د.لقاء موسى الساعدي: قراءة نفسية في رواية اسد البصرة لضياء جبيلي

leka-alsadiقد تبدو رواية ضياء جبيلي ( اسد البصرة) الصادرة حديثا عن دار الجمل 2016 ,من نصوص الهوية العراقية متعددة الاثنيات التي برزت في الرواية العراقية بعد احداث عام 2003م. لاسيما وان زمن الرواية أمتد من عام 1963 الى مابعد 2003م, لكن القراءة المتأنية للرواية وعالمها جعلني اعتقد ان القراءة النفسية ضرورة لفهم هذا النص الذي وجد في الرموز والاحلام متركزا له يتكرر في اكثر من موضع ويفرض حضوره على الشخصيات الرئيسية فيه. وفي ظني ان الرواية تقدم نقدا لخطاب الهيمنة ورفض مركزية الرجل المسيطر. وخطاب الهيمنة هو خطاب الروح العسكرية الذكورية التي تتحكم بالانسان منذ صار الرجل سيد هذه الارض, وترسخت صفات الصقت بالرجل كالقوة, وقهر الاخر باستعباده, وتمجيد الاعتداء, وتمثل الروح العسكرية التعبير الاكمل لها. فمارست اضطهادها على الجميع الرجال قبل النساء, لانها تضطهد الرجل الذي لا يجد في نفسه رغبة للدخول في هذه الصورة فيتعرض للوصم بالجبن والضعف وانعدام الرجولة. اما النساء ضمن هذه المنضومة فاضطهادها تحصيل حاصر لمتلاكها ضمن ممتلكات السيد القاهر المسيطر والمحارب.
شخصيات الرواية محدودة لم تتجاوز خمس شخصيات, اربع نساء وذكر واحد هو (أمل) محور الرواية ومركزها الذي تدور الشخصيات النسوية في فلكه, (وأمل) ولد لاب يهودي وام أرمنية. تلجأ خالته الارمنية بالاتفاق مع عمته اليهودية لايداعه عند عائلة مسلمة ليتربى عندها, بعد ان قتل والده الحرس القومي سنة 1963م, واعدم بسبب انتمائه للحزب الشيوعي, وتتبعه زوجته ( نوفا) التي امهلوها حتى ولدت ثم قتلوها, هذه رواية العمة ( هيلا) التي لاتشابه رواية الخالة (ميساك) التي تلقي اللوم على الزوج في وفاة زوجته منتحرة بعد هجرته إلى اسرائيل وتركها لتواجه مصيرها لوحدها مع الطفل.
يحاط (أمل) برعاية (حنان) امه بالرضاعة والتبني ويمنح اسم ولقب العائلة المسلمة ورعاية خالته وعمته وكل واحدة تحاول سحبه لديانتها. لكن (أمل) يظل ملاحقا بصدمة ولادة اخته بالرضاعة ( نسرين) التي تزلزل كيانه كطفل فينشأ نوع من الصراع العاطفي بينه وبين هذا الكائن المنافس.
يستولي حضور (نسرين ) في البيت على تفكير (أمل) ويرفضه في طفولته بمحاولة اعتداء اولى حين حاول خنقها حتى أنقذتها امها من بين يديه , لتتكر محاولة الاعتداء على نسرين في مراهقته حين يعود مخمورا فيغتصبها دون وعي منه متخيلا نفسه أسد بابل الذي يعتلي ضحيته.هذا الوضع النفسي القلق الذي افقد امل توازنه منذ ولادة نسرين, يمكن ان يفهم في اطار رغبته الكامنة في لاشعوره للتخلص من نسرين والهيمنه عليها, ففي هذه المرحلة المبكرة من حياة الطفل يصبح جسده نواة الانا يتحدد معالمها في الزمان والمكان ويعكس التماهي النرجسي الاول الذي يعبر عن الذات حين يتطابق الوعي مع الصورة

الروائي ضياء الجبيلي
الروائي ضياء الجبيلي

المرسومة عن الذات. وحضور نسرين كان جرحا نرجسيا لذات الطفل المتفرد في عائلته التي وفرت له كل اسباب هذا التفرد, لذا يدخل منذ طفولته عالم الرموز للتعبير عن رفضه للاخر المنافس, والرمز الذي لاحقه في احلامه هو رمز اسد بابل حين شاهده للمرة الاولى (( منذ ذلك الحين وهو يحلم أن يمتطي أسدا لايهم ان كان أسد بابل أو غيره, لايهم ان كان اسدا خشبيا او حديديا او من حجر, انما المهم ان يكون اسدا فحسب, لم يلحظ أمل الكتلة الحجرية التي ترزح تحت رحمة الاسد الا بعد سنتين, ذلك الادمي الذي لايبدو انه ميتا, انما خانعا مستسلما لايلوي على شيئ, سوى انتظار عضة الرحمة التي ربما يفكر ذلك الاسد البابلي بمنحها اياه أخيرا))ص65, رمز اسد بابل بما فيه من حمولات هيمنه وقوة مفرطة مكن (أمل) الطفل من تقبل واقعه وتحمل حرمانه, فغياب الشيئ مقترن بوجوده رمزه الذي دخل في الحلقة الكلامية لامل والرغبة الملحة التي يصرح بها في كل وقت, فما هي الرغبة التي كان يدثرها امل برمز أسد بابل, انها الرغبة في ازاحة الشريك غير المرغوب به وامتلاك القوة والسيطرة وهي رغبات الانسان الاولية والبدئية العدوانية التي عبر عنها أمل في محاولات اعتدائه المتكررة على نسرين في طفولته وفي مراهقته مخمورا وغير واعيا. اما في حالات وعيه فانه يكبح جماح رغبة العدوان فيه ويحاول ان يكون صالحا مع النساء المحياطات به, لكنه يفشل في تحقيق هذا التوازن فيغرق في استيهامات جنسية كبتية تظل تلاحقه في حياته الواقعية واحلامه تكون( نسرين) جزء منها, فرغم محاولته تجنب (نسرين ) المولعة بالتمثيل والحالمة أن تصبح ممثلة مشهورة منذ صباها، الا انها تستحوذ على لاشعوره وتظل رغبته الدفينه في اخضاعها لشهوته الجنسية المهيمنة الاولى على علاقته بها, فتحضر هنا شخصية (نيتا المقنعة) ممثلة أفلام البورنو الامريكية التي يراسلها (امل )باسم (أسد البصرة )ويعتقد انها اخته نسرين بعد اختفائها.
أمل يجسيد مرض برنويا الاضطهاد اذ يتوغل فيه اعتقاد بانه مضطهد يصاحبها حالة من التوهومات والهلاوس السمعية والبصرية. مع عدم اعتراف بالخطأ وارجاع الفشل الى تدخل خارجي عن الذات, وتكون اوهامه غريبة وشاذة ومنفصلة عن الواقع.ونسرين بالنسبة له عقبة التفاعل مع المحيط والاستجابة للمتغيرات بالتفاعل معها وليس بازاحتها. kh-dia-aljubaili-2
الرغبة العميقة في السيطرة والفشل في تحقيقها في الواقع ترك امل الذي يرمز للحضارة الذكورية العنيفة والخاضعة لسلطة العسكر التي استوطنت بلاد ما بين النهرين بتعددها الاثني والعرقي على مر عصور حضارتها, فيظل في نزاع مع ذاته التي تبدي السكون ويغلي العنف في طبقاتها العميقة فيمارسه على الاضعف والاقرب في العائلة والاخت التي كانت اول اختبار في حياته المضطربة, وينتهي الى سكون قاتل فهو لايفعل سوى الانصياع لهوسه في جمع صور ومجلات الجنس الرخيصة, والاستمناء العاجز, وقراءة الكتب محبوسا في غرفته لايغادر سريره دون ان يقدم لنفسه خلاصا فرديا على الاقل او يقترن بامرأة حقيقية خارج هلاوسه الذهنية, حتى انه يسند دور كتابة روايته لرجل اخر يرى فيه القوة والشهرة هو الروائي( فارغاس يوسا) الذي كان يأمل بمقابلته أثناء زيارته لبغداد بعد الحرب، فيتوهم حوارا مطولا معه. هو يسير بارادة عسكرية خارجية تجبره على المشاركة بحروب البلد كلها مثل كل رجال البلد الذين يرفضون العنف ظاهرا ويمارسونه ما أن تسنح لهم فرصة لذلك. لذلك فهو يختم نصه كما بدءه برفض الذهاب الى اسرائيل لانها رمز العنف والاعتداء لكنه يبطن رغبة قوية في ممارسة العنف ذاته عليها.
اما شخصية( نسرين) فهي فتمارس عصابا مازوخيا وتتماهى مع من سبب لها الالم, فق راودت (أمل) عن نفسه وسعت بقوة لان يكون لها علاقة جسدية معه فقط لانه افتض بكارتها وكان أول رجل في حياتها حتى انها كرهت امها التي ارضعته حليبها ففرقت بينهنا بهذه القطرات.
ولم يشأ ضياء جبيلي ان يقف عند هذا الاعتداء فقد وضع نسرين في جملة من الاحداث تكون فيها ضحية منتهكة من رجال ابن الرئيس عدي صدام حسين, ثم ضحية مفترضة لانتهاكات الامريكان, فتفقد كل حياتها واحلامها في ان تكون ممثلة مشهورة, لتعود الى بيت الاهل الذي فرت منه في البداية محطمة ويائسة.
هذه الرواية هي صورة الذكورة المشوهة العاجزة عن الفعل والتغيير, وصورة الانوثة المتماهية مع دور الضحية والتي تعود كل مرة الى نفس النقطة التي بدأت منها, انه عجز الانسان حين تعيقه أوهامه عن انجاز حياة افضل فيدور في حلقة مفرغة من العجز واليأس. اخيرا لابد من الاشارة الى ان البطل المهزوم والبطلة الضحية مشترك يجمع الروايات العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الان بستثناءات محدودة.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: تحسين كرمياني.. سرديات المخفي والمجهول.

* كيف يمكن نقل الوعي التراكمي، الى بياض السرد، ومن خلال لغة قد لاتكون الارثية …

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله

بغداد – العراق 28/9/2020 شعريّةُ الذاكرة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : الذاكرة الشعريّة …

ساندرا شمعون: كرسي ستار نعمة

غريب تأثير الاعمال الفنية على الانسان ٠ تغمرنا بِموجة عاطفة تلمس خزين الذاكرة وبشكل محبب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *