كرم نعمة: عيسى حسن الياسري؛ شاعر يبيع الطوابع ويبكي على حال المشترين (ملف/56)

karamnama-4إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
هل يكفي البحث بين السطور التي تبهر الأنفاس لنجد حضارة الشعراء ؟ ربما يختصرها الشاعر العراقي ” عيسى حسن الياسري ” الجنوبي المثقل بالحنين ووصايا والده الصارمة في كشك صغير في مدينة الاعظمية ببغداد لا يحمل إلا الرقم ” 6 ” , ولا يملك أن يبيع فيه إلا الطوابع ,نعم طوابع هي الحاجة الماسة العاجلة لبث ما يعنيه بالنسبة له أن يكون حيا ًفي تلك اللحظة من التاريخ , ويتعامل الشاعر الياسري بعصاه الخشبية ” قدمه الثالثة ” مع الأشياء الحية بحركتها النزقة المدهشة , وربما تحضر الروح القريبة الوحيدة بين الشعراء , من يدري إن ْ كانت مرت خطى ” السياب ” على موقع ” الكشك في الاعظمية ” ؟ أو قد يظهر مع خيوط الصبح شبح ” والت ويتمان ” بلحيته المليئة بالقصائد والفراشات .
بعد خمس مجاميع شعرية انتهت ب ” شتاء المراعي ” لعلنا نستطيع أن نرى عند ” عيسى حسن الياسري ” شيئا ًمن الذي أحاول بكل جهدي استحضاره ” يوجد الشعور بأن اللغة قد تصل متأخرة , قد تحدث ضررا ً, قد لا تكون جديرة بهذا الحب , كل تلك المخاوف في النهاية لا خيار لها , فالأمر برمته يعني اعتزازات وعذابات , فهم واقعي بشكل معقد .. الشاعر عيسى حسن الياسري يبيع الطوابع في كشك قرب محكمة بداءة الاعظمية ببغداد !؟ .
*دخلت ُ هذا العالم ” الكشك رقم 6 ” لبيع الطوابع يوم صدور مجموعتي الشعرية الخامسة ” شتاء المراعي ” 12-5-1992 , كان هناك عالمان متناقضان , عالم الرهبة والخوف من العمل الجديد وعالم الفرح الغامر بصدور المجموعة بعد صمت سنوات عشر , ويبدو أنني كنت ُمحظوظا ًبصدور تلك المجموعة , فقد حققت لي توازني النفسي , والآن اعتقد أن كل شيء صار طبيعيا ًبالنسبة لي , أستيقظ مع الصوت الأول لأذان الفجر , أغادر منزلي عند شروق الشمس , أجدني محشورا ًبين حشود المتعبين ,أولئك الذين ينهضون مع الفجر من أجل رغيفهم اليومي , وتلك مواساة أخرى لي لأنني أشارك تلك الشريحة من أهلنا الذين يكدحون بشرف من أجل البقاء على منهج الحق .aisa 11 (2)
*على من تشعر بالأسى .. عليك .. على القصيدة ..أم على يومك المنتهي بالخيبة .. ؟
الذي يشعر بالأسى ليس أنا ..بل أنت َ,وغيرك من الذين قرأوا لنا وأعتقد أنهم أحبونا من خلال ما كتبنا ..الذي يعبر عن أساه هذا الجيل الذي يرى صورة مستقبله من خلال صورتنا , واعتقد أن هذا مصير كل شاعر ومبدع حقيقي , فعندما تطالع سير الشعراء المهمين تجد أنهم عاشوا بعيدا عن المكاتب الأنيقة , لأن لهم أسلوبا ًحياتيا ًخاصا ًيجعلهم غير مؤهلين لولوج تلك المكاتب فظلوا حبيسي الفاقة .

*الطابع الصغير ..كم يسع من أنين القصيدة … ؟
للطابع صلة وثيقة بأزمة هذا الإنسان ,فإن حياة كثيرين تظل معلقة في عنق ورقة و طابع ومن خلال هذا العالم تكشفت أمامي حالات إنسانية تجعلني في كثير من الأحايين أجهش بالبكاء أمام المشتري , لأنه قبل أن يدفع ثمن الطابع يسارع في سرد مأساته , ومن خلال هذا المستطيل الصغير ” الطابع ” يتجسد أنين القصيدة بأكملها .
*منذ متى وأنت تستعين بقدمك الثالثة … ؟
أشعر أن ّ جبلا ًيجثم فوق أكتافي , وأن ّقدميّ غير قادرتين على تحمل هذا الثقل فاستعنت بتلك القدم الثالثة لتساعدني على حمل هذا الجسد , وهي إن كانت تفيدني في هذه المرحلة فإن الأيام القادمة تحتاج إلى من يسندها .
*شتاء المراعي اسم مجموعتك الجديدة ,وكشك لبيع الطوابع أثمة ما يجمع بين الأسمين؟
الكشك في الصيف قاسي الحرارة وفي الشتاء قاسي البرودة , أما المرعى فيهبك الدفء في الشتاء والظل في الصيف , أنه الانتقال من الجنة إلى الجحيم , ومن المرعى إلى الكشك .kh aisa 10
*هل اكتشفت الشعر الآن .. هل ندمت على الشعر …. ؟
لست ُنادما ًولا ألوم أحدا ً, إنه اختياري الخاص , فأنا أنشد دائما ًأن أكون أنا , ولا أستطيع أن أحقق ” أناي الشعرية ” إلا إذا اخترت الحياة التي أريد , لأن هناك خطأ في الطريق الآخر ,وأنا لا أستطيع أن أسير في الطرقات الخاطئة حتى لو كانت توصلني إلى الظل والماء والعيش الرغيد , أنا أعيش في الزمن الذي كنت قد عشته .
*بعد أن أصبحت جدا ً.. هل تتذكر وصايا والدك … ؟
هي ليست وصايا , بل تأثر بأسلوب حياة الوالد الكبير , كان مثقفا كبيرا ًوكان أستاذي ومعلمي , ولو امتد به العمر لكان أستاذا حتى لأحفاده , لقد رحل لكن ّأسلوبه في الحياة يظل مؤثرا ًفينا , إنه حصانتنا وتعويذتنا التي تقينا السقوط في الهوة التي سقط فيها غيرنا .

…………………………….

” ناقد وصحفي يقيم الآن في انكلترا .. بعد هذه المقابلة تعرض للتحقيق من الجهات الأمنية “

شاهد أيضاً

د. زهير ياسين شليبه: قراءة في قصة بني أندرسن الغنائية “أغانِ سفانته االشعبية*” (ملف/4)

أُشتهر الشاعر بني أندرسن 1929-2018 في بداية السبعينات بالذات بكتابه الغنائي الساخر “أغانِ سفانته الشعبية …

سعد جاسم: فراشات الخريف (هايكو) (ملف/29)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صباح الأنباري: قراءة أولية في قصيدة سعد جاسم «هو يشبه أنكيدو» (ملف/28)

في قصيدة الشاعر سعد جاسم (هو يشبه أنكيدو) تبدأ العنونة بتحديد ذكورية الشبيه (هو) متبوعة …

تعليق واحد

  1. صحفي سابق

    عزيزي المحرر
    الملاحظة التي كتبت في نهاية المقال غير دقيقة مطلقا فلم تحقق أي جهة امنية مع كرم، انا زميل وصديق لكرم نعمة وعملنا معا في جريدة الجمهورية مع انني لم اره او نتواصل منذ 25 عاما، وكنت شاهد اثناء نشر الموضوع على الصفحة الاخيرة بجريدة الجمهورية وقتها ولاأهمية الموضوع اعيد نشره في صحف ومجلات اماراتية واردنية وليبية بعدها كما قرات لاحقا، لم يتعرض لاي تحقيق او مساءلة بل ان “أحدهم” كتب ردا على الموضوع متشنجا ومتهما كرم نعمة وعيسى حسن الياسري باتهمات باطلة مثل الاصطياد بالماء العكر، وعندما وصلت الى رئيس التحرير وقتها صلاح المختار استسخفها ووصفها بالمبالغة ومنع نشر الرد وانتهى الموضوع عندها.
    اعرف كرم نعمة لم يمارس دور الضحية مع انه مثل كل العراقيين تعرض لما تعرضوا له وحتى في كتاباته اللاحقة لم يذكر شيئا من ذلك، تحياتي له وهو يعيش حاليا في بحبوحة العيش بلندن وامل منه التواصل معي فانا لم اغادر بغداد التي احببناها معا وتركها توقا لاحلام كانت تراوده منذ الطفولة حول لندن، كي لا اصدق ما يشاع عنه انه ترك كل اصدقاءه العراقيين متكبرا، انا تركت الصحافة سعيدا بذلك لكنني لم اترك المتابعة لها او التواصل مع الاصدقاء
    تحياتي لصديق القديم كرم نعمة واثق انه سيتعرف علي من كلماتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *