الرئيسية » ملفات » المقالات الصحفية (9) إنهم يغتالون الصحفيين(1)
د. زكي الجابر (ملف/47)

المقالات الصحفية (9) إنهم يغتالون الصحفيين(1)
د. زكي الجابر (ملف/47)

Zeki aljaberإشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة . ومازالت الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد ترفد الملف بنصوص وصور مهمة للراحل الكبير فشكراً لها. والغريب أن زكي الجابر يتناول في هذه المقالة التي كتبت عام 1998 موضوع قتل الصحفيين واليوم – في 2016 – يُقتل أمام أعيننا صحفي ملتزم في وضح النهار.

المقالة :
المقالات الصحفية (9)
إنهم يغتالون الصحفيين(1)
د. زكي الجابر
ربما تقول معي بأن الإحصاءات قد لا تكون دقيقة، ولكنك تقول عن يقين وثقة أنها بالرغم من كل شيء صالحة للقراءة، وأنها تنبئ عن أشياء، ولولاها لكان المتتبعون للشأن العام يضربون بليل ويتخبطون خبط عشواء، وبها ينفتح الأفق فسيحا للتأويل والتفسير والتعليق. وأضع بين يديك إحصائيات تقول بأن عدد الذين يقتلون من الصحفيين يصل إلى ستين تقريبا، وإن عدد انتهاكات حرية الصحافة قد يصل إلى ألف وخمسمائة حالة كل سنة. قد لا تختلف معي في القول، وبدون تردد، بأن اغتيال الصحفي إنما هو اغتيال للفكر والحقيقة، وانتهاك حرية الصحافة إنما هو انتهاك للثقافة واحتجاز الضوء في قماقم الظلمة. ثمة عبارة لا تنقصها قوة الإبلاغ والبلاغة، قال مصور صحفي جرئ بأنه ’’طوف العديد من الأمكنة، ورأى أناسا يرتكبون أعمالا شنيعة بعضهم تجاه الآخر، ولكن أسوأ تلك الأمكنة هي تلك التي يحتجز فيها كل البشر في الظلمة‘‘. لقد حدث ذلك حقا. إن المعلومات ضوء، المعلومات بحد ذاتها وعن أي شيء ضوء، ذلك ما يمكن لك أن تقوله حقا! وفي وسعك أن تضيف أن الأسوأ هو أن يقف محترفو الثقافة والكتابة صامتين، لا يحركون قلما ولا يحبرون سطر احتجاج. لقد حمل سارتر المثقفين مسؤولية الشراسة والاضطهاد لأنهم لم يكتبوا سطرا لمنع ما وقع بعد انهيار ’’كومونة باريس‘‘.
وفي ظرفنا المعاصر يتحمل حملة القلم العربي مسؤولية كبرى لأن أكبر عملية اغتيال للصحفيين تجري على الأرض التي نحبها ونحييها جميعا، أرض البطولة والشهادة ومقارعة الاستعمار، الجزائر. ألا يعتصر قلبك الألم وتحرق جوانحك الحسرة حين تعلم أن السلطة الجزائرية تلجأ إلى وضع الصحفيين في أقفاص الفنادق الآمنة بعيدا عن الناس، بعيدا عن مساكنهم حفاظا على حياتهم. ولعلك تتساءل: ’’أي صحفي هذا الذي لا يخالط الناس ولا يستنشق غبار الشوارع ولا يرى العيون المتطلعة إلى الجديد؟‘‘ إن الدوافع الجميلة الكامنة وراء هذا الاحتجاز تظل جميلة، ولكنها تجعل الصحفي حبيس ألمه وتشوقه وظلامه.
أنت تقف معي في الموقف الذي يضعنا فيه العقل المتسائل الباحث عن اليقين والتحدي لكشف الغشاوة وإزاحة الجهالة الجهلاء، لماذا يحدث كل ذلك؟ إنه التساؤل الحق والمشروع!
أنحن نعيش زمن اللامبالاة الأخلاقية حيث تتلاشى المعايير تحت هيمنة الغوغائية، وحيث يصبح القتل أمرا لا يدخل في حكم الممنوع ضمن إطار مسار سياسي غائم الأهداف والأفكار والمقولات وأساليب الإقناع والدعاية؟
أهو أمر يفرضه تغيير اجتماعي سريع تتصارع فيه التيارات السياسية والاقتصادية، فلا يستطيع الفكر أن يقف ليتأمل ويحلل ويقول؟
هل أصبح بقاء الأنظمة المبرر للتغاضي والسكوت عن كل ما يجري من مذابح للفكر والإنسان والإنسانية؟ إن الأمر الهام والأولي هو أن تظل دعائم النظام قائمة وإن كانت تهتز، وأن يظل نسق الحياة على قيد الوجود بالرغم مما يعتريه من خلل يكاد يفقده الانسجام والتراضي.
قد يكون البحث عن إجابات مفيدة عن تلك التساؤلات عسيرا، ولكنه سيكون بالتأكيد مناط تفكير وبديلا عن الركود والاستسلام العقلي لما تأتي به الأيام!! لعل أشد الإجابات مأساوية هي تلك التي تقول بأن اغتيال الصحفيين ليس أمرا اعتباطيا إنما هو شأن منظم، ومن يديرون هذا الشأن لهم مبرراتهم المنطقية التي انتهوا إليها بعد تمحيص وتدارس.
إنه ضرب من العنف المؤسس الذي هو كما يرون وسيلة من وسائل ردع السلوك الشائن، فالصحفيون أرباب ضلالة ومحترفو أكاذيب والقتل أنفى للقتل، وما يتعرضون له من اغتيال وتهديد إنما هو حرب شعبية تستهدف تقويض كل ما يسند الدولة وجبروتها وحكمها الذي لا يقوم على حق.
أما الذين يرسمون عمليات الاغتيال وينفذونها فهم أولئك المحرومون والداعون إلى سبيل يظنون أنه السبيل الأقوم لحكم البلاد والعباد، والمتلبسون بقيم ترى في الآخرين سراقا لنعيم الحياة متنعمين باللذة الحرام شرابا ومأكلا ولباسا.
وفي الظن أن هذه الإجابة المأساوية تعرض مأساة حياة الصحفي وحرية الصحافة، والمسؤولية التي لا ينبغي أن يتخلى حامل القلم عنها، مسؤولية حمل مشعل ضوء المعلومات لإنارة غاشية الغفلة والبلاهة والجهل. وفي الظن أيضا أن الصحفيين الضحية الأولى لمسؤولية الإحباط المنظم عن توالي الخيبات التي تحل بالطموح الإخباري، خيبات مستويات الإنجاز قياسا على مستويات الطموح، واتساع الهوة بين تطور المؤسسات السياسية تدبيرا وتسييرا وسيرورات التغيرات السياسية والاجتماعية.
ولعل أشد أوجه المأساة مرارة يكمن في تفتح عيون المحرومين على مدى اتساع هذه الهوة وشروعهم بالإحساس بعمق معاناتهم، ولكن الذين وضعوا أنفسهم في مركز القيادة والتوجيه قد أخطأوا في تشخيص المسببات. فبدلا من أن يجعلوا الصحافة صوتا للحق في التواصل والتعبير عن حالات العزلة والحرمان والمعاناة شرعوا يصوبون السهام إليها باعتبارها سببا للفساد والاستغلال والخداع. لقد رأوا الضحية جلادا وسوط بلاء، والصوت النقي نشازا.
وإذا ما جرى التركيز على ’’الإحباط المنظم‘‘ وما يرتبط به من خلل المواءمة بين التغيير السياسي الاجتماعي واضطراب نمو المؤسسة السياسية وتخبطها في شؤون التسيير والتدبير فإن ذلك يعني التركيز على التركيب المعقد للدولة الحديثة. وكثيرا ما تلجأ بعض مظاهر الصراع السياسي الاجتماعي إلى الاختفاء وراء القشرة الظاهرية لهذا التركيب. ومن هنا قد يتفجر هذا الصراع ويتجلى للعيان بالشكل الذي تصعب فيه السيطرة عليه، ومن هنا أيضا قد تضطر الدولة، منساقة وراء مبررات مسؤوليتها، إلى العنف لمهاجمة العنف، وتلتف الدوامة وتدور عنفا وراء عنف. أما ضحايا العنف فهم العزل وفاقدو الحول والطول ومعهم أولئك الذين هم دائما في واجهة الصراعات، حملة القلم، وهل يستطيع من أخذ على نفسه أن يطفئ الحرائق أن يكون بعيدا عنها، وهل يستطيع من يعمل على تكوين الوعي أن يبقى غريبا عن معترك يحتاج فيه المعتركون إلى الوعي؟
إن مسؤولية الصحفي وطبيعة مهنته تقتضيان أن يكون قريبا من الحرائق ليكتب عن امتدادات لهيبها ومسبباتها وعن ضحاياها وعن الذين يتصببون عرقا لإطفائها. إنها عالمه الأفضل الذي يرى ظلما أن يبعد عنه. إن وجود الصحافة ليس عبثا، وحريتها مسؤولة، والصحفي إنسان يحب الحياة، فلا تقتلوه!

(1) نشرت في صحيفة البيان (الإمارات)
11-9-1998

تعليق واحد

  1. لطيفة حليم

    رحم الله الدكتور زكي جابر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *