كريم القاسم: رؤيةٌ نقديةٌ في القصيدةِ النثرية

karim-alkasem-3نظراً للمتغيرات الحاصلة في جزئيات الحياة بشتى مفاصلها ، وخاصة في

الحقبة الاخيرة من زماننا هذا ، وجدنا انفسنا كنقّاد امام حقيقة وبديهية لامناص

منها وهي ان النقد مرتبط بالثقافة وحيثياتها ، ومنها الابداع الكتابي والتأليفي .

وإنطلاقاً مما سبق نجد انفسنا مرة اخرى امام حركة ابداعية جديدة في الكتابة

والتأليف ، جَعلتْ النص الادبي يكاد ينسلخ عما وُضِعَ له من قواعد وأسس ، إن

كان شعراً او نثراً ، وتوزعتْ آراء النقاد كل وما يرتأي ، او مايؤمن به من نظريات نقدية ، فالبعض يريد من النص ان لايتنصل عن الجماليات والاستعارات والبلاغة ، ضمن سياق نَصّي قائم على اسس تأليف القصيد . والآخر ذهب الى انه يؤمن بالحراك التأليفي في القصيدة العربية الحديثة نتيجة

تلاقحاتها مع المدارس الاوربية ، كما اسلفنا في مقالات سابقة ، مما ادى الى

ظهور نصوص ادبيه شعرية هي اقرب الى فن النثر ، وخاصة الفترة الاخيرة

، بحيث تجرأ الكثير على كتابة نصوص اسموها بالقصيدة النثرية ، حتى

اصبحت أمراً لامَفرّ منه ، حيث انها لاقتْ استحسان المتلقي ، واستطاعت ان

ترصد وتُعَبِّر وتصف الكثير من كينونات الحياة الجديدة والحديثة ، وهذا

ماسُمّيَ بالحداثة ، حتى تشظى النص الادبي وابتعد عن المتلقي والمتابع

الذي كان متمسك بالأصول والجذور. ورغم هذا وذاك ، اصبحت القصيدة

النثرية جنساً ادبياً له مريدوه .

وبعض الاخوة النقّاد في مصر اسموها بالقصيدة (الاسفنجية) لما لها من قدرة

امتصاص المفردات اللغوية عربية كانت ام اعجمية ، وأعتبروها هي الاكثر

قدرة على التعبير عن مشاعر وخلجات الشاعر ومايرمي اليه ، دون التقيد بما

يؤخر التأليف أو يضع قيوداً ــ الوزن والقافيه ــ على الاتساع بالمعنى والوصف ،

واتذكر انه عقد مؤخرا مؤتمر في عام 2014 بعنوان (قصيدة النثر المصرية )

وشارك فيه أكثر من عشرين شاعرا وعدد من النقاد . وقدم المؤتمرون رؤيتهم

عن قصيدة النثر ، وكانوا يطمحون الى تحويل المؤتمر إلى ملتقى دولي خلال

الأعوام المقبلة بمشاركة ممثلين لقصيدة النثر من المستشرقين من بريطانيا

وفرنسا وإيطاليا ، كي يحجز له مقعدا بين الاجناس الادبية الاخرى ..

هذا الطرح ، هو من وجهة نظر تحليلية نقدية نَمَتْ فوق ارض الاستعراضات

الادبية ، حتى تداولها ذوو الاختصاص ، بين مؤيد ومعارض ، وبين متفائل

ومتشائم . أما مِن وجهة نظري الشخصية كناقدٍ متابع ، اقول :

ان الذين أَتبعوا الحداثة ، وابتعدوا عن الجمالية البلاغية والاستعارة والرمزية

الابداعية وأُسُس بناء النص القصيدى ، قد وقعوا في خطأ فادح وكبير ، ألا

وهو ، انهم لم يتفهموا فكرة ان الموروث بإمكانه التعاطي مع جديد الحداثة ،

نظرا لما يمتلكه من ثروة لغوية هائلة ، وزاد معرفي وفير ، له القدرة على

التماشي مع اي نمط عصري ، دون الاخلال بالركائز البنيوية ، بحيث يُعتبر

المعين الاكبر للمؤلف والاديب لكي ينطلق في بناء أدبي فني جديد . وهذا

الخطأ الكبير ، هو الذي أوقعهم في أَسرِ المدارس الادبية الاوربيه ، ومنها

الانكليزية والفرنسية ، إذ نَتَجَ عنها نصوص ذات متاهات ونهايات اميبيه .

علماً ان هذه المدارس ذاتها ، لديها من التعصب الثقافي والقيد الادبي الذي

لايقبل الزوغان والحيدان عن الاصول التقليدية القديمة ، مما حدا بالادباء

الملتزمين الى الخوف من تحول هذا المولود الى جنس ادبي جديد ثابت

الكيان . والكثير من الاقلام الجديدة ممن دَخَلتْ هذا العالم الجديد ــ القصيدة

النثرية ــ نشروا نصوصاً تتصف بالركّة والضعف والفتور ، كونهم لم

يتسلحوا بثروة ادبية او رصيد لغوي متين وثقافات عالمية ، كي يطوروا

جنساً او فنّاً أدبياً ، انما مجرد نصوص محاكاة وتقليد لشعراء مبدعين ،

مستخدمين لغة بسيطة متداولة ، تخلو من عنصر الحداثة والعنفوان

الادبي الباذخ . والكل مفتون بما يكتب ، وكأنه امتلك ناصية الشعر ،

ومنبر الحاثة .
تقديري الكبير ….

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: تحسين كرمياني.. سرديات المخفي والمجهول.

* كيف يمكن نقل الوعي التراكمي، الى بياض السرد، ومن خلال لغة قد لاتكون الارثية …

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله

بغداد – العراق 28/9/2020 شعريّةُ الذاكرة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : الذاكرة الشعريّة …

ساندرا شمعون: كرسي ستار نعمة

غريب تأثير الاعمال الفنية على الانسان ٠ تغمرنا بِموجة عاطفة تلمس خزين الذاكرة وبشكل محبب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *