فاروق مصطفى: المرأة الجامحة بين د . هـ . لورانس وجليل القيسي (ملف/16)

farooq mostafa 2إشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.

المقالة : 
يمهد القاص “جليل القيسي” قصته الموسومة بـ”سمكة جيلي ” والمنشورة في مجلة ” سردم العربي ” العدد 11 شتاء 2006 بمقطع شعري للشاعر الكولمبي ” كارثيلا سودي بيكا ” : ” آه يا نفائسي التي عثرت عليها في غير آوانها ” وهو يقيم متنه السردي على قصة للكاتب الأنكليزي دافيد هربرت لورانس والمتوفى عام 1930 ” المرأة التي جمحت بعيداً ” وهي قصة كتبها لورانس في عشرينيات القرن المنصرم وقد ظهرت في طبعات مختلفة ، وفي طبعة الآن تحت يدي ضمت القصة مع أحدى عشرة قصة أخرى صادرة عن دار بنكوين في لندن سنة 1981 – وهي قصة استوحى لورانس أفكارها وأجواءها من احدى رحلاته إلى بلاد المكسيك في صقعٍ ناءٍ من تلك البلاد وذلك في فصل الخريف عام 1923 وكيف استغل الكاتب الأنكليزي تجربة سفره في تلك المنطقة القاسية البعيدة حيث تظهر التلال المجلوة بالكآبة والبراري الرهيبة والشعور بالوحدة والضياع وهي تحمل نكهة البراري المكسيكية وطقوس مجتمع بدائي لجماعة من الهنود ، يقع المتلقي على امرأة بيضاء سليلة الحضارة المتمدنة ، تتخلى عن زوجها ومنزلها ، تمتطى صَهْوة حصانها وتولي وجهها نحو مجتمع الهنود البسيط الذي تحكمه العلاقات الفطرية ، المجتمع البعيد عن أغلال العقل وإغراءات المادة والزيف والنفاق ويظهر الهنود هناك مؤمنين بمعتقدات قديمة حول سيطرة الشمس على القمر . ولذا فهم يقيمون الطقوس الدينية المختلفة لإرضاء الشمس وأن الرجال عندهم أبناء النهار ، والنساء بنات الفراغات الموجودة بين النجوم، المرأة الأمريكية البيضاء تنشد بمحض ارادتها هذا المجتمع الفطري تتخلى عن مجتمعها الرأسمالي القائم على دعائم مادية ، إلا أن الهنود يقدمونها أضحية لألهتهم الشمس التي يجب أن تعيد النماء لأرضهم وبذلك المعتقد تنهض سطوتهم من جديد صاغ” لورانس ” فكرة قصته تحت تأثير سحر المعتقد الذي كان يؤمن المكسيكيون القدامى بأن القوة ربما تؤخذ من القلب الذي يقتطع من جسد الضحية التي تقدم قرباناً للآلهة ثم يرفع وهو ينبض إلى الشمس الدامية الحمراء .jalil alkaisi 7
تبدأ قصة ” جليل القيسي ” بمحاضرة الراوي عن قصة ((لورانس )) الأنفة الذكر ، وكيف أن النساء استمعن إليه في خشوع وهن متأثرات بكلماته – وأجواء هذه القاعة وتأثير المحاضرة في نفوس المستمعات تذكرنا بالكلمة التي ألقاها “دوستويفسكي” في منتدى “النبالة” بموسكو في الثامن من حزيران عام 1880 وبمناسبة الذكرى المئوية لولادة شاعر روسيا الكبير ” بوشكين ” ألقى صاحب الأخوة كرامازوف كلمته بصوتٍ متوتر أبح ، وهو بخطابه أثار حماساً صاخباً مما حدا ببعض الجالسات أن يزحفنَ نحو المنصة باكيات متشجنات وهن ينكببن على كفيه بالقبلات والعبرات .
إن واحدة من هؤلاء المستمعات إلى محاضرة الراوي فلنقل هي البطلة والسارد هو البطل يلتقيان على كورنيش ” كركوك” حيث يرتاض ساعات العصارى وهو يتأمل ” القلعة ” وتحويمات النوارس وهي تجوس فضاء المدينة الرحب ، نتعرف البطلة وهي أرملة ثرية تريد أن تسير على نفس خطى بطلة ” لورانس ” في التمرد على مجتمعها وكسر أغلال الزيف ، وحتى في الأخير تترك البطل “أحمد العطار ” وتمضي إلى مجاهيل ” أفريقيا ” إلى بلاد” أوغندة ” الشاسعة بحثاً عن إيقاعات الروح الخصبة مع زنوج رائعي التمدن أو مغامرين أفاقين يعتصرون العيش في ولائم الحياة الملغزة .
يقول الدكتور الناقد ” شجاع العاني ” عن العالم القصصي عند ” جليل ” اختار أن يحلق خارج السرب وأن يختط نهجاً خاصاً به أتضح في مجموعته الأخيرة” مملكة الانعكاسات الضوئية ” بشكل كبير وسأدعو القصة التي رسا عندها القيسي في هذه المجموعة بـ ” القصة الثقافية ”

لورنس
لورنس

ويشرح الدكتور العاني القصة الثقافية مستطرداً ” بمعنى أن القاص لم يعد يتناول في قصصهِ تجارب واقعية معيشة ولا شخصيات انسانية من الواقع باستثناء شخصه غالباً وإنما صار يلجأ إلى استثمار ثقافته الأدبية والفنية والتاريخية مادة أساسية في قصة تقوم على نصوص الآخرين”
وقد وظف “القيسي” في قصته الكثير من مطالعاته وزين متنه السردي بأقوالٍ من الأغريق والفيلسوف الألماني “شوبنهاور” والحكيم الصيني”كونفوشيوس “وعرج ثانية إلى الفلاسفة الألمان فقد أورد مقولة لـ ” نيتشه” “الحياة امرأة ” ثم تتدفق كلمات للشاعر الأسباني ” رفائيل البرتي” ويعود اسم المتصوف الألماني “يعقوب بوخمة ” ” رأيت في دقائق منظراً غيرَ كلّ حياتي ” والأثير دوستويفسكي “يذكر اسمه فهو دائماً ضيف حميم على كتابات القيسي ولا ينسى الشاعر الأنكليزي “شيلي ” إن السيطرة مثل الوباء الجارف تلوث كل ما يلمسه ”
وتنساب أسماء المبدعين الذين يحبهم الكاتب” القيسي ” من رسامين وشعراء جوتا ، غويا ، بيكاسو وهوغو ، ولا ينسى أن يزين أبهاءَ مَسْرودهِ بتشبيهاتهِ الماتعة ، بعضها مبتكر والبعض الأخر مُعاد مستحب أسردُ قسما منها : صمت فيثاغوري ، ذكريات أسيدية ، ألم خرافي ، غيوم قطنية ، حزن لزج ، البطلة الراسينية، عزاءات افيونية ، إيقاع احتفالي ” ولعلّ هذه التشبيهات والنعوت الرائقة تضفي على مرويتهِ أبهةً من الأبتكار وتَحْلية من المذاق اللغوي تجعل الأنثيالَ السردي بعيداً عن التعقيد وقريباً من القبول الأمثل والاستساغة الماتعة .
وكنت أتمنى على السارد أن يحذف هذه الأصوات والهمهمات المبهمة ها ها ها والتي تكررت في العديد من المواضيع إلا أنه كانَ يعود إليها وكأنه بينهما عقد اتفاق .
وبالرغم من الفيض الزاخر من المرويات التي خطته يراعة المنشئ طوال أربعة عقودٍ ونيف تبقى قصة راسخة في زاوية من زوايا ذاكرتي الفقيرة وقد أستمعت إليها قراءة منه شخصياً وثيمتها تدور حول شخص يحاول الهرب إلى بلاد فارس عبر شط العرب وقد أستقلّ قارباً يجذف في المياه وما زلت أصغي إلى خبطات مجذافه وقد رانَ السكون وعسكرَ الظلام ولا يدري إلى أين تمضي بهِ الدنيا، وأنا لا أعلم إذا وصل إلى مقصده أم تخاذل في الطريق إلا أنني أحببت هذه المدونة وما زلت أكنُ لها الأعجاب وكأن القارب يشق المياه أمامي نحو هدف غامض مجهول وكم تمنيت أن ينزل السارد هذه القصة أحد متون مجاميعه الأربعة والمطبوعة على حد علمي وأعتقد أنه نساها ربما لم يجدها في عنفوان النضوج فركنها في أحد أدراجه ولكن قصة ” سمكة جيلي” هي الأخرى نافذة مضيئة في تراثه القصصي هذه السمكة البطيئة حيث تعيش في اعماق المحيطات وتتعلق ببعض الأعشاب وتظل هناك عالقة وكذلك المتلقي يَستسيغُ هذا الضرب من السردِ المبهر النائي عن التغميض والتعقيد والتعمية ليظلّ قريباً منه ولا سيما عندما يجد الحوار هو الآخر ينساب في رقةٍ ويشرق في بهاءٍ رائق جميل.

*عن موسوعة تركمان العراق

شاهد أيضاً

الشاعر حسين عبد اللطيف في أمير من أور: تأثيث النص الشعري
مقداد مسعود (ملف/29)

(1) حين تكون ..(الكتابة : كدح) (2) ،فهذا يعني اننا نكون في حضرة ،تجربة مرموقة، …

الدكتور زهير ياسين شليبه*: ذكرياتي عن الشاعر الدنمركي الساخر بني اندرسن (ملف/3)

بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الشاعر الدنمركي بني أندرسن 2018-1929** في السادس عشر من شهر آب …

أنا والشبيه (رواية كولادج)
بعض من سيرة الأديب صدام فهد الأسدي (2/1)
د. قصي الشيخ عسكر (ملف/4)

النشيد الأول: لا علاقة للشبيه بالشكل لاضرورة لأن يحمل السمات نفسها والقسمات ذاتها إنه يمكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *