا هي بحجم واحد ، وهل هي لاحد في واقعها او خيالها؟ كانت اجابتها مبهمة وهائمة في خيال بعيد، لم استطع القبض منه على شيء ، سوى انها صنعت هذه الجوارب لطفل واحد وسكتت.واظن انها لطفل لها تركته مع ابيه في سنته الثانية او الثالثة ، ولم يكبر في عينيها بالرغم من مرور سنتين على وجودها هنا.
  بينا كنت اسالها ، كانت المراة ذي تنهض من مجلسها ، وتبدا بشم الجوارب مجموعة بعد اخرى كما لو انها تشم ورداً مفغماً بالعطر ، ثم ما تلبث ان تنصرف كليا في هيمان مسحور الى مناغاتها ، مناغاةِ أمٍ طفلها الحاضر بين عينيها.
  ولعلك تعجبين ان قلت لكِ ، ان جميع نساء هذا الطابق يتميزن بنسب عالية من الجمال. وهذا ما حيرني تماما.  يستهويهن الحديث معي ، ويحاولن استبقائي اطول مدة للحوار معهن ، بالرغم من انهن موظفات او عاملات في دوائر فيها رجال، وفرص اللقاء المختلط  متاحة للجميع .
 ها هو الليل يطل ، لم انجز مهمتي كفاية ، فكل واحدة لديها مشروع حديث تحاول استنفاده معي ، شربت شايا كثيرا وقهوة اكثر ، وديس البخل بالاقدام ، ولا ادري ان كنت ساحتمل شرب كؤوس أخر . لقد اعجبت بواحدة منهن على وجه الدقة ، بيضاء في سمرة يافعة ، او سمراء في بياض مختمر. خليط من بياض وسمار، وعلى خديها قرصان ورديان طبيعيان ، وكانهما العلامة الاصلية على السلعة النادرة . كانت تود سرد حديثها معي حتى اخر الليل ، في وقت كانت تشيرفيه الى ضيقها بزميلتها التي تشاركها غرفتها واقل مرتبة في الجمال منها ، ولا تقدر مثلها على  الافصاح عن مشاعرها. كانت تلك تسرد علي قصصها مع زوجها وكانها من ماض جاف وبعيد، وتستغويني في الان نفسه بحركات مثيرة كانها الرقص على النغم الجميل.
  كنت ارى العذاب يتلون على وجوه النساء وانا اتخطر بينهن بقامتي المديدة وجسدي الرياضي وحركاتي الرشيقة وكنت ، بعد ان لمست عواطفهن نحوي ، ولكي احطم جدران البخل في معقلهن ، اصنع ذلك صناعة تغويهن وتلهب الحماس في قلوبهن.
 في المقابل كنت صارحتهن بمهمتي ، والغاية التي جئت من اجلها والحرص عليها .. لم اكذب عليهن ، لم اخاتلهن، كانت غايتي محددة ومعلنة امامهن، لماذا تركن بيوتهن، وكان سؤالا لم يفكرن به من قبل او بالاحرى لم ‘يسألنه ، وكن صادقات بريئات في الاجابة ، حريصات على بث لواعجهن  ولو بالاهات وبعض الكلمات ، فاشعرلحظة بعد لحظة بانني ، امام موضوع مغلق يرسم بابعاد قاسية طبيعة مهمتي ويحددها تماما،  فما انا الا ناقل حالات ولست دارسا او حلال مشاكل كما يقال.
                ” سلمت اصابعك ”
 تقول وتشير الى اصابعي  وانا ادون بعض الملاحظات بقلم مذهب ،ينث حبره الازرق على ورق صقيل .
                ” خطك جميل”
  تقول الاخرى و
                 “يدك سريعة”
 تعبر الثالثة ، اما
                 ” لابد من انك غير متزوج بعد”
فهي الاكثر ضربا على اذني وكذلك
                 “هل تنام في الفندق  وهل في غرفة وحدك وكم ستقضي هنا”؟
 ولا اكتمكِ ان واحدة مغرية ، في عينيها سحر وخيال ، تبرعت بمرافقتي في جولتي في غرف الطابق الكثيرة ، بحجة قيادتي وتعريفي بالنساء هناك . كانت هذه اكثر انطلاقا من غيرها واوسع لغة ، وكانما حلت عقدة لسانها بعد ان ضيفتني بما لم تضيفني به امراة غيرها ، وكذلك تلك التي تحررت هي الاخرى من الاقتصاد في لغتها ، وانطلقت تحدثني عن اسراف زوجها وعلاقاته الكثيرة بنساءٍ غيرها ، الامر الذي كان يحيلها الى كتلة غضب لم تجد منفذا الى صرفه او اطفائه ، الا بهجره والابتعاد عن حياته.  كل هذا وغيره جعلني اعيد النظر في نظريتي ، حول اصل البخل وجذوره الضاغطة ، ان كانت وراثية ام مكتسبة .نعم فبالرغم مما عثرت عليه من اسباب تتعلق بهجر اولاء النساء ازواجهن وبيوتهن ومعظمها  ناتج عن الاسراف،  فلقد عثرت على اسباب مجاورة من حيث المنشا والاهمية ، ولا سيما الواجبات الزوجية .
 ولانني افهم ان ذلك مما يدخل من ثم في صميم التكوين النفسي للحياة الزوجية ، وان لا بيت يمكن ان يستقيم الا اذا تطامنت هذه الاسباب جميعا ،بدات اتدارك افكاري السابقة لحظة بعد اخرى ، واخذت  اغير من مزاجي العام بما يستدعي  الاطياف الملونة البعدة والقريبة ، التي تراكمت عليها طبقات المشاعر الكابية التي تولدت مرة بعد مرة ، وكلما كانت هناك عزلة بين المراة وزوجها.
 لا انكر ان ذلك صعب على من له مهمة محدودة مثل مهمتي ، اذا قيست هذه بالواقع العام لعدد النساء هنا ، ولا اخفي القول ان الحرارة التي يبثها جسد المراة التي ترافقني الان،  وتلفح جسدي كلما اقتربت مني ، يعزز قناعتي بانني اقف على ارض متحركة  وان لا يقين على قناعة الا بنسبة ما.
 ومهما يكن ان الحياة في طابق النساء اكثر تلوناً ، حتى لو كانت هذه الالوان باستثناء لوحة الجدار “الجواريبية” محدودة وتسودها في الغالب عتمة دكناء. وما يمكن ان يقال كذلك وبوجه اعم ، ان ما يسود طابق النساء من الصمت والهدوء اقل مما يسود طابق الرجال ،  فالمراة هنا تتحدث مع نفسها وتناجي شخصا ذا علاقة بها ، ولا سيما عندما تنفرد بنفسها ، واخص ذلك قبيل النوم ، واكثرهن الى ذلك النساء الوحيدات المنفردات بانفسهن في غرف مستقلة.
 وانا في طريقي هابطا الى الطابق الاول أعدّ اوراقي وارتب افكاري وقد تجاوزت الساعة منتصف الليل ، كنت اسمع اصوات النساء تدّوم في الغرف ، ولا اظن ذلك الا نوع من التأسي او الشتائم ، ممزوجة بغضب يوجه سهمه على شتى الاتجاهات بما فيه الاتجاه الذي تقف عليه المراة هنا ..اعتقد اننا بحاجة الى خبراء في فهم الشخصية التي عليها البخيل ، والاليات التي تتحرك عليها قواه الداخلية ، والى اجراءات جديدة تكشف ما تنطوي عليه صيغة هذا الانسان الغريب.
 عموماً فانني لا اظن تماما ان تحقيقي هذا سيجد قبولا حسنا من صحيفتي ، اذ لا يوجد تحقيق دونما  صور أوأسماء ، وقد يشفع لي في محاولة تالية الوعد الذي قطعته على نفسي من زيارة الفندق المقابل الذي يدعى فندق الكرماء ، ففي هذا الفندق قد اجد ضالة نفسي من الاسماء والصور والحالات الي قد تثيرني الى الحد الذي يغريني على العيش هناك
تحيتي لك.           
                                                                                      2011

شاهد أيضاً

مريم لطفي: لم اعرف الطريق

لم اعرف الطريق.. ولاحدائق كانت لنا ارجوحة الحلم اطلالها هناك تاهت بين الركام وذلك الاديم …

عبد الجبار الجبوري: -الوقتُ أنتِ والرّيحُ حِصَاني-

لم ينقصْنا المَوتُ، فالحزنُ يمَلأُ جِرارَ بيوتِنا ويَفيضُ،والجنود عادوا من الحرب مهزومين،وأنا الخاسر الاكبرفي الحرب …

د.عاطف الدرابسة: العمر الهارب

قلتُ لها : توقَّفتْ الرَّسائلُ من بلادِ السَّماء وأرى الوجوهَ شاحبةً كالضَّبابِ وألمح النَّاسَ تروحُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *