الرئيسية » كتب » عرض كتاب » د. صالح الرزوق: الشخصية المزدوجة في فكر عالم الاجتماع علي الوردي

د. صالح الرزوق: الشخصية المزدوجة في فكر عالم الاجتماع علي الوردي

saleh-alrazzok-2يختلف كتاب (علي الوردي الازدواجية المسقطة) للدكتور حسين سرمك حسن، والصادر في دمشق عن دار الينابيع، عن الأعمال التي تناولت هذا المفكر بعدة نقاط.
1- أنه مكتوب بصيغة سؤال وجواب، ثم تحليل نفسي قلّ مثله.
2- وأنه يحاول أن يسلسل حياة وأعمال الوردي كرونولوجيا بحيث يتحول العرض المسهب للأفكار إلى حكاية مترابطة.
3- أنه يتعرض للوردي كظاهرة مستقلة ولكن ضمن السياق العام للمشهد السياسي. وربما هذه النقطة هي التي تحرك أكبر مقدار من التداعيات.
لقد قدم حوار حسين سرمك حسن مع سلام الشماع مشكلة التنوير، أو بعبارة أوضح مشكلة عصر التنوير بفلسفته وخلفياته السياسية. فالكتاب لا يتردد لحظة في تصنيف الوردي بين رجالات التنوير، ولا يتأخر أيضا ولو للحظة عن كشف معاناته، وما تحمله من هجوم وافتراءات ومراجعات متزمتة. وهذا قانون سرمدي. فقد عانى غاليلو من محاكم التفتيش لأنه طالبنا بتبديل معتقداتنا الخاطئة.
وكان دافنشي هدفا للاستفزاز والتشويه والملاحقة لأنه لا يكتفي بالمحاكاة وإنما ينظر إلى الواقع على أنه يتكون من مستويين: الناظر والمنظور. فقد اهتم دافنشي بالنسبية في الإدراك مثل كل الفنانين الكلاسيكيين من أنصار البويطيقا الإغريقية. وكي لا نبتعد عن موضوعنا أجد أن الوردي،كما يبين الكتاب، هو هدف لمثلبتين:
أولا أنه لم يلتزم بقانون البداهة الاجتماعية وكانت أفكاره صدامية. ولذلك تلقى كل أنواع الاتهامات الممكنة وفي مقدمتها تهمة الخروج على الجماعة، وتهمة الانتماء للشيوعيين.
وثانيا أنه اختار الولايات المتحدة للتخصص، ولم يضع في الحسبان العصاب الجماعي الذي تحول إلى استحواذ مضاد للأجندا الأمريكية، وطبعا هذا على خلفيات دعمها لإسرائيل.
لقد تآلبت التهمتان على إسقاط الوردي، مع أن الأولى هي بكل بساطة الضد النوعي للثانية. وقد لاحظ مؤلف الكتاب ذلك حين قال: لم يتعرض مفكر في العراق لاتهامات عجيبة ومتناقضة مثل الوردي (ص ٣٠).
ولا يمكن لإنسان واحد أن تجتمع فيه الموالاة لموسكو والصداقة مع أمريكا.
وأعتقد أن الوردي ليس استثناء.
مع أنه تفصله عن الرعيل الأول من رواد التنوير (وأود الإشارة إليهم برواد الإصلاح أيضا لأن برنامجهم كان إصلاحيا أساسيا – بمعنى أنه برنامج من ضمن الأطروحة وليس من خارجها) فقد عانى من نفس الأعراض.
لقد هاجرت أفكار الإصلاحيين إلى الغرب، ابتداء من الطهطاوي والأفغاني وهذا يفسر لماذا اختار الحكيم لـ (عصفور من الشرق) مدينة باريس ليتكلم عن صراع الحضارات، ولماذا كانت البيئة الحاضنة لشكيب الجابري في روايته المبكرة (نهم) هي برلين.
ولا أجد بين الإصلاحيين ورواد الحداثة الحضارية من اختار بكين أو موسكو لهذه المهمة.
وإذا كنا نفهم أن السبب هو لنفي الأطروحة (للتخلص من الطغيان العثماني وإطار تركيب أسطورته عن الإسلام بالنسخة السلجوقية) لا أستطيع أن أرى أي سبب للابتعاد عن موسكو.
وتاريخيا كان العداء على أشده بين الطرفين.kh-alwardi-1
ولنأخذ حالة آدم ميتسكيفيتش (شاعر بولونيا القومي) كمثال. لقد لجأ إلى إسطنبول ليحتمي من “الإمبريالية الروسية” كما ذكر بالحرف الواحد في رسائله المخطوطة.
باختصار إن الغرب كان هو المرجعية الأساسية لحركة الإصلاح.
النقطة الأهم هي التهمة التي لاحقت الوردي. ولا سيما العمالة للأجانب (كما ادعى المحامي أنور السامرائي، ص٣١) أو الإلحاد (ص٣٣)، حتى أن المرجعية الدينية رأت أنه رجل مفسد مثل الميسر والخمر (ص٣٥). وفي بعض الحالات كان يصنف بين الفرس مع أنه حجازي (ص٣٧). وهذا لا يختلف كثيرا عن رجم شيوخ الإصلاح بتهمة الماسونية.
وأعتقد أن كل السرديات العربية واجهت نفس الموقف السخيف.
غير تجريم الإصلاحيين استهدف العقل الكلاسيكي الحداثة واعتبر أنها خيانة للشخصية العربية وليست موقفا من الاستاطيقا.
وإذا كانت خلفيات الهجوم على الإصلاح طائفية فخلفيات تجريم الوردي سياسية، أو أقله أنها تنبع من تفسير طبقي لسياسة التعليم ثم صناعة الأفكار.
وهذا يضعنا أمام أزمته مع النظام. وهي أزمة مركبة كما يعتقد المؤلفان. فهي تعود لموقفه من مبدأ الحرية والتحويل في مجال الأفكار، ولعلاقته الملتبسة مع ما ينتمي الإنسان له بالولادة ولا يختاره بالدراية.
وهنا لا بد من توضيحات.
بالنسبة للنقطة الأولى لا تعدو مشكلة الوردي حدود ما يسميه سارتر بأدب المواقف (ص١٢)*. وأعتقد أن حياة الوردي المهنية ما هي إلا سلسلة من المواقف المسرحية، وقد ورد في الكتاب عدة أدوار ارتجل فيها الوردي انتقادات لاذعة ضد الحكومة، وحصل ذلك في أحرج اللحظات عام ١٩٩١ ونهاية حرب الخليج الثانية. ومنها محاضرته المعروفة باسم القنبلة الانتحارية.
لقد كان الوردي لا يحتكم لإيديولوجيا ولكن لبداهة أو فطرة عدمية. وشخصيته نموذج لإنسان عرضة للانفعالات. فالنوبات العصبية التي كان يبديها لا تختلف بمعناها عن ذرف الدموع. إنها برأي سارتر تعبير عن سلوك الفشل وبديل آلي لسلوك أرقى مفاتيحه ليست في أيدينا. فهو انعكاس لاختلال التكيف(ص47). وبتعبير آخر إن ردود أفعال الوردي على العقبات والمنبهات الخارجية هي تمثيل رمزي وتدل على فهمه الرمزي للمشاعر (ص64).
وهذا يعني أن شخصيته من النوع المغامر، إنها مثل كل الأفكار الثوريةـ تجرح ولا تداوي. ويمكن مقارنتها بالفكاهة السوداء التي وجهت كل خطوات الشاعر السوري المعروف محمد الماغوط. فقد كان قريبا من النخبة وبلا أي جذور في الطبقة المنتجة له.
وأعتقد أن هذه الظاهرة تنسحب على كل الأفعال الراديكالية ذات الشكل النرجسيـ سواء لو أنها جزء من الواقع المادي الملموس (كما عند الوردي) أو جزء من الواقع الافتراضي للحداثة العربية (حالة الماغوط).
فالوردي لم يكن مثقفا عضويا، أو أنه وقف في ما يسمى بفرق التوقيت، بين نظام المعرفة وإدراكنا له. وهذا أول فرق بينه وبين الفكر الاجتماعي الذي كان يعكسه على سبيل المثال عمر فاخوري (نموذج من الاشتراكية الشعبية أو الحياد الايجابي).
وأعتقد أن هذا تلاعب بالكلام، فالحياد لا يجب أن تكون له ميول، ومثل هذه العناوين الرومنسية خلفها بروباغاندا معروفة، فالوردي واقعي (حتى باعتراف سلامة موسى- ص٥٢). لكن الفاخوري واقعي رومنسي، وبصريح العبارة يحمل أعراض الفكر الشعبوي (الرومنسية الثورية التي دخلت التاريخ مع البياتي من خلال تحويل اللاشعور إلى تجريدات ورموز).
وبالعودة لسارتر كانت أفكار الوردي تعمل بطريقة الحريات المقيدة، وكي يبرز واقع الظرف الشرطي للحالة اكتفى بالعودة إلى الأشياء ذاتها (ص١٣-١٥) وليس إلى المصادر (حالة فاخوري).
بتعبير أوضح كانت مواقفه دعوة لتحسين الأخلاق بطريقة هوسرل وسارتر وليست موقفا دعائيا أو تعبئة سياسية، فهو لم يعمل على تحريك العصاب الجماعي ولكن إلى تنبيه النخبة فقط، والدليل على ذلك تبريره لاختلافه مع رأي صدام حسين حول الازدواجية في الشخصية، وكما ورد في الكتاب هذا لم يدل على اختلاف ولكن على تكامل، فهو ينظر للمسألة كعالم اجتماع والرئيس يفهمها كزعيم سياسي (ص٤٥). ومثل هذه الهرطقة الواضحة تعكس إنسانا عاقلا متحكما بمشاعره، ويعرف حدوده، ويسميها سلام الشماع في الكتاب بسلوك المحاباة (ص٥٠.(
ولذلك كانت فلتات اللسان عنده منضبطة وبعيدة عن العاطفة، وتأتي من العقل وليس اللسان.
لقد كان لا يتورع عن شن أعنف الحملات الكلامية ضد الحكومة ويضع الخط الأحمر عند رأس البلاد فقط ولو أنه طاغية. وهذا موقف براغماتي ويشبه سياسة الكيل بمكيالين . أو أعراض التفكير التبريري ( كما يقول سرمك حسن بالحرف الواحد فهو ينبنة سلوكينواحد رافض للطقوس و القوانين المرعية و الآخر ينبع من رهاب الدفاع عن الذات، ص 137-138) وهذا يفسر لماذا وقف الدهماء ضده (ص٢٥). وهو شخصيا يعترف بقلة محبيه على الرغم من شهرته الواسعة، وورد في الكتاب قول منسوب له: أنه لا يريد أن يفقد المصداقية أمام الجمهور مهما كان قليلا (ص٨٩). وكان يستشهد بتتريخ الحركات الإصلاحية ومنها دعوة النبي محمد التي استمرت بداياتها 9 سنوات ولم تكسب غير أربعين رجلا (ص 132).
أما النقطة الثانية، فهي علاقته مع السلطة والجمهور.
كانت لدى الوردي نزعة استقلالية، وإذا خالف توجيهات الأب في مطلع حياته، فقد خالف الاتجاه الأبوي البطريركي للسياسة العراقية في سن البلوغ والنضج، ولا يخفي الكتاب سرا حين يقول إنه عارض كل الحكومات وكل أشكال السلطات، ولم يعجبه لا اليمين القومي ولا اليسار الماركسي، واتخذ موقفا عدائيا من حكومة قاسم (ص٨٨)، ثم موقفا شامتا من حكومة الأخوين عارف. فما بالك بنظام البعث. كانت حبال المودة مفقودة مع جميع أشكاله ورموزه ص ٩٤. ولم يكن يحابي لا سكرتير رئيس الجمهورية ولا مستشار ابنه عدي (ص٨٧). واختار استراتيجية الصمت للتهرب من حرب خاسرة سلفا (ص٩٤(.
وزاد من خيبة ويأس هذه الحالة انعدام صلاته مع بيئته الحاضنة، فهو نموذج للشخص اللامنتمي. وكان إدراكه لشخصه يفوق أي معرفة أو انتباه لكل أنواع الخلايا الاجتماعية: سواء الطائفة (وهو من شيعة الكاظمية) أو الطبقة (وهو من الفئة الكومبرادورية التي تتساوى مع أصحاب المانيفاكتورات في نظام الانتاج الآسيوي وتحول لاحقا إلى الطبقة المتوسطة).
وفيما أرى لم يكن الوردي يثق كثيرا بنفسه لغياب هذه الركائز: السلطة والجمهور، ولم يكن يرى شيئا في العالم غير الفرص الضائعة وصورته وبدائلها (نخبة من الأصدقاء يعدهم الكتاب على رؤوس الأصابع).
وربما كانت هذه الحقيقة هي المسؤولة عن حالة قلق المعرفة لديه، من ذلك إيمانه بالبيوت المسكونة بالعفاريت (ص٥٦) والاستسلام لأسلوب الزواج التقليدي المدبر (ص١٠٣) وكراهيته العلنية للشعر ص ٥٢ والإكثار من الشواهد الشعرية في الكلام (ص٩٥). حتى أن كلمته في حفل تكريمه الوحيد كانت بيت شعر يتيم لأبي فراس كما يقول سرمك حسن (ص٩٢(.
وأغلب الظن أن هذه الحالة من اللانتماء لم تطور شخصية نمطية ولكن زادت من جرعة القلق والإحساس الفادح بالعوز لأم مفقودة وأب بطريركي ميت وجدانيا، وحسب المبدأ المعروف الذي دافع عنه أفلاطون في حوار المأدبة: الإنسان يبحث عن ما ينقصه. ولذلك كان الوردي طوال حياته ضائعا بين هذه الفراغات المادية والعاطفية: كسب ود العامة واعتراف السلطات الوطنية به. وكانت انفعالاته نابعة من هذا الشعور المتفاقم بالانفصال.
ورغم ذلك رافقت موكب جنازة الوردي بعد وفاته جماهير غفيرة وأمامهم وكيل وزراة الإعلام يومذاك (حميد سعيد- ص116). وهذه إحدى المفارقات التي طبعت سيرة الوردي المهنية كلها.

*نظرية في الانفعالات، جان بول سارتر، ترجمة سامي محمود علي، وعبد السلام القفاش، مكتبة الأسرة، ٢٠٠١. القاهرة،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *