الرئيسية » ملفات » أحمد البياتي: البحث عن دلمون الشاعر الذي أطلّ على مرافىء الوجدان (ملف/12)

أحمد البياتي: البحث عن دلمون الشاعر الذي أطلّ على مرافىء الوجدان (ملف/12)

ahmad-albiati-2( البحث عن دلمون ) مجموعة شعرية للشاعر محفوظ داود سلمان صدرت عن دار فضاءآت nالأردنnعمّان ، وهي من القطع المتوسط جاءت ب ( 171) صفـــحة وتضمنت ( 40 ) قصــيد .
الشاعر لايمكنه قطعاً فهم ماضيه كما ينبغي إلا في ضوء ماينتجه الحاضر وما يبدعه في لحظاته الراهنة ، ففهم الشاعر لماضيه لايتم على وجهه السليم إلا إذا كان مستضيئاً بمطالب الحاضر ونداءآته ، لأن الشعر يمثل اداة للتعبير عن الإنسان في صلته بواقعه زمناً ومكاناً بطريقة بالغة التأثير ، والشاعر يستعين بمختلف وسائل التعبير من اجل توصيل رسالته الى المتلقي ، إذ شكلت اللغة عند الشاعر محفوظ في كتاباته الشعرية ركناً أساسياً ومهماً على اعتبار أنها موطن الهزّة الشعرية وانعاش وتجسيد للفاعلية الشعرية واختزال لكيانها المادي ، لذلك جعلنا الشاعر في مجموعته هذه نتحسس الدلالات الساطعة من حيث البناء في هيكل القصائد الممتلئة بالحرارة والشاعرية ، ففي لغته التجلي والإفصاح عن شخصيته التعبيرية البالغة الكثافة ، حارة ومتحركة تجسد رؤيته وذهوله وحلمه .
في قصيدة ( الزلزال ) ص 159 يقول:
في الليل كان الناس يحتشدون خلف رؤاهم،
والصمت أعمق مايكون ، تدثرت بالريح
والأمطار بلدتنا ، وكانت نسوةٌ
يبكين أو يسردنَ أخبار المساء وربّما
قصصاً عن الملك السعيد …
في ساحةٍ مهجورةٍ كانوا يلمّون الأحاديث
القديمة ، يجمعون من المحارق ماتبقى
من أسى …
وتقول إمرأةٌ : بأن قيامة تأتي
وينتفض العبيد …
الصور والإستعارات في نصوصه الشعرية لها وقع خاص في شعره من حيث التكثيف والإيماء، فيها الصدق والوضوح ، محاولاً قدر المستطاع الإبتعاد عن العبارات الفضفاضة من حيث التعبير والإسلوب ، نصوصه حافلة بالأسئلة المتشابكة الناتجة عن دوافع نفسية عديدة شحنها باسئلة ومخاطبات ، وهذا ماجعل صوره الشعرية متعددة في الرؤية والإستحضار . كما جعلنا الشاعر نتلمس طعم التجريد والوهم والحقيقة والخيال حين تحرر من سلطة الواقع المرير وصولاً الى الفعل النفسي في عالم الروح ، محاولاً أن يرتشف من نفحات السرور والسعادة كونه يعتبرها واحته الخضراء التي تفيض شوقاً وحنيناً . استمر في بناء القصائد بالمهارات التي امتلكها عندما وظّف أدواته الشعرية بطريقة مؤثرة ومعبرّة لتصوير الأحداث المتدفقة بصفاء رؤيته الشعرية الثاقبة ولونه الشاعري الجميل .mahfoz dawod 2
في قصيدة ( بائع الأحلام الوردية ) ص 77 يقول :
قيل عني بائع الأحلام ، قد أسكن في
كوخ
من الحلم بعيد …
أحرث البحر ، وأستلقي على صارية
منخوبة
أخشابها من شجر الأرز ، صلاتي من
صهيل
الموج أو من رجع ملاحين في أفق
شريد
أنسج الوهم طيوفاً ..
أغزل الضوء شباكاً …
وأنا أغرق في جرح نشيد
ادخلنا الشاعر في غمرة احساس جارف بحيوية موضوعاته التي تناولها في قصائده بتفصيلاتها المتغيرة ، وكانت نصوصه ردة فعل لواقع أو حدث عِبْرَ دلالة شاملة والتي جعلها بتماس مباشر مع محنة الإنسان من حيث التداخل لرؤية الجوهري والشامل من خلال التأجيج المحسوس ، لذا فأن ذاته الشاعرة استطاعت ان تضفي تشكلات جمالية وتمظهرات عدة عِبْرَ الصور والأخيلة التي جسدت الفعل الإبداعي للجملة الشعرية في بناء تعبيري متقن وتصور خاص لمفهوم الشعر ووظيفته . ففي نفسه حاجة ملحة للبوح ونشر الحقائق التي خزنها داخل نفسه الإنسانية فتمكن من توضيح اشارة دلالة المقاطع المرتبطة فيما بينها ، وهذا ماجعل لمحاته الشعرية توّلد جمل شاعرية مصاغة بدقة متناهية ، كان واضحاً في إيصال بنائه الشعري بإحكام متدرج نحو النمو مستنداً الى الوجدانية الشاعرية معبراً عن تجربته العميقة للحياة بما فيها من الخليط المتجانس للأحداث.
في قصيدة ( ثرثرة …) ص 21 يقول :
قيثارتي ضاعت وقد هربت بعيداً في طريق …
كانت تثرثر عن شفاه حبيبتي وتقول :
انهما جرار من عقيق …
قيثارتي كانت وراء النخيل ، تكمن في
دروب الريح ، تغزل نسجها ضوءاً
من القمر العتيق…
كانت تقول لديكِ بعض من جرار الطيب ،
عطر الطلع اكمام تفتق عن رحيق …
وتقول عن نهديك : أنهما سلال من عبير
كانت تثرثر عن حكايا أو مواسم من قطافٍ
في قميص من حرير …
قيثارتي تنأى وراء السهل تعبث في الكروم
وتنشر الأخبار : أن جدائلاً منشورة
كانت تغطي كاحليكِ على سرير …kh mahfoz dawod 2
يؤكد لنا الشاعر أنه يعيش حالة من التجلي في مناخ الإبداع وهو ماضٍ في عوالمه كونه متيقن ان الشعر فن يحتاج الى الوقائع واللغة والخيال والتأمل لتفسير الحياة بمختلف ارهاصاتها وتداخلاتها بغية الوصول بثقة واقتدار الى لحظة التوهج الشعري ، ولذلك استطاع ان ينقلنا بلغته الرصينة والثرّة الى عالم آخر مختلف فيه كل الأشياء مختلفة بتوليده للتساؤلات المستمرة ، وخلق علاقة وارتباط بين الموقف والموضوع الذي يطرحه بقيمة فنية وجمالية كونه يعتقد أنها سبيله الوحيد للإتصال بالحقيقة الشعرية التي ينشدها .
في قصيدة ( دويد ) ص 119 يقول :
كان في بلدتنا جسرٌ من الأحزان
مصلوبٌ على نهرٍ من الوجد ، له
اسمُ دويد …
وله كنا نصلّي الفجر أو نصطاد منه السمك
الفضي نرتاب صهيل الماء ، أو نصرخ :
ياربّاه يانهر دويد …اعطنا خبزاً وأسماكاً ووجداً في
سلال السعف الأخضر ، ماأجملك
الأن إله الصمت يانهر دويد …
حيثما كنتَ يقوم النخل أو تبتهل الحلفاء
الشعر يرسم عالماً جديداً يختلف عن العالم الواقعي كونه يشكل رؤية جديدة مغايرة ، لأنه فن ينبني على تجربة شعورية انفعالية ، لذا حرص الشاعر محفوظ على ان تكون نصوص هذه المجموعة هي نافذته التي يطل منها بشعره على مرافىء الوجدان مغترفاً من معين الروح الدافقة ليستزيد بزاد العاطفة والوجع متغنياً بأحلامه والآمه ليعبّر عن موقف عام للإنسان في حياته اليومية ، كانت كل صوره الشعرية منقولة عن حس رؤيوي تأليفاً وتسوية ، كونه أيقن مسبقاً لما يذهب اليه في نداءآته الشعرية ، رسم واقعاً جديداً صار خلفية لمزاج جديد يعيشه الشاعر وينثر قلقه على كل شيء من خلال مونولوج بارع تتكرر فيه المناجاة .
ختاماً : لايمكن أن ننظر الى عملية الإبداع منفصلة عن الشاعر بمعنى أن القصيدة منغلقة على ذاتها ، وكأنها بلا صانع حقيقي ، إذ الشعر لايغدو مخلوقاً بصفات محددة تكسبه ملامحه الخاصة إلا من بعد أن يدخل فيه الفعل والحدث تأثيراً ، لأن الرؤية الراسخة تلقي بظلالها العميقة على مهارات الشاعر الكتابية وتنعكس على أشكاله التعبيرية وتطبع لغته الشعرية بطابعها .

*عن صحيفة التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *