بهنام باقري: دراسة أُسلوبيّة في شعر يحيی السماوي؛ ديوان “نقوش علی جذع نخلة” نموذجاً (ملف/14)

yahia 11إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.

المقالة : 
رسالة مقدّمة لنيل درجة الماجستير في اللغة العربيّة وآدابها
جامعة رازي – کلية الآداب والعلوم الإنسانية
قسم اللغة العربيّة وآدابها

الفصل الثاني:
المستوى الصوتي (هـ)

2-3-1- خصائص الأصوات :
للصوت أهمية بارزة في بناء المفردة والجملة ودونه لايتم الكمال المرجو ولا يمكن أن تستقيم بالشكل الأمثل. ولکل صوت من الأصوات سمات خاصة به تميزه، فاستخدامها في النص الأدبي يعطي مؤشراً يوصل إلی إدراك جماليات فنية أسلوبيّة من خلال انسجام الصوت مع المعنی. “العلاقة بين اللسانيات من جهة، ومسائل العروض والإيقاع الشعري من جهة أخری علاقة مؤکَّدة، متينة وراسخة؛ إنها اليوم بمثابة الحقيقة العلمية التي لم يعد هناك مجال لتجاهلها. وليس هذا بالأمر الغريب، فالشاعر حين يکتب قصيدته يضع الخصائص الصوتية للغته موضع التطبيق ليخلق تلك الوحدة الوزنية التي نسميها عادة بيتاً أو مقياساً عروضياً” . إذن؛ فالأصوات لها فاعلية جمالية ومعنوية وتؤثر في النشاط الإيقاعي؛ حيث تقوم بتوصيل المعنی ولها أثر بارز في البناء اللغوي للنص.

2-3-1-1- الأصوات المجهورة والمهموسة:
يصنف اللغوييون العرب الأصوات العربية إلی مجهور ومهموس، والجهر في الأصوات يعني القوة والشدة. والصوت المجهور هو “الصوت الذي تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق به والأصوات المجهورة في اللغة العربية کما ننطقها اليوم هي: ب، ج، د، ذ، ر، ز، ض، ظ، ع، غ، ل، م، ن، والواو في نحو (ولد، وحوض)، والياء في نحو يترك، بيت)” . ويری إبراهيم أنيس أنّ “الجهر في الأصوات يعني القوة و الشدة، فهو ناتج عن اهتزاز الوترين الصوتيين اهتزازاً منتظماً يحدث صوتا موسيقيا” . فالجهر حدة وارتفاع في شدة الصوت ما يثير التنبيه بقوة التأثير ووقعها علی السامع. أما الصوت المهموس؛ هو “الصوت الذي لا تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق به والأصوات المهموسة في اللغة العربية هي: ت، ث، ح، خ، س، ش، ص، ط، ف، ق، ك، ه” . فهو صوت هادیء، ناعم يتسم بالليونة ما يبعث علی التأمل وفيه ملمح من الحزن. ويری يوسف أبوالعدوس “الجهر سمة صوتية توحي بالقوة والرفض والتحدي، والجهر يتناغم مع ارتفاع الصوت، والهمس يتناغم مع انخفاض الصوت وهدوئه” . وبإعتمادنا على صفات الحروف المجهورة والمهموسة نستطيع أن نربط بين صفة الحرف ودلالته و إيقاعه وبين تلاؤم العاطفة والفكرة والإيقاع وتناسقها؛” إذ يلعب الجهر دوراً إيحائياً في وضوح الصوت؛ في حين يجسد الهمس دوراً سلبياً له؛ لأن علو الصوت يعتمد على معدل ذبذبة الأوتار الصوتية؛ فكل انغلاق وانفتاح للأوتار الصوتية في الحنجرة يؤدي إلى ظهور قمة في ضغط الهواء، لذلك يكون الصوت المجهور، أوضح من الصوت المهموس كما كشفت الدراسات المختبرية الصوتية” . وقد فهم الشعراء المحدثون هذا المعنى، وأيقنوا مدى الأهمية التي يضفيها الصوت على القصيدة من خلال دلالته المتميزة عن غيره من الأصوات، ولم يكن يحيی السماوي بمعزل عن هذا الفهم؛ فنری استخدام الشاعر الأصوات التي تتلاءم بصورة ما مع الجو النفسي والشعوري للقصيدة، کما يستخدم هذه الأصوات ليعبّر من خلالها عن فکرة أو معنی. فقد استطاع أن يلون قصائده بأصوات باتت قادرة على التعبير عن أعمق المشاعر وأكثر الأحاسيس شفافية وإرهافاً .وفيما يلي نماذج لملامح الجهر والهمس ودلالاتهما في ديوان “نقوش علی جذع نخلة” ليحيی السماوي:

يا صابراً عِقْدَينِ إِلاّ بضعةً عن خبزِ تنّورٍ وكأسِ فُراتِ
ليلاكَ في حِضْنِ الغريبِ يَشُدُّها لسريره حَبْلٌ من السُرُفاتِ
تبكي وَتَسْتَبكي ولكن لا فَتىً فَيَفكَّ أَسْرَ سبيئةٍ مُدْماةِ
يا صابراً عِقْدَينِ إلاّ بضعةً ليلى مُكَبَّلَةٌ بِقَيْدِ غُزاةِkh-yahia-12-2
يلاحظ في هذه القطعة تكرار الأصوات المهموسة بشكل عام؛ عبرت كلها عن لحظات الحزن والأسى، ليعزز الشاعر قصيدته بمزيد من الأصوات الهادئة التي تنسجم مع حالته الشعورية ففي الهمس ليونة وخفاء. فهذا التتابع لأصوات المهموس: التاء، السين، الکاف، أعطى همسا و راحة و ليونة؛ الشاعر في هذه الفقرة من قصيدته يتكئُ على حرف” الكاف” المهموس المتكرر في عدد من كلمات هذه الأبيات الشعرية، مثل (تبکي، تستبکي، فيفكَّ، مُکبَّلَةٌ، ليلاك، کأس، لکن) وکذلك حرف “التاء” في (بضعة، تنور، فُرات، سُرُفات، تبکي، تستبکي، فتی، سبيئة، مُدماة، بضعة، مُکبلةٌ، غُزاة) فهذا الترديد لهذه الحروف يؤدي وظيفة صوتية، إضافة إلى المعنى؛ إنما ينم عن قدرة الشاعر على توظيف هذه الحروف، ليخدم بصفته المهموسـة الحالة النفسيـة للشاعر؛ تمثل هذه الحروف حالة الهـمّ، والحزن، والألم المكبـوت الذي خالط قلب الشاعر، وهو همّ يريد الشاعر أن يخرج به من دائرة الإحساس إلی الشعر، فهو “عاد إلی وطنه بعد طول غياب وضنی واغتراب ليجد محبوبته/ ليلاه/ عراقه بين أحضان الغريب! تماماً کحال ابن عذرة (قيس بن الملوح العامري) الذي صبر علی معاناة حبه لليلى وتشرده بعيداً عن القبيلة سنيناً، حتی فوجیء في لحظة العودة أن ليلاه في حضن آخر غريب. هکذا بدت العراق بالنسبة للشاعر” . وهکذا نجد الشاعر قد عمد إلی اختيار القافية المردوفة في هذه القصيدة، الأمر الذي يلزم القاریء بإطالة المد فيها؛ حيث تمثل هذه الحرکة الطويلة من حمل للمشاعر الممتدة والأحاسيس العميقة. فقد جاءت هذه الأصوات في خدمة الدلالة موحية بالتجربة النفسية الشعورية للشاعر، إضافة إلى الإيقاعات الموسيقية التي تُخلفها هذه الأصوات سواء بتکرارها أو إيحاءاتها .فيجد الشاعر فيها ملاذاً صادقاً لاستخراج آهاته الحزينة النابعة من قلب مليء بالمآسي والأحزان تجاه وطنه العراق.
وقد يعمد الشاعر إلى استخدام لون آخر من الألوان الإيقاعية التي تعتمد المزاوجة بين حرفين أو أكثر في المقطع الشعري لخلق توافق نغمي متكرر، ففي مقطع من قصيدة ” إغنميني” يزاوج السماوي بين صوتي “الصاد والحاء” ويقول:
أنا آخرُ الفاتحينْ
حصاني حصيرٌ من الخوصِ
سيفي يَراعٌ
وَدِرْعيَ غصنٌ من الياسمينْ
تعدّ ظاهرة التكرار الصوتي لبعض الحروف في القصيدة، من الوسائل التي تثري الإيقاع الداخلي بواسطة ترديد حرف بعينه، أو مزاوجة حرفين أو أكثر؛ وتكرار ذلك في مقطع شعري يعكس قدرته على تطويع الحرف ليؤدي وظيفة التنغيم. ففي هذا المقطع قد ظهر دور الصوت في تشكيل تنغيمات صوتية داخل البناء الشعري من خلال الترديد الصوتي لحروف ذات الصفات الصوتية الموحدة (الهمس). “الصاد صوت لثوي احتکاکي* مهموس مفخم. أما الحاء صوت حلقي احتکاکي مهموس” . فتکرار الصاد والحاء المتماثلين في أنهما من الأصوات الإحتکاکية، ويختلفان في المخرج حيث أن مخرج الصاد لثوي بينما مخرج الحاء حلقي؛ فيتحقق من خلال هذا التماثل والإختلاف جرسٌ موسيقيٌّ يقوم بدور في تعزيز موسيقية النص الشعري. ويزيده هذا الترديد جمالاً وحسناً.
وبالنظر إلى غرض آخر من الأغراض الشعرية لدى الشاعر، نستطيع أن نلمس انتشار أصوات أخرى مما زاد من موسيقی الأبيات الداخلية و أکسبها لوناً من الإيقاع الذي تستريح له الأذن:
البندقيةُ وحدُها الحَكَمُ المُنَزَّهُ / بينَ مشكاةِ اليقينِ / وبين ديجورِ الضَلالْ.. / البندقيةُ ـ لا اليراعُ الناطقُ الرسميُّ / باسمِ الدارِ تَطْحَنُها خيولُ الإِحتلالْ / باسمِ الغدِ المأمولِ / باسمِ طفولةٍ سُفِحَتْ / وباسمِ عُراةِ كهفِ الإعتقالْ / باسم الفراتِ المستباحِ / وباسمِ نخلٍ مُثْكَلٍ بالسَعْفِ والعرجونِ / حتى باتَ مذبوحَ الظِلالْ / فاكنسْ بمجرفةِ الجهادِ الوَحْلَ / واسْتَأْصِلْ جذورَ (أبي رُغالْ) / (لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى)* / حتى يُزالَ الإحتلالْ / حانت صلاةُ الذَوْدِ../ حيَّ على النزالِ.. / على النزالِ / على النزالْ.
تتفاعل في هذه القطعة الأصوات المجهورة التي يتطلبها حالة النص؛ للتعبير عن جرائم الإحتلال الأمريکي والمآسي التي تعاني الشعب العراقي من جراء الاحتلال، ويسعی الشاعر إلى حثهم علی الجهاد والنزال وتحرير الوطن؛ فالنص يحتاج إلی شيء من الجهر والشدة لترغيبهم علی الجهاد. وقد انتشرت الأصوات المجهورة لدرجة يلحظها القاریء حتی قبل أن يقرأ مضامينها ودلالاتها. لقد کان حضور حروف الجهر قوياً في هذه القطعة خاصة صوتي “اللام” و”الباء” وبالرجوع إلی صفات صوت اللام، فإنه صوت مجهور يتصف بالوضوح السمعي و الباء هو “صوت شفوي وقفة انفجارية*مجهور” . وبالتالي فقد انسجم معنی التحدي والنزال في هذه القطعة الشعرية لتنسجم هذه المعاني مع هذه الأصوات المجهورة في حمل الدلالة التي أرادها الشاعر.

وکذلك يقول في قصيدته “عصفاً بهم”:
ما دام أنَّ الموتَ حَتْمُكَ فاقْتَحِمْ ميدانَهُ حتى تقومَ شَهيدا
لا تَطْمَئِنَّ إلى الوعودِ فإنَّها خَدَرٌ يُزيدُ الراقدينَ رقودا
الشاعر يوجه نصيحته ثائراً لشعبه للقتال ويرشده للطريق الصواب ورفض الوعود والشعارات الزائفة التي لا تحرر الوطن، فلابد إذن من تطهير الوطن بالجهاد والشهادة من کل المحتلين والقتلة والأعداء. فيتکرر في هذه الأبيات صوت انفجاري قوي “الدال” وهو “صوت لثوي انفجاري مجهور” . فإنها تدل علی انفعال الشاعر وشدة إصراره علی العمل بنصيحته؛ فتکرار هذا الصوت جاء ملائما مع الحالة الشعورية لدی الشاعر الدالة علی واقع العراق ومعاناته، وعلی هذا يؤدي الصوت دوراً مهماً في تعزيز الدلالة وإيقاعية النص الشعري.
وهکذا أسهمت هذه الأصوات في إشاعة الإيقاع الموسيقی الداخلي وتعزيز النغم وانسجام هذا الإيقاع مع حالة الشاعر الشعورية، ولها دور بارز في الکشف عن الأصداء الداخلية للذات الشاعرة؛ کما يشير “عصام شرتح” في دراسته في شعر يحيی السماوي إلی أهميّة الأصوات في الکشف عن التجاوبات الإيقاعية والدلالية في شعر يحيی السماوي قائلاً: “يؤدي التفاعل الصوتي دوراً محورياً في کشف شعرية النص وتحديد مساره الإيقاعي؛ إذ إنّ الأصوات تؤدي دوراً مهماً في تحديد جو القصيدة العام؛ وتتدخل في کثير من الأحيان في تحديد مغزاها الدلالي… فإنّ التفاعل الصوتي بين الحروف الصائتة والصامتة – في شعر يحيی السماوي – يؤدي دوراً مهماً في تحفيز الرؤية وتعزيز الدلالة، تبعاً للسياق النصي الذي يتضمنها؛ والمداليل النفسية والشعورية التي يفجرها ويکثف مدلولاتها النصية” .
بناء علی ماتقدم أنّ الشاعر، قد استطاع أن يوظف الأصوات في أغراض مختلفة وإثراء الإيقاع الشعري؛ وعبر من خلالها عن معان مختلفة؛ حين وظف الأصوات المجهورة في حمل دلالة القوة والتحدي کما جاءت الأصوات المهموسة بلينها ونعومتها للتعبير عن أحاسيس مليئة بالحزن والغربة.kh-bahnam-bakiri

2-3-2- التکرار:
يعدّ التکرار من الخصائص الأسلوبيّة الهامة التي تستخدم لفهم النصوص الأدبية؛ فالشاعر إنما يکرر ما يثير اهتماماً عنده، ويرغب في نقله إلی أذهان ونفوس المخاطبين. “أن التکرار، في حقيقته، إلحاح علی جهة هامة في العبارة يعنى بها الشاعر أکثر من عنايته بسواها. فالتکرار يسلط الضوء علی نقطة حسّاسة في العبارة ويکشف عن اهتمام المتکلم بها، وهو بهذا المعنی، ذو دلالة نفسية قيمة تفيد الناقد الأدبي الذي يدرس الأثر ويحلل نفسية کاتبه” . إذن للتكرار “مبعثٌ نفسي، وهو من ثم مؤشر أسلوبي يدل على أن هنالك معاني تُحوِج إلى شيء من الإشباع” .
والتکرار ظاهرة ليست غريبة علی الشعر العربي قديماً وحديثاً، أما في الشعر الحديث؛ فقد حقق التکرار انتشاراً أوسع مما کان في القصيدة القديمة؛ “مما يلاحظ عند شعراء الحداثة، أنهم لم يقفوا – في استخدامهم للتکرار – عند أشکال معينة، بل ظلوا في حرکة دائبة، تتوق إلی التجديد والتطور من أجل تنويع الترکيب، وإجراء الدلالة والإيقاع، ولعل تخلي الشعر الحديث عن القافية وعن کثير من الأوزان الشعرية المعروفة، کان عاملاً قوياً في توجيه العناية إلی ظاهرة التکرار، واستثمار إمکاناتها التعبيرية في تحقيق النغمة الموسيقية الضرورية لبناء لغة الشعر” .
ففي العصر الحديث الأساليب الشعرية قد تغيرت بتغيّر ظروف العصر وأصبح التکرار أحد العناصر الأساسية للقصيدة في الشعر المعاصر. “إنّ البنية التکرارية في القصيدة الحديثة أصبحت تشکل نظاماً خاصاً داخل کيان القصيدة، يقوم هذا النظام علی أسس نابعة من صميم التجربة ومستوی عمقها وثرائها، وقدرتها علی اختيار الشکل المناسب الذي يوفر لبنية التکرار أکبر فرصة ممکنة لتحقيق التأثير، من خلال فعاليته التي تتجاوز حدود امکانات النحوية واللغوية الصرف، لتصبح أداة موسيقية دلالية في آن معاً ” . ولعل أبرز العوامل التي ساعدت على انتشاره وتوظيفه “هي الطبيعة الإنسانية بما فيها من تناقضات وأحداث وفصول، واللغة بطبيعتها وتركيبها القائم على التكرار والتماثل وإعادة الألفاظ لاستيفاء المعنى، وطبيعة الشعر بما فيه من تفاعيل وإيقاع وأنساق وموسيقى وفواصل تحتاج إلى التكرار لتخفيف التفاعيل، والانسجام والتأثير، ويضاف إلى ذلك الأثر النفسي؛ إذ يعد من أهم العوامل المسببة للتكرار” .
إنّ التکرار لا يکتسب أهمية تذکر بمعزل عن السياق الشعري؛ فينبغي أن اللفظ المکرر وثيق الارتباط بالمعنی العام ويتعلق تعلقاً قوياً ببناء القصيدة، وتری نازك الملائکة في هذا الصدد: “أنّ اللفظ المکرر ينبغي أن يکون وثيق الارتباط بالمعنی العام، وإلا کان لفظية متکلفة لا سبيل إلی قبولها. کما أنه لابدّ أن يخضع لکلّ ما يخضع له الشعر عموماً من قواعد ذوقية وجمالية وبيانية. فليس من المقبول مثلاً، أن يکرر الشاعر لفظاً ضعيف الارتباط بما حوله، أو لفظاً ينفر منه السمع” .
بناء علی ماتقدم أنّ التکرار ليس مجرد تکرار کلمة معينة فحسب، بل يؤدي دوراً مهماً في إغناء النص الشعري دلالياً وإيقاعيا. و”قد تکتسب الکلمات في تکرارها سحر القافية الإيقاعي فتصبح إيقاعيتها صورة موسيقية عصرية تختلف عن صورتها في شعر العصور السابقة، فيستطيع الشاعر أن يعوّض بالتکرار رنين القافية البدائي الجادّ الذي فقدته القصيدة الحديثة، وأن ينقذ الشعر من النثرية” .
و يری “محمد عبدالمطلب” تشابهاً بين التکرار وبين الناتج الدلالي للتکرار الرياضي قائلاً: “بالنظر إلی الناتج الدلالي لبنية التکرار، يمکن ملاحظة وجود علاقة تشابه کبير بينها وبين الناتج الرياضي، وذلك إذا کان الرقم الذي يتم التعامل معه رقماً واحداً، مع اختلاف العلامة التي تصل بين الأرقام المکررة. فالرقم الثلاثة – مثلاً – يمکن تکراره مرتين أو ثلاث، مع تغيير العلامة الرابطة فيکون الناتج مختلفاً في کل مرة علی نحو التالي: 3-3= صفر، 3÷3=1، 3+3=6، و 3×3=9. فالبرغم التکرار نفس الرقم، کان الناتج مختلفاً قلة وکثرة، وعلی هذا النحو تأتي بنية التکرار في الشعر الحداثة موظفة لانتاج دلالة بسيطة أو مرکبة بل قد تکون فعالة في نفي الدلالة أو الغائها” .
أما أنّ التکرار الذي لا يتولد من إحساس الشاعر ولا يحمل أي معطيات فنية إيقاعية، فيبدو متکلفاً مما يفقد جمالية النص. “فإنّ لغة الترديد عند شعراء الحداثة ترفع النص إلى درجة الشعرية إن تمكن الشاعر من السيطرة عليه تشكيلياً ودلالياً، وإلا تحول اللفظ المتردد إلى عبء ثقيل يشوّه جسد النص بدلاً من تزيينه بأردية متعددة الأشكال والألوان” .
والتکرار ظاهرة أسلوبية بارزة في ديوان “نقوش علی جذع نخلة” وقد لفت انتباهي هذه الظاهرة في ألفاظه وتراکيبه ومقاطعه ويظهر التکرار في القصائد بأشکال مختلفة من الحرف والکلمة والجملة وکل شکل من هذه الأشکال لها أبعادها الدلالية والإيقاعية مما يثري النص الشعري وقد أدَّت دوراً أساسياً في تماسك القصائد. وهنا سنحاول أن نقف عند أنواع التکرار في ديوان موضوع الدراسة محاولة لاستکشاف قدرتها الشعرية في توکيد المعنی الذي ألّح الشاعر علی إظهاره، فضلاً عن دوره في البنية الإيقاعية والدلالية في القصائد.yahia-13

2-3-2-1- التکرار اللفظي:
يعد تكرار اللفظ من السمات الأسلوبيّة الواضحة والمهمة التي وظفها الشاعر في الديوان. ويشمل هذا التکرار: تکرار الکلمة من الفعل والاسم، لخدمة غرض محدد أو أغراض متعددة. ومن أنواع التکرار الذي لاحظت عند السماوي تکرار الکلمة؛ حيث يکرر الشاعر الکلمة نفسها في أکثر من موقع بطريقة تزيد في إثراء النص، سواء في الإيقاع أو في الدلالة ضمن الحالة النفسية للتجربة الشعرية. فيقول:
ذكيَّةٌ قنابلُ التحريرِ / لا تُصيبُ إِلاَّ الهدفَ المرسومَ / من قبلِ ابتداءِ نزهةِ القتالْ / ذكيَّةٌ.. ذكيَّةٌ.. / تُمَيِّزُ الوَحْلَ من الزُلالْ / ونغمةَ القيثارِ من حَشْرَجَةِ السُعالْ / ذكيةٌ.. ذكيةٌ / لا تُخْطئُ الشيوخَ والنساءَ والأطفالْ / ولا بيوتَ الطينِ.. لا أماكنَ الصلاةِ / أو مشاغِلَ العمالْ!
إن ما تحدثه تکرار کلمة “ذکيَّةٌ” في النص الشعري، إضافة إلی وظيفة الموسيقية التي أعطتها تکرار الکلمة لإمتاع الأذن من ترديدها خمس مرات لهذه الکلمة؛ هو الإحساس بحالة الشعورية التي يعاني الشاعر إزاء احتلال الوطن والجرائم التي يرتکبها المحتل في العراق؛ تجتمع في هذه القطعة الشعرية الساخرة المريرة کل العناصر الحزن والدمار لتشکل في النهاية صورة مأساوية للشعب العراقي الذي يعاني تحت ظل الاحتلال الأمريکي؛ المحتلون يملکون القنابل المُوَجَّهَة الذکَّية، يحددون أهدافهم بدقة ولکنهم لا يميزون الشيوخ والنساء والأطفال وبيوت الناس والمساجد! لأن المحتل لايقيم وزناً لشعب العراقي. إذن الشعارات الزائفة و” قنابل التحرير”! (الديمقراطية المزعومة) ما جاءت لتحرير الشعب العراقي بل لاحتلال الوطن.
وفي نموذج شعري آخر يقول:
خرافةْ../ كلُّ الذي أدلى به الناطقُ باسمِ القصرِ / عن تسابقِ الجموعِ في (الكرخِ) وفي الرصافةْ / للرقصِ في مأْدُبَةِ اللئامِ / تعبيراً عن الضيافةْ/ خرافةْ ! / * * خرافةُ أنْ تُصْبِحَ المسافَهْ / بين العراقيِّ وبين القاتلِ المحتَلِّ / بين الجرحِ والسكينِ دولارٌ من الفَضَّةِ / أو كأسٌ من السلافةْ/ * * خُرافَةٌ / أَنْ يعرفَ الحريةَ العبدُ الذي / يركعُ للمحتلِ كي يُدْخِلَهُ مُنْتَجَعَ الخلافةْ/ * * خرافةٌ / أَنْ يؤمنَ اللبيبُ بالخرافةْ .
إنّ تکرار کلمة “خرافة” ست مرات في النص الشعري وتکررها في بداية کل فقرة من فقرات هذا المقطع؛ خلقت إيقاعاً منتظماً، کما زاد من تصاعدها النغمي وقوعها في القوافي، أما الحرکة الإيقاعية الناشئة عن تکرار هذه الکلمة إضافة إلی تأثيره علی الجانب الإيقاعي؛ تحمل دلالات مرکزية في النص. يصف الشاعر ما يحس به من فجيعة وهو يعلن رفضه للوعود والشعارات الزائفة التي يدعيه المحتلون وعملاؤهم ويؤکد بتکرار هذه الکلمة (خرافة) ست مرات أنّ هذه الشعارات أکذوبة وخرافة، وأنّ المتفکِّر لايقيم وزناً لها. فلهذه الظاهرة أثر في إثراء النص إذ أفادته في توکيد المعنی الذي ألّح الشاعر علی إظهاره فضلاً عن تأثيره علی الجانب الإيقاعي.
ومن تکرار الأسماء أيضاً تکرار اسم الفاعل في إثراء المعنی وموسيقی القصيدة حيث يقول:
تَعَفَّرَتْ بِذُلِّها الجِباهْ / فَطاعِنٌ يبحث عن دوائِهِ.. / وجائعٌ يبحثُ عن طعامِهِ.. / وخائفٌ يبحث عن مأْواهْ.. / وعاشقٌ يبحثُ في مستودعاتِ القتلِ / عن (ليلاهْ) / في الوطنِ المحكومِ بالمأساهْ / متى تزولُ الـ (آهْ) / والدمُ في مدينتي يمتدُّ من بستانِها / حتى بيوتِ اللَّهْ؟!
ردد الشاعر اسم الفاعل في أربعة أسطر متتالية وهذا الدال المتکرر (طاعن، جائع، خائف، عاشق) يحمل دلالات متنوعة في نسيج النص؛ فقد أثری تکراره الإيقاع الداخلي للمقطع بسبب توالي حرف المد (الألف) الذي هو جزء من ترکيب اسم الفاعل بما يحمل امتداده، امتداد الألم والحزن في صدر الشاعر ولذلك جاء قوله: “متى تزولُ الـ (آهْ)”! إضافة إلی صياغة اسم الفاعل الذي تفيد التجدد والاستمرارية. ويشبه هذا الامتداد؛ بالآهات التي تطحن صدره، کما ينسجم توالي المد مع تکرار الآهات في القوافي (الجباه، مأواه، ليلاه، مأساه، آه، الله) مما تخلف في هذه الفقرة الشعرية جواً مليئاً بالحزن والأسی.
ومن أمثلة تكرار الأفعال، ما ورد لدى السماوي في قصيدته “ذعر” حيث يقول:
مَذْعورةً مَرَّتْ على شُبّاكِ ذاكرتي الطفولةْ / مذعورةً مرَّتْ طيورُ يفاعَتي.. / وحبيبتي مرَّتْ على بُستانِ أحلامي خجولةْ / والدربُ مرَّ عليَّ مُرْتَبِكاً / ومرَّ النهرُ محتضناً نخيلَهْ / هرباً من الأرضِ الذليلةْ / وأنا مَرَرْتُ عليَّ.. بِتُّ اثنينِ: / صحراءٌ.. وسنبلةٌ عليلةْ !
اللافت في هذا المقطع تکرار فعل “مرَّتْ”ست مرات رغم قدرة الشاعر الفنية والإيقاعية علی إسقاط أغلبها، لکن في ذلك إشارة إلی الحالة الشعورية التي يحياها الشاعر إزاء ذکريات الطفولة ومرور سنوات العمر. وکان «عصام شرتح» قد أشار إلی أن “هنا؛ تأتي لفظة “مذعورة” معبرة بتكرارها عن الومض النفسي الشعوري العميق؛ لذكريات الطفولة و سعادتها و على مرورها الومضي السريع؛ فهو لم يحس بجمالها إلا بعد رحيلها و أفول لحظاتها السعيدة” . فالتکرار هنا ليس للتأکيد بل لتعميق الشعور الانفعالي الحزين إزاء ذکريات الطفولة. وأن ما يحدثه تکرار لفظة “مرَّت” يمنح النص نوعاً من الموسيقی العذبة المنسجمة مع انفعالات الشاعر ويخلق جواً نغمياً ممتعاً. وهذا يعزز موسيقی القصيدة الداخلية ويعطيها طابعاً خاصاً ويتفاعل معها المتلقي ويتذوقها.

2-3-2-2- تکرار الجمل والعبارات:
من أنواع التکرار الذي لاحظنا وجوده کثيراً عند الشاعر توارد الجمل والعبارات في الديوان. والشاعر يحاول جاهداً إغناء فكرته بالدلالة عليها باللغة الشعرية. بحيث يتخذ الشاعر من المکرر نقطة الارتکاز في نشر عواطفه وتأکيد فکرة محددة وتعدّ بمثابة مفتاح النص الشعري ويرفع درجة تأثيرها. ونمثل لذلك بقوله من قصيدة “أخرجوا من وطني” حيث يقول:
هذه الأرضُ التي نعشقُ / لا تُنْبِتُ وردَ الياسمينْ / للغزاةِ الطامعينْ / والفراتُ الفَحْلُ / لا ينجبُ زيتوناً وتينْ / في ظلالِ المارقينْ / فأخرجوا من وطني المذبوحِ شعباً / وبساتينَ… / وأنهاراً وطينْ / وأتركونا بسلامٍ آمنينْ / نحن لا نَسْتَبدلُ الخنزيرَ بالذئبِ / ولا الطاعونَ بالسُلِّ / وموتاً بالجُذامْ / فأخرجوا من وطني… / خوذة المحتل لا يمكن أنْ تصبحَ عشاً للحَمامْ / فأخرجوا من وطني / والدمُ المسفوحُ لن يصبحَ أزهارَ خَزامْ / فأخرجوا من وطني… / والبساتينُ التي غادرها النبعُ / وما مرَّ عليها منذ جيلين الغمامْ / تصرخ الآن: اخرجوا من وطني / وأرفعوا- قبل العقوباتِ- أياديكمْ / عن الشعبِ المضامْ / حَرّرونا منكم الآنَ.. / ومن زيف الشعاراتِ / وتجارِ حروبِ – النفطِ والشفطِ- / وأصحابِ حوانيتِ النضالْ / سارقي أرغفة الشعب / أدِلاّءِ جيوشِ الإحتلالْ / والمرائين الذين استمرأوا العهر / منادين بحق المرء في السحت / وبالکفر الحلالْ / فاخرجوا من وطني.. / وأشربوا نخبَ أنتصارِ القائدِ الَسَجَّانِ / في الحربِ على الشعبِ السَجينْ / نحن مهزومون من قبل ابتداء الحرب: / نخل يشحذ التمرَ… / حقولٌ تشحذُ القمحَ / وطينْ / سال منه الدمُ / من بوابة القصرِ / إلی محراب رب العالمينْ / فاخرجوا من وطني / وأمنحونا فرصةَ الدفنِ لموتانا / وأنْ نَخْرِجَ من تحت الركامْ / جُثَثاً ما بلغتْ عُمْرَ الفِطامْ / فاخرجوا / من قبل أنْ يَنْتَفِضَ النخلُ العراقيُّ / ويستلَّ سيوفَ الإنتقامْ.
يکرر الشاعر جملة “أخرجوا من وطني” في القصيدة ثمان مرات، وهذا التکرار لا يأتي في أسطر متوالية، إنما يأتي متباعداً في شکل منسق لتمثل الجملة المتکررة نقطة مرکزية الدلالة، وهذه الجملة تعتبر من مفاتيح القصيدة. فإنّ السماوي عمد إلی تکرارها ليرکز المعنی المتصل بعنوان القصيدة في ذهن المتلقي کما جاء تکرار هذه العبارة منسجماً مع الجو النفسي للشاعر أثناء حزنه لوطنه. يقول “عصام شرتح” حول هذه القصيدة: “إنّ ما يثير القارئ – في هذه القصيدة – تكاملها النصي؛ وائتلافها النسقي في تحفيز رؤيتها النصية؛ وبؤرتها الدلالية التي تقوم على مرجعية دلالية هي الإحساس بالظلم الذي تعانيه العراق؛ لذا؛ بلور رؤيتها على شحذ الهمم والحث على المقاومة و التأكيد على قيمة العراق وعظمة شعبها قديماً وحديثاً؛ فقد مرّت على هذه البلاد قوافل الغزاة الطامعين؛ وقد دحرتهم إرادة الشعب العراقي القوية وصمودهم العظيم؛ فالعراق دائماً تمثل رمزاً للمقاومة، والحصانة، والمنعة و القوة في وجه الأعداء والغزاة الظالمين؛ وإن تداعت عليها الأمم فإنها لابد أن تخرج من رماد جراحها وحطامها وتستل سيوف الانتقام” . إذن؛ جاء تکرار هذه الجملة منسجماً مع الجو النفسي والانفعالي للشاعر. عندما يکرر السماوي هذه الجملة تکاد تکون أبرز ما يدور في نفس الشاعر في لحظة ما قبل الإبداع، کذلك يأتي تکرارها معززاً للجانب الإيقاعي الذي أحدثه تکرارها بکثرة في القصيدة، وکأنها مفتاح الإيقاع بالنسبة للقصيدة فيظهر فيها التناغم الموسيقي من أولها إلی آخرها، ويکثف الموسيقی الداخلية فتشد السامع ويتفاعل معها.
وفي نموذج آخر يقول:
كفرتُ بالنضالِ / معروضاً بأسواقِ المخابراتِ للإيجارْ / وبالعمائمِ التي تُحَرِّمُ الجهادَ / حين تُسْتَباحُ الدارْ /كفاكِ هذا العارْ / كفاكِ هذا العارْ / يا أُمَّةَ اللَّه انهضي.. / كفاكِ هذا العارْ / من قبلِ أَنْ يُطْبِقَ ليلُ القهرِ بالدُجى / على بقيةِ النهارْ / وقبل أَنْ يُؤَمْرَكَ* (القرآنُ) / أو تُهَوَّدَ الأمصارْ.
فنلاحظ في هذا المقطع تکرار جملة “كفاكِ هذا العارْ” ثلاث مرات، وترديد هذه الجملة في المقطع ينشئ جرساً موسيقياً متناوباً ويقرع الأسماع. وهذا الترديد تحمل معه عذاب الشاعر وألمه، وقد کررت للتعبير عن حجم الغضب والمأساة التي يعيشها الشاعر لهذه الجراحات والآلام التي تمرّ علی العراق.yahia 9

2-3-3- ظواهر إيقاعية أخری:
وهناك ظواهر إيقاعية أخری شارکت في إشاعة شيء من الإيقاع الداخلي في القصائد التي جاءت فيها. ومن أصناف هذه الموسيقی الداخلية التي لها أثر في إثراء الجانب الإيقاعي هي: الطباق، والجناس .

2-3-3-1- الطباق:
من خلال دراستنا للديوان لاحظنا أنّ الطباق قد ورد کثيراً في القصائد وله أثر في إحداثه جرساً موسيقياً من خلال انسجام الألفاظ وتناغمها في ترکيب النص. والطباق يعدّ من أهم وسائل اللغة لنقل إحساس بالمعنی والفکرة والموقف. “تعمل الأضداد على متابعة النصّ، وما يتشكّل عنها من علاقات، تتحرَّك في تواتر متجاذب وكأنّها شبكة تتابع خيوطها، وتتبادل مواقعها، وتتشابك تطريزاتها على جسد النصّ. كما تقوم الأضداد بدور حيويّ فاعل في تأسيس الوجه الأهم في البنية الحركية في النصّ” . ويلعب دوراً اساسياً في تفريض انفعالات الشاعر وأحاسيسه، کما کان له دور واضح في إضفاء نغم موسيقي جميل للنص لأنّ “له أثر فاعل في توجيه التماس المباشر بين لفظين متعاكسي الدلالة؛ الأمر الذي يخلق شداً ينعكس على الموسيقى” .
فمن الطباق قوله:
في وطنِ النخيلْ / الناسُ صنفانِ.. فأمّا قاتلٌ مُسْتَأْجَرٌ / أو / مُؤْجَرٌ قتيلْ
ففي هذا النموذج نلاحظ؛ التضاد بين کلمات “قاتلٌ مُسْتَأجَرٌ ومُؤْجَرٌ قتيلْ” خلق إيقاعاً جميلاً اکتسبه من الطباق وأضاف جمالية وعذوبة في المقطع.
وقوله:
أَغْمَضْتُ عن شَجَرِ الهوى أحداقي فاسْكُبْ طِلاكَ على الثَرى يا ساقي
وَرَمَيْتُ عني بُرْدَةً أَبْلَيْتُها ….في حربِ أشجاني على أشواقي
فالتضاد بين (أشجاني و أشواقي) خلق تناغماً موسيقياً جميلاً مما زاد جمالية ورنة في ترکيب النص. أمّا التضاد في شعر يحيی السماوي، لا تنحصر فقط بين المفردة والمفردة، إنما يشمل الجملة. ومن نماذجه في بناء الجمل قوله:
وَجَحْفَلٌ من أَشْرَسِ الذئابْ / وفيلقٌ من الذُبابِ البشريِّ / ينشرُ الطنينَ في المدينةِ الخرابْ / يُبَشِّرُ الخانعَ بالثوابْ / ويُوْعِدُ الثائرَ بالعِقابْ.
فالتضاد بين جملتي “يُبَشِّرُ الخانعَ بالثوابْ”و”يُوْعِدُ الثائرَ بالعِقابْ” يعطي نغمة متراوحة في هذه الأسطر؛ کما أنه يقوي جانب الإيقاع من خلال التوزيع المتقابل للنغم بين عنصرين متضادين:
يُبَشِّرُ الخانعَ بالثوابْ
‡ ‡ ‡
ويُوْعِدُ الثائرَ بالعِقابْ.
وهکذا؛ يحقق توازناً نغمياً جميلاً، ويؤدي دوراً أساسياً في تعزيز الترابط الموسيقي والإنسجام والتكامل بين سطرين متواليين.

2-3-3-2- الجناس:
هو “أن يتشابه اللفظان في النطق ويختلفان في المعنی” . وللجناس “جمالاً يزيد أداء المعنی حسناً لما فيه من حسن الإفادة، ففيه خلابة للأذهان ومفاجأة تثير الذهن وتقوي إدراکه المعنی المقصود” . إذن للجناس أثره الظاهر في إحداث التناغم الموسيقي، لأن إلحاح الصوتي الناتج عن التکرار بعض الحروف يوقع نغماً جميلاً ويزيد الموسيقی تدفقاً. يأتي الجناس في ديوان “نقوش علی جذع نخلة” في أکثر من موضع وأکثر التجنيس الذي جاء في الديوان من نوع الجناس الناقص، وهو “ما اختلفت اللفظتان في اعداد الحروف إما أن يکون بزيادة أو بتغيير حرف أو أکثر” . ومنه قوله:
حرِّرونا منكم الآنَ …/ ومن زيف الشعاراتِ / وتجّار حروب “النفطِ والشفطِ” / وأصحاب حوانيت النضالْ.
وقوله:
يا ابنَ الأُباةِ المُرْخصينَ نفوسَهُمْ ونفيسَهم ـ عن عِرْضِهِمْ ـ ووليدا
كُنْ مثلَ طينِ الرافدين.. ولا تكنْ …إن أوقَدوا نارَ الضَلالِ ـ حديدا
أيضاً قوله:
مولايَ! كم عصف الزمانُ بِمَرْكبي فَأَغَظْتُ مُزْبِدَ موجِهِ بِثَباتي
ناطَحْتُهُ ـ وأنا الكسيحُ ـ فلم يَنَلْ من حَزْمِ إيماني وَعَزْمِ قَناتي
فنلاحظ في هذه النماذج، يأتي التجانس بين کلمات “النفط والشفط- نفوسهم ونفيسهم- حزم وعزم” ففي هذا التجنيس تبلغ الموسيقی قوتها بتغيير حرف واحد وقد حقق التجانس انسجاماً غير متکّلف ولا مبتذل ونتج عنه إيقاع صوتي محبب للنفس.
أمّا بزيادة الحرف قوله:
أينَ الهروبُ وكلُّ دربٍ من دروبِ الفَرِّ سُدّا؟
أيضاً قوله:
فإنَّ تأمينَ رغيفِ الخبزِ / فَرْعٌ من فروعِ شِرْعَةِ الجهادْ.
فالتجنيس بين کلمتي “درب ودروب – فرع وفروع” جاء بزيادة الواو فيهما، مما أدی إلی دعم المستوی الإيقاعي وتقويته ويحسن وقعه في أبياته. بناء علی ما تقدم يتضح لنا أن الجناس وسيلة من وسائل التوصيل المتميزة بقوة التأثير وسرعة النفاذ إلی الأذن وله دور واضح في إضفاء نغم موسيقي جميل في الديوان؛ حيث يأتي الجرس الموسيقي مکرراً في الأبيات والسطور ويزداد قوة وعمقاً فيشيع تناغماً موسيقياً مما يضفي غنائية رائعة في النص.

…يتبع

شاهد أيضاً

د. نجم عبد الله كاظم: المثقف .. والذات المسعورة (ملف/2)

بدايةً من جميل ما يتعلق بكتابتي لهذا الرد أنه يأتي مباشرةً بعد عودتي وزوجتي من …

الناقد الكبير د. نجم عبد الله كاظم.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

نجم عبد الله كاظم (1951- 31 تموز 2020) ناقد وأكاديمي عراقي.. يحمل شهادة الدكتوراه في …

التقنيات الأسلوبية في شعرية الومضة قصيدة:
(أسئلة الشعراء) للشاعر العراقي “سعد جاسم” أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *