علي غدير: ثقافةٌ جديدةٌ

ali ghadir(كانت هي غايته المثلى، التي ينظر إليها فاغراً فاهُ، وأصبحت وسيلته التي يطلُّ من خلالها، على الآخرين، فصارت هويتُه الناطقةُ التي يبرزها أيّان حلَّ، متباهياً بقدر ملكيتِه منها قياساً لأقرانه. تلك هي الثقافةُ، وعلاقتها بالإنسانِ، تتشكّل في تلافيفِ عقله، بمقاييس معينةٍ، وتتجسَّم في ثنايا قلبه، بطباعٍ راسخةٍ؛ حتى؛ ليمحو الزمنُ، أو يكاد، أصولَ تلك الثقافات، ويأَبى الإنسان إلا أن يُعرب عنها، ليبوحَ برائحة الجذورِ، عن عبق تركيبةٍ معقدةٍ، تفكَّكت بين أيدي الآخرين.
وغالباً… ما تكسو الجغرافيا، ثقافةَ الإنسانِ، فتطغى عليها لتميِّزها، بطابعِها المعلنِ أو المستورِ لدى الآخرِ. وما العراقُ إلا واحدٌ من عجائبِ الزمنِ، بما يحتويه من طوائفَ عديدةٍ، تتفاعلُ فيما بينِها تفاعلاً سرمدياً، منذ أزلها، وحتى قيامتِها، وها هي ذيْ، مدينتي (كركوك)، ابنةُ العراقِ الشمّاءِ، حوتْ صورةً مصغّرةً لأبناءِ العراقِ، فكان فيها العربيُ السنّيُ، والكرديُ والتركمانيُ والكلدوآشوريُ، ثقافاتٌ أربعٌ، حتى جئناها نحنُ، عربَ الجنوبِ، ذوي الثقافةِ الخامسةِ، لنُعلنَ رفرفةَ رايةٍ جديدةٍ في سماءِ كركوكَ الشامخةِ…)
فرِحَ »مخيبر« وترقرقتْ عيناهُ، وهو يقرأ في جريدةٍ، مقالاً حوى هذه الكلمات، تحت عنوان {»الثقافة الخامسة«، وحمل اسمَ ابنِه كاتبِ المقالِ »سالم مخيبر«. ضمَّ »أبو سالم« الجريدةَ إلى صدرِه، وراحَ يحلِّق في سماءِ الذكرياتِ، تاركاً لرياحِ الزمنِ، زمامَ الأمورِ، تقذفُ بهِ يمنةً ويُسرى، كالطائر المكسورِ الجناحِ، ينتظرُ هدأةَ التأريخِ، كيْ يحطَّ في »بصراهِ الفيحاءِ« من جديدٍ، وهي ترفلُ بالسلامِ المفقودِ إثر الاحتلال، والتهابِ نارِ الطائفيةِ، في أكثرِ بِقاع العراقِ أصالةً. فقبل أكثر من رُبعِ قَرنٍ، كانت »البصرةُ« لا تعرف الطائفيةَ، فهو »مخيبر الشيعي«، قد تزوج من »سليمة السنية«، دونما أي اعتراضٍ حينَها، سواءٌ من أهلِه أو أهلِها. وأنجبَ منها عيالَه »سالماً، وعمراً وعلياً«، دونما أنْ يتردَّد لحظةً، في إطلاقِ الاسمِ على أيٍّ منهمُ. وما كانَ ليغادرَ فيحاءتَه، لولا عُسرة ذاتِ اليدِ التي ألمَّت بهِ، على حينِ غرَّةٍ، بعد وفاةِ والدِه ومقتلِ أمِّه في حادثِ دهسٍ مبهَمٍ، وإنفاقِه كلَّ ما يملكُ على عزاءيهِما، كما تقتضي التقاليدُ أن يفعلَ. حينها فقطْ، رضيَ بعرضِ أحد أبناءِ عمومتِه المُغري:
– (أنقلْ إضبارتَكَ إلى »كركوكَ«، فهناكِ ستتسلَّمُ قِطعةَ أرضٍ سكنيةٍ، وعشرةَ آلافِ دينارٍ.).
هوَ في أمسِ الحاجةِ لهذا العرضِ، ليعيدَ توازنَه من جديدٍ، بعدَ أنْ أحنتْ كاهلَه قبضةُ الزمنِ. وفي صبيحةِ الأولِ من تموزَ من العام1981م، كان »مخيبر«، قد أكملَ رزمَ متاعِ المنزلِ، في مركبةِ النقلِ الكبيرةِ، وراحَ يتفقَّد أوراقَه الرسميةَ، في الكيسِ الشفافِ، ومن بينِ تلكَ الأوراقِ، دقَّق كثيراً في الصورةِ المستنسخةِ عن إضبارتِهِ، المُعنونةِ إلى محافظةِ »كركوكَ« التي باتتْ تدعى »التأَميمُ«. حينها… نظرَ بأَلم مُمِضٍّ إلى بابِ دارِه العتيقة، وغاب في ذاكرةٍ جاوَزَ عمرُها الأربعينَ عاماً، عاشها فرِحاً، يعبَقُ من نسيمِ »العشّار«، ويتنسَّمُ على ضِفافِ »شط العربِ«.
حاولَ »أبو سالم« جاهداً، أن يخفيَ عن زوجتِه »سليمة«، دمعةً ترقرقتْ في عينِه اليُسرى، »سليمةُ« التي ما فَتِاَتْ، تنشجُ دمعاتٍ تَترى، وتُغِيْرُ في أعماقِها تنهُّداتٍ ثكلى.
قالَ لها بحزمٍ:
– يا الله… »أم سالم«… دعينا نتَّكل.
تسلقت »سليمةُ« المركبةَ، بعد أن أركبَت صغارَها الثلاثةَ، »سالماً وعمراً وعلياً«، أولئك الذينَ لم يفقَهوا، معنى أن يغادرَ المرءُ بلادَهُ، كونهُم كانوا صغاراً، وكانت »البصرةُ« كبيرةً.
من »البصرةِ«، وتحديداً من »الزبيرِ« انطلقتْ مركِبةُ »محمودٍ الكردي«، أو »كاكا خُلا« كما كانَ يُحبُّ أن يُطلقَ عليه، لتنقلَ عفشَ السيِّدِ »مخيبر«، وأفرادَ أسرتِه، إلى »كركوك«. جاءَ »كاكا خُلا« من »كركوكَ« صحبةَ »مخيبر«، الذي استكراهُ لنقلِ عفشِ المنزلِ البسيطِ، من »الزبير« في »البصرة«، إلى حي »القادسية« في »كركوك«.
بسذاجتِه التي تقطرُ من قسماتِ وجههِ، سأَل »كاكا خُلا«، بعدَ أن أطلق العِنان لمركِبته:
– »كاكا مخيبر«… لماذا نقلتَ إضبارَتَكَ إلى »كركوك«؟
تنهّد »أبو سالم« قبلَ أن يقولَ:
– ليسَ سوى قسوةِ الحياةِ، ما تُفرِّق بينَ المرءِ وبينَ مَن يُحب، نحنُ مرتبطونَ من الجذورِ ببلدتِنا هذهِ يا أخي، ولولا أنَّ »كركوك« شيءٌ من العراقِ، لما هانَ الأمرُ علينا.
– »كركوكُ« مدينةٌ عريقةٌ، فهل يُمكنك أن تتعايشَ مع أهلِها؟
– أو تظنَّني لستُ بالعريقِ؟
قالها »مخيبر« بغضبٍ، وأردفَ:
– والحسينُ أبو عبدِ اللهِ، ما »كركوكُ« بأَشيخِ من »البصرةِ«، ولا أعرقَ منها.
تداركَ »خُلا« الموقفَ، وقالَ:
– لم أقصدَ الإهانةَ يا »سيد«… ولكنَّني أردتُ أن أوضِّحَ لكَ طبيعةَ البلْدةِ، التي لم تتوضحَ صورتُها في نظرِك بعدُ، ففي »كركوكَ« أربعةُ أقوامٍ متعايشينَ بسلامٍ مذْ وُجِدوا، همُ الكرد والعرب والتركمان والمسيحيون، ولكلٍ من هؤلاءِ ثقافتُه الخاصةُ، التي نشأَ عليها.
– أو لا تراني عربياً، لأنتسبَ لقوميَ هناك؟
– لا شكَّ في عروبتِك، ولكن العربَ في »كركوكَ«، همُ من الغالبيةِ السنِّيةِ، ومَّمن تشابكتْ ثقافتُه بالثقافاتِ الثلاثِ الأخرى، التي أشرتُ إليها. وأنت ذو ثقافةٍ جديدةٍ… ثقافةُ الجنوبِ.
– أنت على خطأٍ يا »كاكا« فنحنُ العربُ، على وتيرةٍ واحدةٍ في كلِّ البلادِ العربيةِ، ولقد تعرّفت على أصدقاءٍ من »كركوكَ«، كانوا قد وفدوا إلى »البصرةِ«، للعملِ في شركةِ نفطِ الجنوبِ، نهايةِ الستينياتِ.
– أيه… حين استلمَ »حزبُ البعثِ« السلطةَ.
قالها »خُلا« بتأَلم. – لا شأَنَ ليَ في السياسةِ يا »كاكا«، ولكنَّني أقصدُ أنَّهم كانوا أناساً لا يختلفونَ عنّا البتّة، وعاشوا بيننا على المحبةِ والتآلفِ. وها نحنُ ذاهبون إليهمْ، لنعشْ بينهُم بسلامٍ.
– »صدامُ« يريدُ أن يُعرِّبَ »كركوكَ« بكم}ْ.
– أرجوكَ أن لا تحدّثني في السياسةِ، فأَنا ذاهبٌ للبحث عن لقمةِ عيشٍ، ليسَ إلاَّ.
قطع »عليٌ« الابنُ الأصغرُ، على أبيهِ سلسلةَ أفكارِه، وهو يقول:
– هذا ثالثُ تهديدٍ يرِدُنا يا أبتي، وجدتُ هذهِ الورقةَ ملقاةً في حوشِ الدارِ، إمَّا أنْ نرُّدَ إلى »البصرةِ« أو نواجهَ الموتَ.
– نرُّدُ يا بُنيَّ… نرُّدُ… ما بقيَ لنا مقامٌ في هذهِ المدينةِ الحبيبةِ.
في اليومِ التالي كان »أبو سالم«، يرتِّبُ بضعةَ أوراقٍ في مركزٍ للشرطةِ، ليتمكن بواسطتِها من نقلِ عفشِه إلى »البصرة«؛ دون اعتراضٍ من نقاطِ التفتيشِ الجديدةِ، التي وضعتها حكومةُ ما بعدَ الاحتلالِ.
بين يديْ مديرِ المركزِ، وهو برتبةِ عقيدٍ في الشُرطةِ، وقفَ »أبو سالم« ينتظرُ الإمضاءَ الأخيرَ.
– »مخيبر كرّار محيسن«، أهذا هو اسمُك؟
سأَله مدير المركز… فأَجابَ:
– نعم يا سيدي.
تنهّد الرجل وهو يرمُقُ »أبا سالم« بنظرةِ تفحُّصٍ، وقال:
– ألم تعرفني يا »أبا سالم«؟ هزَّ »مخيبر« رأسهُ نافياً معرفتَه بالعقيدِ، الذي أردفَ منفعِلاً:
– أنا »كاكا محمود«… »خُلا«… سائِقُ المركِيةِ… الذي نقلَ عفشَكَ من »البصرةِ« قبلَ سنينٍ.
ضحِكَ »أبو سالم« ملأ شدقيه، وقالَ مندَهِشاً:
– وكيفَ أصبحتَ عقيداً، ومديراً للمركزِ، وأنت محضُ سائقِ مركِبةِ نقلٍ؟
ضحِك العقيدُ »خُلا«، حتّى اهتزَّ كرسيُّه الدَّوَّارُ، وقال:
– إنها الثقافةُ الجديدةُ يا »سيد«!
*******

شاهد أيضاً

توفيقة خضور: ضحكتْ دمعتين وشهقة

(1) لم تدرِ فاطمة أن الرجل الذي تربّتْ على يديه هو عمها وليس والدها إلا …

أضغاث رؤى
بقلم: منى شكور

شيء كحلم لا مرئي النوايا، لعبة خشبية ماتريوشكا ساكنة تحمل الف سؤال وسؤال، كشاهدة قبر …

بلا ضِفاف ..
كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي
العِراقُ _ بَغْدادُ

كَمْ هزّني الشوقُ إليك وأَفْلَتَ آهةَ اللظىٰ من محجريها كصهيلِ الخيلِ في الوَغى ينسجُ أثوابَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *