بهنام باقري: دراسة أُسلوبيّة في شعر يحيی السماوي؛ ديوان “نقوش علی جذع نخلة” نموذجاً (د) (ملف/13)

yahia-13-2إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.

الرسالة :
الفصل الثاني: المستوى الصوتي (2)
رسالة مقدّمة لنيل درجة الماجستير في اللغة العربيّة وآدابها
جامعة رازي – کلية الآداب والعلوم الإنسانية
قسم اللغة العربيّة وآدابها

يشتمل بحر الرمل عند السماوي علی وحدة الإيقاعية «فاعِلاتُنْ» بصورتها الأصلية والفرعية، فيدخلها الخبن «فَعِلاتُنْ»، والقصر«فاعِلانْ»، والخبن+ القصر«فَعِلانْ»، والخبن+ الحذف «فَعِلُنْ»، وقد أحدث هذه الزحافات والعلل حركة وتنامياً في القصيدة؛ ولهذه الزحافات والعلل دورها القضاء على الرتابة و الملل المتكرر، وهذا يضفي موسيقی جميلة علی القصيدة.

تفعيلة «فَعولُنْ »، وتغييراتها الطارئة في الديوان:

جدول 2-11- يبين التفعيلات المتغيرة في بحر المتقارب في الديوان.

البحر التفعيلة المتغيرة نوعها وتعريفها

المتقارب – فَعُولُ
– فَعُوْلْ
– فَعُو – القبض (الزحاف): هو حذف الخامس الساکن
– القصر (العلة): حذف الساکن السبب الخفيف وتسکين ماقبله
– الحذف (العلة): هو إسقاط سبب الخفيف من آخر التفعيلة
نماذجها:
* فَعُولُ، فَعُوْلْ، ترددت في نموذج التالي:
تَعافَيْتُ من داءِ يأْسي ..
ومن ظَنِّ أمسي ..
فَجِئْتُ إليكِ أقودُ سفينةَ عمري
فلا تخسريني ..
أنا مُتْرَفٌ .. مَتْرَفٌ .. فاغْنَميني
وكوني ضِفافَ اليقينْ
أنا أَوَّلُ الحالمينْ.
تقطيعه العروضي:
فَعولُنْ / فَعولُنْ / فَعولُنْ¬
فَعولُنْ / فَعولُنْ /¬ ¬
فَعُولُ / فَعُولُ / فَعُولُ / فَعُولُ / فَعولُنْ
فَعولُنْ / فَعولُنْ ¬ ¬
فَعولُنْ / فَعولُنْ / فَعولُنْ / فَعولُنْ /
فَعولُنْ / فَعولُنْ / فَعُوْلْ
فَعولُنْ / فَعولُنْ / فَعُوْلْ

* فَعُو، مثل:
وماذا تريدينَ أكثرَ من أَنْ أكونَ
سفيرَ هواكِ لدى الأزمنةْ
أُمَثِّلُ طُهْرَكِ في حضرةِ المئذنةْ
تقطيعه العروضي:
فَعولُنْ / فَعولُنْ / فَعُولُ / فَعولُنْ / فَعُولُ
فَعُولُ / فَعُولُ / فَعولُنْ / فَعوْ
فَعُولُ / فَعُولُ / فَعولُنْ / فَعولُنْ / فَعوْ kh-bahnam-bakiri
نری تفعيلة فعولن جاءت في صور متعددة من التحولات النسقية، دون الإحساس بأي خلل في الإيقاع کما نری أن تفعيلة المحذوفة (فَعُو)، والمقصورة (فَعُوْلْ)، تستخدم في آخر السطر الشعري، الذي يحتاج إلی وقف وقافية، لأن وجودها بين التفعيلات المتحرکة يخل بالموسيقی. ويری عبد الرضا علي؛ “ولما کان الشعر الحر ذا شطر واحد ليس له طول ثابت يعتمد علی تکرار التفعيلة الصافية، وتغيير عدّدها من شطر إلی شطر، فإنّ هذا الإيقاع ناسب جل شعراء حرکة الشعر الحر إذا لم نقل کلهم، فمارسوا فيه علی تباين في الأداء، مع ملاحظة افادتهم في الانتقال من ضرب إلی ما سواه في القصيدة الواحدة، وهي حريّة يمنحها الشعراء لأنفسهم لقتل رتابة التکرار، لذلك فإنهم يجوّزون استخدام کلّ أضرب التشکيلات المتاحة في شعر الشطرين في قصائدهم الحرة” . بناء علی ما تقدم، ورصدنا لأنواع الزحافات والعلل في الديوان، بإمکاننا أن نلخصها في الجدول التالي:

الرقم عنوان القصيدة بحرها ونوعها تعريفها
1. عصفا بهم الکامل المقطوع
هو ماکانت عروضه صحيحة (مُتَفاعِلُنْ)، وضربه مقطوعاً (مُتَفاعِلْ).
2. يا آسري الکامل المقطوع
3. يا صابرا عقدين الکامل المقطوع
4. هل هذه بغداد الکامل المقطوع
5. لا تسأليه الصبر الکامل الأحذ
عروضه حذّاء، وضربه أحذ کذالك (مُتَفا).
6. بددُ علی بدد الکامل الأحذ
7. ماذا تغيّر الکامل الأحذ
8. عَتَبي عليك مجزوء الکامل المرفل هو ماکانت عروضه صحيحة،(مُتَفاعِلُنْ)، وضربه مرفلاً (مُتَفاعِلاتُنْ).
9.
أضيئيني مجزوء الوافر هو ماکانت عروضه (مُفاعَلَتُنْ)، وضربه کذلك.
10 خذي بأمري السريع المقطوع هو ماکانت عروضه صحيحة (فاعِلُنْ)، وضربه مقطوعاً (فاعِلْ).

أما في القصائد الحرة في الديوان، – کما تقدم – أن أضرب القصيدة تتنوع دون أن يختل الإيقاع في أسماعنا، ويری عبد الرضا علي؛ “تبيح حرکة الشعر الحر الانتقال من ضرب إلی ما سواه في القصيدة الحرّة الواحدة، وهذه الحرّية نغّمت الأشطر تنغيمات سريعة قضت علی رتابة الوزن الواحد”. وفي شعر السماوي تعدد الأضرب، کقوله من البحر الرجز:
عدد التفاعيل الضرب
أعوذُ باللَّهِ من الصلاةِ خلفَ لحيةٍ 4 مُتَفْعِلُنْ
تُمَجِّدُ الغُزاةْ 2 فَعُوْلْ
ومن رصيفٍ ينبذُ الحُفاةْ 3 فَعُوْلْ
أَعوذُ باللَّهِ من الساسةِ ينسجون للعُراةْ 5 فَعُوْلْ
ثوبَ الشعاراتِ التي تُبايعُ الطُغاةْ 4 فَعُوْلْ
أعوذُ باللَّهِ من الأَئِمَّةِ التُجّارْ 4 فَعْلانْ
الشاكرين نِعْمَةَ الدولارْ 3 فَعْلانْ
إنّ أضرب القصيدة تتنوع بين ضرب المخبون (مُتَفْعِلُنْ)، والمقصور (فَعُوْلْ)، والحذذ+ التذييل (فَعْلانْ)، دون أن يختل الإيقاع في أسماعنا.

2-2-3- المواشجة الوزنية:
ولا يثيرنا العجب إذا رأينا شاعراً أو أكثر يستخدم أوزاناً متعددة في قصيدة واحدة من قصائد شعر التفعيلة، فربما أن الشاعر يفعل ذلك لتنويع تجاربه الموسيقية وفقاً للأبعاد النفسية، أو للتعبير عن الحالة الشعورية، والانسجام مع المعاني، يری حماسة عبد اللطيف “يلجأ بعض الشعراء إلی المزج بين البحرين في القصيدة الواحدة هروباً من رتابة البحر الواحد من جانب، واستجابة لإيقاع التجربة من جانب آخر” . ويری أحمد الشايب، قد حملهم علی ذلك عدة أمور: منها “تغيير نغمة الشعر حتی لا يکون ملولا، ومنها الخوف من التکلف واقتسار العبارات والألفاظ التي تلائم الوزن والقافية، ومنها مجاراة الشعر الفرنجي في مظاهره الوزنية، ثم حاجة التمثيل والقصص إلی هذا التنويع اللازم لتعدد الموضوعات والأغراض” .
لا نجد تقنية المواشجة الوزنية التي اعتبرها نقاد الحداثة سمة جديدةً من سمات بعض الشعراء الحداثيين، إلا في قصيدة واحدة وهي “نقوش علی جذع النخلة” التي تعتبر القصيدة الأم في الديوان، وهي تتشکل من ثلاثين مقطعا، مزج فيها بين بحور أربعة: الرجز، الکامل، الرمل والمتقارب، مع أن الهيمنة للرجز الذي يشکّل ثلاثة وعشرين مقطعا من مقاطع القصيدة. وقد ينجح الشاعر أن يضفي بعداً جمالياً علی هذه الظاهرة، وذلك بأن يحدث التحول نسقاً مع الدلالة، ويفضي إلی التناغم بين الإيقاع والمعنی. حيث أتی ببحر الرجز في الأربعة مقاطع الأولى ومنه قوله:
الكونُ مرآةُ / كلُّ النهاياتِ بداياتٌ.. / إذَنْ؟ / كلُّ البداياتِ نهاياتُ / وتلكَ آياتُ / * * * / أَتَسْتَحِقُّ هذه الحياةُ أَنْ يعيشَها الإنسانْ / مِسْخاً.. ذليلاً.. خائفاً.. مُهانْ؟ / في حُفْرَةٍ ضَيِّقَةٍ يَأْنَفُها الحيوانْ / مُخْتَبِئاً كانَ.. وكان الموتُ والنيرانْ / يَحْتَطِبانِ الناسَ والبستانْ / ليس شجاعاً لِيَقُرَّ أَنَّهُ جَبانْ! / * * * / ما قيمةُ التحريرِ / إنْ كان الذي هَبَّ إلى نَجْدَتِنا / حَرَّرَنا / واعْتَقَلَ الوَطَنْ؟ / ما شَرَفُ اليد التي تُبْعِدُ عن أعناقِنا القَيْدَ / وعن عيونِنا الوَثَنْ / حين يكونُ الوَطَنُ الثَمَنْ؟ * * * / لا ماءَ في النهرِ.. ولا أَمانْ / في الدارِ / والبستانْ / مُكَبَّلُ الظِلالِ والأَفنانْ / جريمةُ المُثْلَةِ بالأوطانْ / ليسَتْ أَقَلَّ في كتابِ اللَّهِ / من جريمةِ المُثْلَةِ بالإنسانْ.
ينتقل الشاعر بعد ذلك في المقطع الخامس إلى الوزن الكامل (متفاعلن)، فيقول:
لِثَمودَ أُخْتٌ / أَشْرَكَتْ يوماً.. وبايَعَتِ الضَلالْ / دِيْناً / فأَوْحَلَ في الينابيعِ الزُلالْ / فاشْهرْ حسامَكَ / أَيها الشعبُ الموزَّعُ بين خوفِ المستريبِ / وبينَ عارِ الاحتلالْ.
هذا التغيير يؤدي إلی تجنب الرتابة و إلی تنويع الموسيقی في القصيدة، دون الشعور بتغيير کبير في الإيقاع ولعل ذلك يرجع إلی التشابه بين الرجز والکامل، مما يسهل الانتقال من أحدهما إلی الآخر لأن “تفعيلة بحر الکامل (مُتَفاعِلُنْ)، حينما يسکن الثاني المتحرک وهو ما يسمی بالإضمار فتصير (مُتْفاعِلُنْ) أي تساوي تفعيلة بحر الرجز (مُسْتَفْعِلُنْ) سببين خفيفين ووتد مجموع، ومعنی ذلك أنه لو جاءت أبيات بهذه الصورة يمکن أن تکون التفعيلات من بحر الکامل أو بحر الرجز ولکي نحسم هذه القضية وحتی لايلتبس الکامل بالرجز علينا أن نتتبع سائر أبيات القصيدة التي تترکب تفعيلاتها من سببين خفيفين فوتد مجموع (- – U -)، فإذا وجدنا تفعيلة واحدة تحرك فيها الحرف الثاني (U U- U-)، فالقصيدة من بحر الکامل وإذا لم نجد أي تفعيلة کذلك فالقصيدة من بحر الرجز” . کما هي تفعيلة تمتاز بتعدد أنماط زحافاتها وعللها مما يجعل إيقاعها متنوعا؛ ويعود السماوي في هذا المقطع إلی التاريخ، فيذکر ثمود “کأن الشاعر يقوم في قومه نبياً ناصحاً ” . ولذلك استخدم الشاعر فيه تفعيلة بحر الکامل التي تتناسب مع الجو النفسي السائد في المقطع حيث جاء بطيئاً نسبياً وللقافية دور کبير في تشکيل هذا الإيقاع (الظلالْ، الزُلالْ، الاحتلالْ) حيث ظهرت علة التذييل لتکون القافية محطة الاستراحة والهدوء.کذلك يستفيد الشاعر من هذا البحر في المقطع السابع عشر، والثالث والعشرين، والسابع والعشرين. ويعود الشاعر في المقطع السادس حتی المقطع الخامس عشر إلی بحر الرجز ثم في المقطع السادس عشر، و التاسع والعشرين، ينتقل إلی تفعيلة الرمل (فاعِلاتُنْ)، فيقول في المقطع السادس عشر:
كلما نَرْفَعُ صوتاً / باسمِ طفلٍ شاخَ رُعْباً / وأَبٍ قَيَّدَهُ القهرُ / وباسمِ الأرملةْ/ أَوْقِفوا سَفْكَ الدمِ المهدورِ في (الكوفةِ) / في (الأنبارِ) و (البصرةِ) / في (الكوتِ) وباقي المدنِ المشتعلةْ / فمتى تعطون للجائعِ خبزاً / وأماناً للعصافيرِ التي غادَرَتِ الحقلَ؟ / متى يَرْكِنُ للحكمةِ (ربُّ القنبلةْ ) / فَيُجيبُ القتلةْ : / صَبْرَكم.. / لم يُكْمِلِ التحريرُ عامينِ / علامَ العجلةْ ؟
ينتقل الشاعر في هذا المقطع إلی بحر الرمل، ويستخدم الضرب الصحيح (فاعلاتُن) والمخبون (فَعِلاتُن) والمحذوف (فاعِلُن) والحذف + الخبن (فَعِلُن)؛ مما يجعل الإيقاع متحرکاً من دون رتابة مملة. وفي الرَّمل “رقةٌ وعذوبةٌ مع مافيه من الأسی” . و”يستعمل کثيرا في الشعر الحر، لغنائيته التي تثير النشوة، ولانسيابيته علی اللسان ، ولمرونته العالية” .
وانتقل السماوي في المقطع الخامس والعشرين إلی الوزن المتقارب (فَعولُنْ)، فيقول:
حَثَثْتُ خطايَ / إلى حيثُ لا نجمةٌ تَتَّقِدْ / ولا من ظِلالٍ سوى خيمةٍ / كلما أمطرتْ غيمةٌ تَرْتَعِدْ / ألاَ أيها العشقُ.. يا آسري المستبدْ / شَبِعْتُ من الصبرِ حتى تَقَيَّأْتُ خبزَ الأماني / وَجَفَّتْ على شفتيَّ الأغاني / فَمَنْ لي بطينِ الفراتِ / عسى نخلتي تَبْتَرِدْ؟
في هذا المقطع تحول الوزن إلی تفعيلة (فَعولُنْ)، الأمر الذي يؤدي إلی تسارع الإيقاع؛ وهذا البحر “متدفِّق سريع نظراً إلی قصر هذه التفعيلة، ولذلك يصلح للسَّرد وللتعبير عن العواطف الجيَاشة في آن واحد” . وجاء الوزن متوائماً مع الحركة النفسية وتسارع الأحداث في مأساة هذا الوطن. ويری عصام شرتح؛ “إسناد الخبز إلی الأماني والجفاف إلی الأغاني قد ولَّد حرکة ذهنية شعورية جمالية بهذا الإقتران الشاعري المثير؛ لتبدو الصور التحفيزية غاية في الدلالة علی العقم الوجودي والمشقات التي تعانيها العراق” .
وأخيراً إنّ الشاعر حين فعل ذلك – بالقصد أو دون قصد- قد حقق مجموعة من الأهداف، بالإضافة إلی مسألة التنويع النغمي التي هي ضرورة للقصيدة؛ إنّ تنويع الشاعر لإيقاعه في هذه القصيدة لم يأت بدون هدف وإنما جاء لأداء وظيفة دلالية؛ لأن “شعرية السماوي ليست عبثية أو صوتية غوغائية بلا هدف أو معنی، إنها ترسيمة جمالية وإحساس شعوري عميق ورقة شعورية تأملية صوب تجسيد قصيدة متکاملة متفاعلة الأنساق والرؤية الشعرية” .kh-yahia-12-2

2-2-4- التدوير:
التدوير هو ظاهرة إيقاعية متميزة في الشعر المعاصر. وهو في القصيدة التقليدية “اشتراك شطري البيت في کلمة واحدة ويسمی البيت: المدور أو المدخل أو المدمج” . وتقول نازك الملائکة: “للتدوير فائدة شعرية وليس مجرد اضطرار يلجأ إليه الشاعر، ذلك أنه يسبغ علی البيت غنائية وليونة لأنه يمدّه ويطيل نغماته” . أما التدوير في الشعر الحديث فيكون “بتدوير التفعيلة في سطرين متتاليين أو تدوير مقطع أو بعض المقاطع، أو تدوير کل مقاطع القصيدة، أي النص الشعري كاملا بوصفه جملة طويلة واحدة” . ويری عبد الجليل يوسف في کتابه «موسيقی الشعر العربي»: “إذا تأملنا التدوير في الشعر الحديث أو الحر فإننا نجد الشعراء جميعهم – إلا القليل النادر – يعمدون إلی تقسيم التفعيلة نفسها بمعنی أن جزءاً من التفعيلة يکون في شطر ويأتي الجزء الآخر في الشطر الذي يليه” . وقد تباينت آراء النقاد والدارسين في تبيين هذه القضية ومناقشتها، ومن أهمها آراء نازك الملائکة التي تمنع التدوير في شعر التفعيلة، وتقول في هذا الصدد: “إنّ التدوير يمتنع امتناعاً تاماً في الشعر الحر، فلا يسوغ للشاعر علی الاطلاق أن يورد شطراً مدوراً ” . أما أسباب امتناع التدوير في الشعر الحر، في رأيها فيما يلي: ”
1-لأنّ التدوير يعني أن يبدأ الشطر الثاني بنصف کلمة وذلك غير معقول في شطر مستقل. وإنما ساغ في شطر الثاني من البيت لأنّ الوحدة هناك هي البيت الکامل لاشطره. أما في الشعر الحر فإنّ الوحدة هي الشطر ولذلك ينبغي أن يبدأ دائما بکلمة لا بنصف الکلمة.
2- لأنّ شعر الشطر الواحد ينبغي أن ينتهي كل شطر فيه بقافية، (أو علی الأقل بفاصلة تشعر بوجود قافية) ومن خصائص التدوير أنه يقضي علی القافية، لأنه يتعارض معها تمام التعارض.
3- يمتنع التدوير في الشعر الحر لأنه شعر حر؛ أعني أنّ الشاعر فيه قادر علی أن ينطلق من القيود، ومن ثم فإن ذلك يجعله في غير حاجة إلی التدوير” .
فظاهرة التدوير كما رأته نازك الملائكة هو اشتراك شطري البيت الشعري الواحد في كلمة واحدة، لکن العروض الحديث، “أصبح يتعامل مع التدوير، ليس بمعنی تقسيم کلمة في سطرين وإنما بتقسيم التفعيلة نفسها في سطرين ومن ثم في کلمتين” . کما يری راشد علي عيسی ” أنّ التدوير في الشعر العمودي يكون في تجزئة الكلمة، وفي شعر التفعيلة يكون في تجزئة التفعيلة فتبقى الكلمة سالمة كاملة كأن لا تدوير فيها ظاهرياً، ولكن عند تقطيع السطر الشعري تتجزأ التفعيلة لحاجة الدراسة حسب، مع أن تدوير الكلمة شاع في بدايات شعر التفعيلة لكنه سرعان ما اختفى لعدم تقبله، إذ تبدو الكلمة مجزأة في سطرين” . على أية حال، أن هذا الرأي الصارم – نازك الملائکة – لم يحل دون استخدام التدوير في شعر التفعيلة؛ فقد غدت هذه الظاهرة الموسيقية الإيقاعية أمراً يكثر من استخدامه الشعراء المحدثون. فإن قضية التدوير “أصبحت جزءاً مهماً من بنية القصيدة الحديثة، وقد أسهمت بأنماطها المختلفة في إحداث تطور كبير في بنية هذه القصيدة لم يقتصر على الجانب الإيقاعي الصرف، بل تعدى ذلك إلى الجانب الدلالي بكل موحياته وظلاله” . تبدو ظاهرة التدوير واضحة في شعر يحيی السماوي، حيث يستخدمها في کثير من قصائده، من ذلك قوله :
يُصَدِّرُ العراقُ تَمْراً
مُتَفعِلُن / مُتَفعِلُن / مُس ¬
وَمُشَرَّدينَ ناجينَ من الإبادةْ
تَعِلُن / مُتَفعِلُن / مُستَعِلُن / فَعولُن
والحزنَ
مُستَفعِ ¬
والنفطَ الذي أَشْبَعَنا جوعاً ..
لُن / مُستَفعِلُن / مُستَفعِلُن / مُستَف
ويستوردُ كلَّ سِلْعَةٍ
عِلُن / مُستَعِلُن / مُتَفعِلُن
بِدْءاً من الأحذيةِ المطَاطِ
مُستَفعِلُن / مُستَعِلُن / مُستَفعِ¬
حتى (حَرَسِ القيادةْ )
لُن / مُستَعِلُن / فعولُن
الشاعر يحيی السماوي يستخدم تفعيلة (مُسْتَفْعِلُنْ) ومشتقاتها (فَعولُنْ، مُتَفْعِلُنْ، ومُسْتَعِلُنْ) ويلجأ إلی التدوير في نهاية السطور (الأول و الثالث والرابع والسادس)، وهذا يدعو إلى ضرورة الاستمرار في القراءة بدون توقف في هذه السطور، فالقارئ يمكنه أن يواصل القراءة لهذا العدد دون أن يشعر بالإرهاق. والتدوير، کذلك يدعو إلى ارتباط هذه الأسطر وتواصلها عروضياً ودلالياً؛ إذ كان بإمكانه في السطر الثالث والرابع أن يقول: “والحزن والنفطَ الذي أَشْبَعَنا جوعاً”، دون لجوء إلی التدوير، لکنه يلجأ إلى التدوير في السطر الثالث المكون من كلمة واحدة، وهي (الحزن) وقد أوردها لأهميتها ولزيادة لفت النظر إليها في سطر منفرد ليؤکد الواقع المؤلم الذي تعيشه وطنه العراق من حزن، ومآسٍ.
ويقول السماوي في قصيدته «إنکسار»، علی تفعيلة الکامل:
ما كان لي أَنْ ألتقيكِ بمستراحٍ من خريفِ العمرِ
مُتفاعِلُن / مُتفاعِلُن / مُتَفاعِلُن / مُتفاعِلُن / مُتفاعِ¬
لا نارٌ فَتُذْكي المبخرةْ
لُن / مُتفاعِلُن / مُتفاعِلُن
تَعِبَتْ صباحاتي
مُتَفاعِلُن / مُتْفا ¬
فأَلْقَيْتُ العَصا في الغابةِ الحجريَّةِ الأشجارِ
عِلُن / مُتْفاعِلُن / مُتْفاعِلُن / مُتَفاعِلُن / مُتَفاعِ ¬
منتظراً بِشارَةَ هُدْهُدِ الرؤيا
لُن / مُتَفاعِلُن / مُتَفاعِلُن / مُتْفا ¬
وحين غَفَوْتُ أَيْقَظَني صداكِ
عِلُن / مُتَفاعِلُن / مُتَفاعِلُن / مُ¬
ذُعِرْتُ ..
تَفاعِ¬
كان الماءُ من حَجَرِ
لُن / مُتْفاعِلُن / مُتَفا¬
ولا عشبٌ فَيُنْبِئُ عن طحينٍ في رُحى وَجَعي
عِلُن / مُتْفاعِلُن / مُتَفاعِلُن / مُتْفاعِلُن / مُتَفا¬
حَزَمْتُ بَقيَّتي.. لكنَّ بابَ البحرِ موصدةٌ
عِلُن / مُتَفاعِلُن / مُتْفاعِلُن / مُتْفاعِلُن / مُتَفا¬
وأرصفةَ الموانئِ مقفرةْ !
عِلُن / مُتَفاعِلُن / مُتَفاعِلُن
نلاحظ هذه الفقرة الشعرية من قصيدته «إنکسار»، تُعتبر بيتاً شعرياً طويلاً، فقد استخدم السماوي التدوير العروضي الطويل نسبياً ويحتاج المتلقي الذي يريد أن يسير خلف الإيقاع إلى قراءة هذه الفقرة كلها دفعة واحدة لأنها كلها مدورة – عدا السطرين؛ هما السطر الثاني والسطر الأخير حيث تنتهي بالقافية- وهذا يربط بين أجزاء القصيدة على المستوى الإيقاعي، وله وظيفة أخرى هي ربط الأجزاء معا ربطا عضويا، والكشف عن نمو هيکل القصيدة نموا متكاملا، يستشعره المتلقي أثناء قراءة النص، وهذا يؤدي إلی إدراك شعوري عميق بالموقف الشعوري الذي يعيشه الشاعر. وهکذا؛ تمتاز قصائد يحيی السماوي “بتکاملها النصي وتفعيلها النسقي للرؤی الشعورية المکثفة لتأتي قصائده متفاعلة علی أعلی المستويات؛ وکأنها کتلة شعورية واحدة متقدة عاطفياً ونبضاً شعورياً بالغ الرهافة والحس والتأمل” .

2-2-5- القافية:
تُعدّ القافية من الموضوعات الخلافية بين النقاد قديماً وحديثاً، حيث اختلفوا في تحديد المقدار الذي يُطلق عليه اسم القافية. وليس بإمکاننا الإهتمام بهذه الجوانب کلها لأنها بعيدة المنال في عمل تطبيقي کهذا ولا نقصد التبسيط في مختلف أوجه النظريات والآراء وتتبع مواطن الوفاق والخلاف، بقدر ما يعنينا اکتشاف سمات استعمالها ودورها الإيقاعي والدلالي في الديوان موضوع الدراسة.
القافية في اللغة “اسم الفاعل من قفاه يقفوه إذا تبعه، قال الله سبحانه تعالی: (ثُمَّ قَفَّيْنا عَلَی آثارِهِم بَرُسُلِنَا) [الحديد: 27]، فالتَّقْفِية تُشير إلی تتابع الرِّسالات والرسل علی طريق هداية البشر” . أما في الإصطلاح، هي علی رأي الخليل “من آخر حرف في البيت إلی أول ساکن يسبقه مع حرکة الحرف الذي قبل الساکن، وهذا هو الرأي الصائب السائد. وعلی رأي الأخفش أن القافية آخر کلمة في البيت” . ويقول إبراهيم أنيس: “ليست القافية إلا عدة أصوات تتکون في أواخر الأشطر أو الأبيات من القصيدة، وتکرارها هذا يکوّن جزءاً هاماً من الموسيقی الشعرية. فهي بمثابة الفواصل الموسيقية يتوقع السامع ترددها، ويستمتع بمثل هذا التردد الذي يطرق الآذان في فترات زمنية منتظمة، وبعدد معين من مقاطع ذات نظام خاص يسمی بالوزن” .
کما أشرنا سابقاً، الموسيقی تشکل ارتکازة أساسية في الشعر العربي تعتمد علی محورين أساسيين هما: الوزن والقافية. فالکلام لا يسمی شعراً حتی يکون له وزن وقافية؛ کما يری صفاء خلوصي “لا يمکن للشعر العربي أن يکون شعراً بمعناه الحقيقي بمجرد الوزن، فالوزن والقافية متکاملان لا يستقيم أحدهما بدون آخر” . ويقول عزالدين إسماعيل: “ولم يکن الشعر ليستغني عن القافية، لکنه يستطيع أن يستغني عن الروي المتکرر في نهاية السطور. ومن هنا استغنی الشاعر عن القافية المتحررة، تلك التي ترتبط بسابقاتها أو لاحقاتها إلا إرتباط إنسجام وتآلف، دون اشتراك ملزم في حرف الروي” . فالقافية ضربة إيقاعية على المستوى العروضي لا تقل أهميةً عن الوزن والبنى الداخلية.
وما زالت القافية رغم كل محاولات التطور والتجديد القديمة والحديثة، ركناً هاماً وله علاقة بالإيقاع الذي هو روح الشعر .وتری نازك الملائکة في هذا الصدد: “مهما يکن من فکرة نبذة القافية وارسال الشعر فإنّ الشعر الحر بالذات يحتاج إلی القافية احتياجاً خاصاً. وذلك لأنه شعر يفقد بعض المزايا الموسيقية المتوفرة في شعر الشطرين الشائع. إنّ الطول الثابت للشعر العربي الخليلي يساعد السامع علی إلتقاط النبرة الموسيقية ويعطي القصيدة إيقاعاً شديد الوضوح بحيث يخفف ذلك من الحاجة إلی القافية الصلدة الرنانة التي تصوّت في آخر کل شطر فلا يغفل عنه انسان. وأما الشعر الحر فإنه ليس ثابت الطول وإنما تتغير أطوال أشطره تغييراً متصلاً، وهذا التنوع في العدد يصيّر الإيقاع أقل وضوحاً ويجعل السامع أضعف قدرة علی التقاط النغم فيه. ولذلك فإنّ مجيء القافية في آخر کل شطر، سواء أکانت موحّدة أم منوّعة يتکرر إلی درجة مناسبة، يعطي هذا الشعر الحر شعرية أعلی ويمکّن الجمهور من تذوّقه والاستجابة له” .
فالقافية تلعب دوراً أساسياً في ترکيبة الإيقاع وهي “مرکز الحرکة النصية وبؤرة الإشعاع الإيقاعي في القصيدة؛ وهي المرتکز الفني الذي يستند إليه محور الإيقاع وشعرية الدلالة في بث الحرکة الجمالية في التراکيب الشعرية” .kh yahia 16

2-2-5-1- القافية في شعره العمودي:
والدارس لشعر يحيی السماوي يجده يهتم بالقافية؛ فمهما تفلّت منها سرعان ما يعود إليها؛ مما أكسب شعره قوة تماسك، وجمال الإيقاع، وتتميز القافية عنده بأنها رکن أساس من أرکان قصيدته. للقافية في الشعر العمودي دورٌ متميزٌ يتآلف فيه مع البحر الشعري، فنظام البيت الشعري بشطريه المتساويين يحقق فواصل موسيقية متساوية تطرب لها الآذان. نظم السماوي قصائده العمودية؛ التامة والمجزوءة على النمط المعتاد ذي الشطرين المنتهي بقافية. وإهتمام السماوي بموسيقا قوافيه؛ اختار كثيراً منها ممدوداً لتنساب في الأذن، كقوله وقد جعل الألف ردفاً * لحرف (القاف) :
جَفَّ الصُداحُ على فمي وَتَخثَّرَتْ ………لغَتي وأَضْرَمَ زَنْدُها أوراقي
وَتَعِبْتُ من صوتي أُنادي لاهثاً ……..وطني ونخلَ طفولتي ورفاقي
وأَحِبَّةً مَرَّتْ على بستانِهِـم خيلُ الغُزاةِ فأَصْـحَرَتْ أعماقي
وأنيـنَ ناعـورٍ وضحكةَ جدولٍ ….وَرَذَاذَ فانـوسٍ وَجَمْرَ وِجاقِ
أَشْفَقْتُ ـ من خـوفي ـ عليَّ فَخاصَمَتْ …نـارُ الفـؤادِ سُلافَةَ الإشفاقِ
وقوله قد جعل ردفه (الياء):
أَلْتَذُّ بالـجرحِ ليأْتيني ……صوتُكِ بالطيبِ فَيُشفيني
فَطَمْتِ عينيَّ فلا تفطمي …سَمْعي فَهَمْسٌ منكِ يكفيني
فيا عفافاً رَتَّلَتْ بوحَهُ ……….مئذنةُ الروحِ أَجيبيني
ما للمسافاتِ التي بيننا …..تُدْنيكِ من قلبي وتُقْصيني؟
وقوله فيما ردفه (الواو):
المُفْتَرون على الإله بِسَنِّهِمْ فتوىً تُنيبُ عن الجهادِ قُعودا
الناقصونَ مروءةً وعروبةً ….الكاملونَ نذالةً وجحودا
رقصوا على قَرْعِ الطبول كأنَّهم ..خُلِقوا لطبلِ الأجنبيِّ قرودا
ظَنّوا الكرامةَ منصباً فاسْتَرْخصوا ….كِبَراً فكانوا للغزاةِ عَبيدا
مَدُّوا لأحذيةِ الجُناةِ رؤوسَهمْ جسراً ومدُّوا للأَكُفّ خدودا
يدخل حرف المد إلى القافية المردوفة في هذه الأبيات ويتجاوب مع الردف إشباع حرف الروي، مما يخلق إيقاعاً متجاوباً في القافية بمد الصوت وإكتساب القصيدة درجة موسيقية ملموسة؛ مما تمثله هذه الحركة الطويلة من حمل للمشاعر الممتدة والأحاسيس العميقة وهذا يضفي عليها طاقة موسيقية أكبر ويعطي مساحة واسعة للإنشاد.
وقد أکثر السماوي من استخدام القوافي المطلقة وهي “ماکان رويها متحرکاً” ، مما يزيد القافية جمالا خاصاً، حيث جاءت قصائده العمودية کلها من نوع القافية المطلقة، ويری إبراهيم أنيس أنّ “قريب 90% من الشعرالعربي جاء محرك الروي (القافية المطلقة)، لأنها أوضح في السمع، والآذان قد ألفت أن تسمع بعد الروي شيئاً آخر” .

2-2-5-2- القافية في شعره الحر:
أما للقافية في شعره الحر أکثر من صورة وبالنظر إلی ديوان «نقوش علی جذع نخلة» – في شعره الحر- کنموذج للقافية في الشعر العربي الحديث، نجد مجموعة من الظواهر الإيقاعية والقافوية فيه. وتتميز قصائده بالإنشاد، وبالإيقاع الموسيقي الذي يُرسّخه بما يکسب القصائد إيقاعية رائعة. ونظراً لفاعلية العملية الإحصائية بما تحتم علی المحلل الأسلوبي اجراء فرضية إمکان الوصول إلی ملامح الأسلوبيّة للنص عن طريق عدد مرات ورود الظاهرة الأسلوبيّة بغية “تخليص ظاهرة الأسلوب من الحدس الخالص لتوكل أمرها إلى حدس منهجي موجه” . قد أثبتت هذه العملية السطور المقفاة في الديوان فيما يلي:
کما ذکرت سابقاً يقع ديوان «نقوش علی جذع نخلة»، في (25) قصيدة. وراوح السماوي فيه بين النمطين؛ الشعر العمودي والشعر الحر. وإذا ما استثنينا القصائد العمودية وهي (العشر)، فإنَّ عدد سطور الديوان يبلغ (826) سطراً. وبرزت التقفية سمة بارزة في هذه القصائد، إذ بلغ عدد السطور المقفاة (403) سطراً بما يشکل 48,78% من عدد سطور الديوان. بمعنی أن حوالي نصف قصائده – الحرة – مقفی. وفيما يأتي سنعرض أنماط التقفية عند يحيی السماوي بمختلف أشکالها:
2 -2-5-3- أنماط القافية :
2-2-5-3-1- القافية الموحدة :
يتمثل هذا النمط من التقفية، في “تکرار النسق الصوتي في آخر السطر بحرکاته وسکناته، مع الاحتفاظ بحرف الروي في معظم الأسطر، وهي أکثر التصاقاً بالمفهوم التقليدي للقافية حيث يتمثل القافية نهاية السطر الشعري” . ويکون هذا النمط وفق النظام (أأأ…)، وهذه القافية علی شکل القافية المعروفة في الشعر العربي ومثال ذلك قول السماوي :
جَلالةُ الدولارْ / حاكمُنا الجديدُ.. ظِلُّ اللَّهِ فوقَ الأرضِ.. / مبعوثُ إلهِ الحربِ والتحريرِ والبناءِ والإعمارْ / له يُقامُ الذِكْرُ.. / تُنْحَرُ القرابينُ.. / وَتُقْرَعُ الطبولُ.. / تُرْفَع الأستارْ / وباسمِهِ تكشفُ عن أسرارِها الأسرارْ / وباسمِهِ تمتلئُ.. الحقولُ بالسنبلِ / أو يُصادَرُ الرغيفُ / فهو صاحبُ العِزَّةِ في المدائنِ المذبوحةِ النهارْ/ جلالةُ الدولارْ / منقذُنا.. / والمرشدُ الفقيهُ .. يُفْتي فَيُطاعُ / لا كما كانت فتاوى السيدِ (الدينارْ) / لِحْيَتُهُ الخضراءُ صهوةُ المُضاربينَ / في مصارفِ (الحوارْ) / فَتَسْتَحيلُ جَنَّةُ اللَّهِ إلى جهنّم ٍ / وتَسْتِحيلُ النارْ / حديقةً قُدْسِيَّة الأَزْهارْ / جلالةُ الدولارْ / في ساعةِ (الحساب) يبقى وحدَهُ / الصانعَ للقرارْ: / (يجمعُ) مَنْ يشاءْ/ (يقسمُ) مَنْ يشاءْ / (يَطْرَحُ) / أو (يضربُ) ما يوصي به الأَحبارْ / يمكنُ أنْ ينوبَ عن فضيلةِ القاضي / وعن بنادقِ الثوارْ / العارِضينَ عُدَّةَ النضالِ للإِيجارْ / طَلْعَتُهُ / تغوي على ذبحٍ شقيقٍ / واجتياحِ جارْ / تُسْتَسْهَلُ الأخطارُ دون وِدِّهِ / ويكبرُ (الصغارْ) / تحت سَنا بَريقه المُعارْ / سماحةُ الدولارْ / صار إماماً.. إِنما / يؤمُّ كلَّ تابعي بريقِهِ / نحو الخَنا والعارْ / عدالةُ الدولارْ / تُطالبُ المذبوحَ / أَنْ يُقَدِّمَ الفِدْيَةَ للجزارْ!
في هذه القصيدة نلاحظ أنّ الشاعر التزم بالقافية الموحدة والمردوفة؛ أي سبق حرف الروي (الراء) حرف من حروف المد وهو (الألف) وظهور حرف المد في القوافي يؤدي إلی وضوح إيقاع (الراء) وإطالة الوقوف في نهاية السطور؛ وهذا الوقوف يزيد من فرصة التأمل لکل سطر، فجاءت القافية في القصيدة متناغمة مع المعاني والجو النفسي الذي يسيطر على الشاعر. وهذه القصيدة تبين “العجز العربي والسيطرة الأميرکية؛ فالدولار رمز للطغيان ورمز للظلمة ورمز للتهتك الاجتماعي والواقع السياسي المزري الراهن الذي حل بالعراق” . فتوحيد الروي مع ما في المدّ المنبعث من حرف (الألف) يمنح النص إيقاعاً واضحاً؛ وهذا التلاحم والانسجام في القصيدة إيقاعياً ودلالياً يمنح النص خصوبة وجمالاً وانسجاماً.
2-2-5-3-2- القافية المتقاطعة :
في هذا النمط من القافية “يعتمد الشاعر النظام (أ ب أ ب) فّيتحد السطر الأول مع الثالث والثاني مع الرابع بطريقة تبادليّة متقاطعة” . وفي هذا النظام لا تتكرر القافية بشکل متوال، وإنما تقاطعها قافية أخری، کما نری في قول السماوي:
صوتُك مزماري أ
دَجَّنَ أفعى الحزنِ في حديقتي ب
فاغْتَسَلَتْ بالعطرِ أزهاري أ
صوتُكِ يا قديستي ب
حَبْلٌ من النورِ نَشَرْتُ فوقَهُ
قميصَ أسراري ..
نلحظ أن الشاعر بنی قوافيه في هذه السطور متبادلة منوعة؛ حيث لا تتکرر إلا بعد ظهور المخالف لها وهذا التنوع الذي لجأ إليه الشاعر مع هذا التناغم الصوتي بين القوافي تبث في الأسطر إيقاعاً جمالياً خاصاً.

2-2-5-3-3- القافية المقطعية :
في هذا النمط من القافية يعتمد السماوي لکل مقطع علی قافية، وتنوع القوافي بالانتقال من مقطع لآخر؛ ونجد هذا النمط من القوافي في القصيدة «نقوش علی جذع نخلة» التي تتضمن ثلاثين مقطعاً وحمل کل مقطع قافية:
لا ماءَ في النهرِ.. ولا أَمانْ / في الدارِ / والبستانْ / مُكَبَّلُ الظِلالِ والأَفنانْ / جريمةُ المُثْلَةِ بالأوطانْ / ليسَتْ أَقَلَّ في كتابِ اللَّهِ / من جريمةِ المُثْلَةِ بالإنسانْ .
والمقطع التالي:
لِثَمودَ أُخْتٌ / أَشْرَكَتْ يوماً.. وبايَعَتِ الضَلالْ / دِيْناً / فأَوْحَلَ في الينابيعِ الزُلالْ / فاشْهرْ حسامَكَ/ أَيها الشعبُ الموزَّعُ بين خوفِ المستريبِ / وبينَ عارِ الاحتلالْ .
والمقطع التالي:
خَطيئَةٌ أَنْ يَستمرَّ الجرحُ / في شكواهُ للسِكّينْ.. / خطيئةٌ أَنْ يأْلَفَ القيدَ / فلا يبذلُ ما في وسعِهِ لكسرِهِ / مُضْطَهَدٌ سجينْ../ خطيئةٌ أَنْ يَقْنَعَ العاشقُ بالمنديلِ / والشريدُ بالرصيفِ / والقتيلُ بالفدْيَة / والشعوبُ بالوعدِ الذي / يَقْطَعُهُ الغُزاةُ في الرحيلِ بَعْدَ حينْ / خطيئةٌ أَنْ تشتري النهرَ / إذا ما كان عِطْرُ الروحِ ـ سِعْراً ـ / وندى الجبينْ!
وهكذا نجد الشاعر ينوّع في القوافي في هذه القصيدة المطولة، وقد سار على هذه الطريقة في بقية المقاطع حتی نهايتها ويجيء لکل مقطع قافية، وهذا الأمر يؤدي إلی تنويع الموسيقی في القصيدة وتجنب الملل والرتابة فيها.
يتلخص موضوع القافية عند يحيى السماوي في أن معظم القوافي التي جاءت في الديوان؛ جاءت متمکنة في مکانها ملتحمة في معانيها مع سائر کلمات البيت الشعري؛ وهذا يدل علی مقدرة فائقة لدی السماوي علی نسج القوافي. وإذا کانت القافية عنصراً أساسياً من عناصر القصيدة للکشف عن مقدرة الشاعر في خصوبة وإحکام شعره فإن القافية – بأنواعها المختلفة – تأتي في شعره متکاملة انسياباً إيقاعيا دلالياً ولا يشعر القارئ فيها أي استکراه وصعوبة. وهذا يؤيد قول الأستاذ عصام شرتح في دراسته في شعر السماوي إذ يقول: “إنّ الشعرية من منظور السماوي ليست بتتابع القوافي وبروزها في نهاية کل سطر شعري؛ وإنما أفضل القوافي المتناغمة – بالنسبة إليه – ما تأتي عفوَ الخاطر؛ منسابة دون تکلف” . ونحن لا نستطيع بحال من الأحوال أن نفصل القافية من سائر الأبيات والسطور في قصائده لأنها ذات معان متصلة بموضوع القصيدة؛ علی سبيل المثال:
البندقيةُ وحدُها الحَكَمُ المُنَزَّهُ / بينَ مشكاةِ اليقينِ / وبين ديجورِ الضَلالْ.. / البندقيةُ ـ لا اليراعُ ـ الناطقُ الرسميُّ / باسمِ الدارِ تَطْحَنُها خيولُ الإِحتلالْ / باسمِ الغدِ المأمولِ / باسمِ طفولةٍ سُفِحَتْ / وباسمِ عُراةِ كهفِ الإعتقالْ …
أيضاً قوله :
يا صابراً عِقْدَينِ إِلاّ بضعةً عن خبزِ تنّورٍ وكأسِ فُراتِ
ليلاكَ في حُضْنِ الغريبِ يَشِدُّها لسريره حَبْلٌ من السُرُفاتِ*
تبكي وَتَسْتَبكي ولكن لا فَتىً …………فَيَفكَّ أَسْرَ سبيئةٍ مُدْماةِ
يا صابراً عِقْدَينِ إلاّ بضعةً ……………(ليلى) مُكَبَّلَةٌ بِقَيْدِ غُزاةِ
ليلاك ما خانَتْ هواكَ وإنما ………..(هُبَلُ الجديدُ) بِزيِّ دولاراتِ
إنَّ (المريضةَ) في العراقِ عراقَةٌ ………أمّا الطبيبُ فَمِبْضَعُ الشَهَواتِ
من خلال قراءتنا المتأملة لقصائد يحيی السماوي -کما في نموذجين السابقين – يتبين لنا أن التلاحم والانسجام بين القافية ومضامين القصيدة واضحة؛ ويظهر دور القافية في تحقيـق وظيفة إيقاعية في أجزاء القصيدة وتعبير عن المعنی وإظهاره وتلفت الإنتباه إلی دلالات النص. والقوافي في هذه الأسطر والأبيات (الضَلالْ، الاحتلالْ، الاعتقالْ، فُراتِ، السُرُفاتِ، مُدْماةِ، غُزاةِ، دولاراتِ ) غير نافرة، وما جاءت عنصراً تزيينياً قابلاً للحذف، بل القارئ المتأمل في قصائد السماوي – خاصة ديوان نقوش علی جذع نخلة – يدرك أنّ هذه الکلمات تشکل معجمه الشعري وأکثرها هيمنة علی سائر الکلمات وأشدها تأثيراً عليها.kh-yahia-13

2-2-6- الروي:
يعدّ الروي أهم حروف القافية، لأنه الحرف الذي تبنی عليه القصيدة. هو “النَّبرة أو النغمة التي تنتهي بها الأبيات، ويلتزم الشاعر تکراره في کلّ أبيات القصيدة، وإليه تنسب القصيدة، فيقال ميميَّة أو رائيَّة أو داليَة…إلخ. واختلف في اشتقاقه، فقيل إنَّه مأخوذ من الرِّواء، وهو الحَبل، فالرّوي يصل الأبيات في القصيدة ويمنعها من الاختلاط کالحبل الذي تُشَدّ به الأمتعة فوق الناقة، أو الجمل. وقيل إنّه مأخوذ من الرّواية بمعنی الجمع والحفظ، فالرّوي بمعنی المرويّ. وقيل إنه مأخوذ من الارتواء؛ لأنّه تمام البيت الذي يقع به الارتواء والاکتفاء” . ويری أحمد الشايب في کتابه «أصول النقد الأدبي»: “هناك حروف تصلح للروي فتکون جميلة الجرس لذيذة النغم، سهلة المتناول وبخاصة إذا کانت القافية مطلقة، من ذلك الهمزة والباء والدال والراء والعين، واللام بخلاف نحو الثاء والذال والشين والضاد والغين فإنها غريبة ثقيلة الکلمات، فکان اختيار الروي من مقاييس الشعر الدقيقة ولا يخالف الجميل المألوف إلا سقيم الذوق أو متصنع” . من خلال قراءتنا في شعر يحيی السماوي نجد أنّ الشاعر حافظ علی اختيار الأحرف ذات الجرس والنغم، ونجد أنه استخدم من حروف الهجاء ثلاثة عشر حرفا، وکان مکثراً في بعضها ومقلاً في البعض الآخر؛ والجدول الآتي يبين حروف الروي التي نظم عليها قصائده العمودية في ديوان نقوش علی جذع نخلة ونسبتها وتواترها:

جدول 2-13- يبين مجموع حروف الروي ونسبة تواترها في القصائد العمودية في الديوان.

الرقم حرف الروي عدد القصائد عدد الأبيات النسبة المئويُة
1. الدال 3 115 32,39%
2. العين 1 41 11,54%
3. القاف 2 68 19,15%
4. التاء 1 70 19,71%
5. الراء 1 31 8,73%
6. السين 1 5 1,40%
7. النون 1 25 7,04%
المجموع 7 10 355 100%

بالنظر إلی حروف الروي في قصائده العمودية فإن الدال تأتي في مقدمتها بنسبة 32,39% ثم تليها القاف، التاء، العين، الراء، النون، والسين. أمّا في قصائده الحرة فإنه استخدم نفس هذه الحروف وزاد عليها ستة حروف أخری لم نجدها في قصائده العمودية کما هو مبين في الجدول التالي:
جدول 2-14- يبين مجموع حروف الروي ونسبة تواترها في القصائد الحرة في الديوان.
الرقم حرف الروي عدد تواتره النسبة المئوية
1. النون 79 20,41%
2. الميم 8 2,06%
3. اللام 47 12,14%
4. السين 15 3,87%
5. الباء 33 8,52%
6. الدال 39 10,07%
7. الراء 75 19,37%
8. الفاء 21 5,42
9. القاف 9 2,32%
10 التاء 23 5,94%
11 الهمزة 10 2,58%
12 العين 22 5,68%
13 الهاء 6 1,55%
المجموع 13 387 100%
يتضح لنا من خلال الجدول أن قصائده الحرة جاءت موزعة علی النون بنسبة 20,41% ثم الراء بنسبة 19,37% وتليها اللام، الدال، الباء، التاء، العين، الفاء، السين، الهمزة، القاف، الميم، والأخير الهاء.
والجدول الآتي يبين مجموع حروف الروي التي نظم عليها قصائده العمودية والحرة في ديوان نقوش علی جذع نخلة ونسبتها وتواترها مرتبة ترتيبا تنازلياً:

جدول 2-15- يبين استعمال حروف الروي ونسبتها من مجموعها في الديوان.
الرقم الروي عدد تواتره في الديوان النسبة المئوية
1. الدال 154 20,75%
2. الراء 106 14,28%
3. النون 104 14,01%
4. التاء 93 12,53%
5. القاف 77 10,37%
6. العين 63 8,49%
7. اللام 47 6,33%
8. الباء 33 4,44%
9. الفاء 21 2,83%
10 السين 20 2,69%
11 الهمزة 10 1,34%
12 الميم 8 1,07%
13 الهاء 6 0,80%
المجموع 13 742 100%
من خلال الجدول وبالنظر إلی حروف الروي وتواترها في ديوان نقوش علی جذع نخلة يتضح لنا إن “الدال” تأتي في مقدمتها بنسبة 20,75% ثم تليها الراء، النون، التاء، القاف، العين، اللام، الباء، الفاء، السين، الهمزة، الميم، ثم الهاء بنسبة 0،80%. ومن خلال استعراضنا للجدول نلحظ أنّ السماوي استعمل الحروف الشائعة في الشعر العربي ولم يستخدم الحروف الثقيلة، مثل الضاد، الخاء، الطاء، الغين؛ ولتبيين هذا الأمر سنعتمد علی تقسيم الدکتور إبراهيم أنيس لحرف الروي ونسبة شيوعها في الشعر العربي في کتابه “موسيقی الشعر” علی نحو الآتي:
أ- حروف کثيرة الشيوع وتلك هي: الراء، اللام، الميم، النون، الباء، الدال.
ب- حروف متوسطة الشيوع وتلك هي: التاء، السين، القاف، الکاف، الهمزة، العين، الحاء، الفاء، الياء، الجيم.
ج- حروف قليلة الشيوع وتلك هي: الضاد، الطاء، الهاء.
د- حروف نادرة في مجيئها روياً: الذال، الثاء، الغين، الخاء، الشين، الصاد، الزاي، الظاء، الواو.
يتضح لنا من خلال الجدول السابق وعرض أحرف الروي في الديوان؛ التطابق في تواتر حروف الروي عند يحيی السماوي مع ما خرج به إبراهيم أنيس؛ حيث جاءت نسبة حروف کثيرة الشيوع في الديوان بنسبة 60,88% من مجموع حروف الروي في الديوان. أما حروف متوسطة الشيوع، فبلغت بنسبة 38،25%، أما حروف قليلة الشيوع؛ فقد قلل السماوي من استخدامها إلی حد الندرة حيث جاءت بحرف واحد وهي: الهاء بنسبة 0,80%. أما الحروف النادرة الشيوع، فما جاءت روياً في شعر يحيی السماوي.
هذا عن حروف الروي ونسبة شيوعها في الديوان، أما حركاته فقد جاءت على النحو الآتي:

جدول 2-16- يبين نسب حرکات الروي واعدادها في القصائد العمودية في الديوان.
الرقم حرکة الروي عدد القصائد عدد أبيات النسبة
1. الکسرة 6 242 68,16%
2. الفتحة 3 108 30,42%
3. الضمة 1 5 1,40%
4. السکون ___ ___ ___
المجموع 10 355 100%
بالنظر إلی حرکات الروي في قصائده العمودية نجد کل قصائده جاءت محرکة الروي (القافية المطلقة). وحركة القافية المطلقة هي الحركة الغالبة في القوافي الشعرية، خاصة في القصائد العمودية التي التزمت قافية موحدة. کما يری إبراهيم أنيس أن “قريب 90% من الشعر العربي جاء محرك الروي (القافية المطلقة)، لأنها أوضح في السمع، والآذان قد ألفت أن تسمع بعد الروي شيئاً آخر” . ونلاحظ من خلال هذا الإحصاء، تقدم الروي المکسور في قصائده العمودية بنسبة 68,16% ويری الباحث أنّ هيمنة الکسرة علی الروي دليل علی هيمنة صوت الشاعر الدالة علی الشعور بالحزن والألم والمآسي التي تمر علی الشعب العراقي لأن “مجيء الروي مکسوراً يوحي بحالة نفسية مکسورة” . وهذه القصائد مفعمة بالشعور بالحزن والأسی والتوتر إزاء کلّ هذه الجرائم الکثيرة التي تحدث في العراق. والسماوي کتب ملخّصا معاناته الفردية ممثلة في الغربة عن الوطن، ومعاناته الجمعية ممثلة في الواقع المؤلم الذي تعيشه وطنه العراق؛ فجاءت هذه القصائد انعکاساً باطنياً لآلامه في ذاته. أما بالنظر إلی حرکة الروي في قصائده الحرة، فنری الجدول التالي:

جدول 2-17- يبين نسب حرکات الروي واعدادها في القصائد الحرة في الديوان.
الرقم حرکة الروي عدد تواتره النسبة المئوية
1. السکون 258 66,66%
2. الفتحة 95 24,54%
3. الکسرة 32 8,26%
4. الضمة 2 0.51%
المجموع 387 100%

في قصائده الحرة کما يتضح من خلال الجدول فقد جاءت حرکات الروي بين الحرکة والسکون. والغالبية العظمی فيها عمدت إلی الروي الساکن (القافية المقيدة)، حيث بلغت نسبته 66,66% ، فيبدو أنّ الشاعر يلجأ أکثر إلی القافية المقيدة، “فبظهور الشعر الحر اتجه الشعراء إلی القوافي المقيدة، وأصبح التسکين سمة ظاهرة من سمات القافية الجديدة…لأنَّ القافية المقيدة في الشعر التفعيلي تسمح بالتدفق، وتحقق الإنسيابية في التعبير فهي تختصر زمن الوقفة علی نحو يسمح بالانتقال السريع” . وتری رحاب الخطيب “إذا کانت القافية المطلقة تصعّد النغم الموسيقي للقصيدة وتمده وتطيله، فإن القافية المقيدة تعمل علی کسر البنية الامتدادية للإيقاع وذلك بالوقف بعد مد طويل أو قصير. وهذه السمة النغمية تکون أوضح في حالة الانتظام؛ أي في حالة ورود القافية في نسق هندسي تتوحد فيه القافية مقطعياً ” .

2-3- الإيقاع الداخلي (الموسيقی الداخلية) :
يعدّ الجانب الموسيقي من أهم الجوانب التي تميز الإبداع الشعري وتلفت انتباه القارئ ، يری عبد الخالق محمد العف “لعل السبب في شيوع الشعر وانتشاره على ألسنة الناس هو تلك اللذة السمعية التي توفرها موسيقاه، فيطرب المتلقي للأنغام والإيقاعات قبل إدراك المعاني والصور، وتبلغ اللحظة الجمالية أوجها عندما تلتقي في النفس دلالات المعنى والموسيقى في كلٍّ متناغم يعبر عن تجربة الشاعر وقدراته . “نظراً للأهمية التي تحتلها الموسيقی في الشعر يمکننا الحديث عن الجانبين للموسيقی في أي عمل الشعري، هما: الموسيقی الخارجية والموسيقی الداخلية؛ أمّا الموسيقی الخارجية – کما مرّت – تعتمد علی الأوزان الشعرية، والقافية، وحروف الروي وجوانب أخری کالتدوير مثلاً. أما وراء الموسيقی الخارجية هناك موسيقی داخلية تنبع من اختيار الشاعر للکلمات وتوالي الحروف وما بينهما من تلاؤم، فهي: “الموسيقی التي تنبعث من الحرف والکلمة والجملة، وهي موسيقی عميقة لا ضابط لها، تتفاعل مع الحرف في حرکاته وجهره وصمته ومدّه، وتنبعث وفق حالة الشاعر النفسية فتتأثر بها” . ويری عبدالرحمن الوجي في کتابه «الإيقاع في الشعر العربي» هي “موجة صوتية داخلة في صميم البناء الإيقاعي للشعر، تسير سير الشاعر، وتردد صدی أنفاسه، وتلوّن رؤيته بجمال أصدائها فترسم من خلال نغمها أجمل لوحة شعرية” .
بفضل هذه الموسيقی الداخلية يتفوق الشعراء بعضهم علی بعض؛ “فإذا کانت الموسيقی الخارجية المتمثّلة في الوزن والقافية هي الجانب الذي يمکن أن يشترك في استخدامه کل الشعراء علی الرغم من خصوصية استخدامهم له، فإنّ الموسيقی الداخلية تبقی الطابع الخاص الذي يميز أسلوب الشاعر عن آخر، إنها البصمة التي تطبع القصيدة بطابع الشاعر المتميز الذي لا يمکن أن يشترك معه شاعر آخر في صياغته وتشکيله، وذلك من خلال استخدامه المتميز وانتقائه لکلماته وحروفه التي تنسجم مع جوّ القصيدة” .
يبدو أنّ الموسيقی الداخليّة، خاصة في بنية القصيدة الحديثة لها دور بارز ومميز في إثراء النص والکشف عن الأبعاد الدلالية والتعبيرية للنص ويتمثل ذلك في الانسجام والتوافق بين عناصر هذه الموسيقی وبين الکلمات ودلالات النص.
وإن کان للموسيقی الخارجية أثر في تنغيم القول الشعري فإنّ للموسيقی الداخلية دوراً موازياً له ويدعم موسيقاه؛ يری “علوي الهاشمي” في کتابه الموسوم بـ «فلسفة الإيقاع في الشعر العربي»؛ “إذا لم يرتکز النص الشعري علی مجال الوزن مباشرة فلا مفر له من ارتکاز علی مجال الموسيقی الداخلية. وذلك لأنّ هذا المجال الحاضر، أکثر المجالات تعبيراً عن مجال الوزن الغائب، وکأنما هو امتداد له، وإن لم يکن هو بعينه، يحمل أصداء قوافيه الغائبة، ويرجّع شبح مقاطعه ووحداته الموسيقية المتناثرة، وذلك بعد أن يصوغ منها نظاماً موسيقياً جديداً ” . ولئن کانت ظاهرة الإيقاع الداخلي من مستلزمات التطور الشعري الحديث، فإنّ “القصيدة التراثية الجيدة لم تکن تعدمها، خاصة أنّ الوزن بحاجة ماسة إلی الإيقاع الداخلي حاجة الجسد للروح لکي يتميز القالب بالقلب، ويختلف الوزن عن الوزن من البحر نفسه بالإيقاع. الأمر الذي يجعل الإيقاع لحمة حية توصل بين الشکل والمضمون” .
إذن الموسيقی الداخلية تؤدي دوراً خطيراً ومهماً في عمل الشعري وتأثر القاریء، و”قد تأتي الموسيقا الخارجية في القصيدة – بالوزن والقافية- رتيبة، فُتشعر متلّقيها بالضيق، لولا حضور الموسيقی الداخلية المرتبطة بالمواقف الانفعالية المتمّخضة عن التّجربة” .
يؤدي الإيقاع دوراً فاعلاً في تکثيف المعنی، وزيادة طاقاته التعبيرية، من خلال انسجامه مع أجواء النصوص ومعانيها. أمّا “دور الشاعر في خلق هذا الإيقاع الداخلي، هو دور الصانع الحاذق، والجوهري الخبير بمادة صياغته، العالِم بالأسس البنائية في الترکيب الشعري الخلاق، فهو باعث سرّ النغم، ينبش غوره، ويصل أعماقه” . ومن هنا يظهر لنا جلياً أن الشعر والإيقاع وجهان متلازمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر. وهکذا، “ينشأ الإيقاع الداخلي، ذلك الإيقاع الخفي الذي نشعر بوجوده من خلال ما يحرِّکه فينا من مشاعر وأحاسيس من خلال انسجام النغم عن طريق عدة مصادر من أهمها استخدام المد، أو استخدام الحروف المجهورة أحياناً أو المهموسة أحياناً أخری، التکرار، الجناس، ورد العجز علی الصدر وغير ذلك من عناصر الانسجام النغمي التي تشکل الموسيقی” .
والناظر في شعر يحيی السماوي، يجد إيقاعات أخری غير تلك الإيقاعات المکتسبة من الأوزان والقوافي، ما يطرب له السمع من خلال سياقات أسهمت في تحقيق إيقاعيتها ونغميتها، والتعبير من خلاله عن تجربته الشعرية.
فإنّ السماوي يحاول في تشكيل البنية الإيقاعية لقصائده؛ الإفادة من أصغر الجزئيات وأدقها من أجل توظيفها واستثمار مكوناتها، بغية إثراء النغمة المؤثرة المنبعثة من الإيقاعات الداخلية مثل التکرار، التجمعات الصوتية، وغير ذلك من هذه العناصر. إذا كان التحليل الأسلوبي قد اتجه فيما مضی نحو البنية الموسيقية في بعدها العروضي – الموسيقی الخارجية – فإننا سنتناول في هذا المبحث العناصر الإيقاعية؛ من سمات الأصوات من الجهر والهمس والتکرار بجميع مستوياته ونحو ذلك من المظاهر الصوتية التي تشکل علاقة الوطيدة بالمعنی، وربط کل ذلك بالجانب الدلالي.

شاهد أيضاً

د. زهير ياسين شليبه: قراءة في قصة بني أندرسن الغنائية “أغانِ سفانته االشعبية*” (ملف/4)

أُشتهر الشاعر بني أندرسن 1929-2018 في بداية السبعينات بالذات بكتابه الغنائي الساخر “أغانِ سفانته الشعبية …

سعد جاسم: فراشات الخريف (هايكو) (ملف/29)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صباح الأنباري: قراءة أولية في قصيدة سعد جاسم «هو يشبه أنكيدو» (ملف/28)

في قصيدة الشاعر سعد جاسم (هو يشبه أنكيدو) تبدأ العنونة بتحديد ذكورية الشبيه (هو) متبوعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *