شوقي يوسف بهنام: سافو (4و5)

shawki-yuosif-4-*مدرّس مادة علم النفس في كلية التربية/جامعة الموصل
في نصيها التاليين تضعنا سافو امام موضوع يدخل في صلب العلاقة مع المطلق او اي عبارة مشابهة له والتي تدخل ضمن تصورات السلوك الديني . وعلى الرغم من الهدف الرئيسي او الدافع الاساسي لدى سافو ليس دافعا بمعناه التقليدي في تلك العلاقة لكن الشكل يبقى كما هو . اعني انه يبقى شكلا شعائريا في صورته وحتى في مضمونه ، على الاقل بحسب قناعة سافو . تبقى أفروديت الربة الوحيدة وحواء ذات الفرادة التي لا مثيل لها . لكن بحسب سافو تبقى انموذجا جنسيا صرفا . من هنا هذا الحب وهذا الوفاء وهذا التعلق . وكما رأينا في النص السابق اضحت أفروديت طيفا جنسيا زار سافو او حلمت سافو بزيارته لها على الاقل . ولكن لعبة النص ، سواءا اكانت هذه اللعبة قصدية ام بدون قصد ، جعلت من سافو ان تقع فريسة الحزن والالم والضجر . يدور النص رقم (4) حول كيفية ارضاء أفروديت التي بحسب النص لا مثيل لها . اذن سافو هنا تقع اسيرة حيرة الارضاء ان صح التعبير . وكلنا يعلم ان الجريمة الاولى بين الاخوين الاولين كانت بسبب هذه الحيرة والتي يمكن ان نلخصها على الشكل التالي :-
– كيف ارضيه … ماذا اقدم له حتى يرضى علي ؟
****************
جواب هذا السؤال كان وراء ظهور فكرة الضحية او القربان Sacrifice وابسط تعريف لهذا المفهوم نجده في موسوعة علم الانسان وهو ” تقديم حيوان حي – او في حالات استثنائية انسان الى الاله او الروح ” (1) . وطبيعي لا يتسع المجال هنا للدخول الى التفاصيل النظرية التي قدمها علماء الانسان حول مفهوم القربان ويستطيع القارئ الرجوع الى الموسوعة للاطلاع على تلك التفاصيل . ان ما يهمنا ، هنا ، من موضوع القربان هو الهدف من القيام به ويتخلص هذا الهدف بإرضاء الطرف المحبوب او المقدم لإجله القربان . اعني ان يحظى المحب بمكانة لائقة عند المحبوب . لقد قتل الاخ الاكبر اخيه الاصغر لأن الرب لم يقبل قرابينه بينما قبل قرابين اخيه الاصغر فكانت مشاعر الحسد ونيران الغيرة فكانت الجريمة الاولى . ان سافو تضعنا في صلب هذه الاشكالية وهي اشكالية ان تحظى برضا الربة أفروديت واستحسانها ومن ثم والهدف الاساسي ان تقترب اليها او تسمح لها بالاقتراب منها . تقول سافو في النص (4) :-
سألت نفسي
ماذا يمكنك يا سافو ، ان تمنحي
من في يديها كل شيء
مثل أفروديت ؟
(الاعمال الشعرية ، ص 14)
*************************
هنا سؤال موجه الى النفس ، سؤال يلفه الحيرة والحزن معا . الحيرة لأنها لا تعرف ماذا تمنح لها . بينما الحزن يتمثل في ان حيرتها لا تقودها الى شيء . ونرى ان سافو تنظر الى أفروديت نظرة لاهوتية صرفة نجد صداها في كل الحضارات والثقافات التي تؤمن بإله قادر على كل شيء . وحيرتها لا تقل ، بمعنى ما من المعاني عن اي حيرة نجدها لدى اصحاب الرؤى الاخلاقية عندما يتوجهون الى الههم وفق منظار كل واحد منهم . نحن معنيون بالنص فحسب ولا يهمنا شخصية صاحبه على الرغم من صاحبه قد ادرج اسمه فيه . نحن نتعامل مع نص انساني موجه الى اله في ضوء بنية حضارية وثقافية معينة . سافو تعيش في هذه اللحظة ازمة تقديم الاضاحي لتنال رضا ربتها أفروديت وبالتالي تحقق رغباتها !! . المهم في النص ايمان سافو بإطلاقيه قدرات أفروديت .
– من في يديها كل شيء
مثل أفروديت
**************
لننتقل الى النص الخامس ، حيث سنرى ان سافو من خلاله وجدت الهداية لحيرتها التي ألمت بها وعبرت عنها في النص السابق . تقول سافو في نصها هذا :-
وقلت
سوف أحرق عظام نعجة بيضاء
مكتنزة الفخذين
في معبدها
(الاعمال الشعرية ، ص 15)
*************************
لقد وجدت سافو الحل اذن . وصلت الى اليقين . ففكرت بتقديم قربانها . القربان هنا هو حرق عظام نعجة بيضاء مكتنزة الفخذين . ويقدم استاذنا الدكتور علي زيعور تحليلا لرمزية الحيوانات في الاحلام (الاساطير، المجاز ، الاستعارة ) (2) وعلى الرغم من اننا لا نجد لدى استاذنا الكبير ذكر لرمزية النعجة بشكل مباشر الا انه يذكر رمزيا لعدد من الحيوانات والحشرات والطيور . ولا بأس من ان نقف عن رمزية النعجة ودلالتها في الحلم كما يراها ابن سيرين فهو يقول :-
النعجة في الحلم امرأة مستورة موسرة لقوله تعالى في قصة داود عليه السلام . ومن نكح نعجة نال مالا من غير وجهة ، ودل ذلك على خصب السنة في سكون ، وذبح النعجة نكاح امرأة ، وولادتها نيل الخصب والرخاء ، ودخولها الدار خصب السنة ، وقيل شحم النعجة مال المرأة ، فإن ذبحها بنية اكل لحمها فإنه يأكل مال امرأته بعد موتها وارتباطها وحملها رجاء إصابة مال ، فإن واثبته نعجة ، فإن امرأة تمكر به . وتدل النعجة على ما تدل عليه البقرة والناقة ، والنعجة السوداء عربية ، والبيضاء أعجمية ، والسخل ولد ، فإن ذبح سخلة لغير الاكل مات له او لاحد من اهله ولد ، ومن اصاب لحم سخلة اصاب مالا قليلا ” (3) ومن المؤكد اننا لسنا بصد استعراض لسرد رمزيات النعجة في التراث الحلمي القديم والحديث بل الاكتفاء بهذين النموذجين للتقارب والتناص بين عبارة سافو وتأويل رمزية النعجة . نحن نركز على مسألة مهمة ، لا سيما عن سافو ، وهي ان النعجة تبقى رمزا انثويا ذو مضمون شبقي … والا ما معنى عبارتها
– … نعجة بيضاء
مكتنزة الفخذين
*******************
وفي تقديرنا ، على اقل تقدير ، ان هكذا مواصفات التي اضفتها سافو على تقدمتها او قربانها لا تخلو من طابع الاثارة والرغبة الجنسية . لو لم تكن سافو على علم برغبات أفروديت وما يثيرها ويثير رغباتها ما كانت لتفكر في ان تختار تقدم كهذه وبهكذا مواصفات . يبقى الهدف الحقيقي لسافو وراء هذه التقدمة هو ان تحظى بحب افروديت ورضاها وقبولها . ووصولها الى هذه النتيجة إنما يعنى وصولها الى حالة الرضا النفسي وقد لا يشترط وجود عامل عضوي قدر ما يدفعها هذا الرضا الى الاقتناع بأنها وصلت الى ما تريد وتحقق مرادها بالتالي ……….
الهوامش :-
1- سميث ، شارلوت سيمور ، 2009 ، موسوعة علم الانسان ، ترجمة مجموعة من اساتذة علم الاجتماع ، بإشراف محمد الجوهري ، المركز القومي للترجمة ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ع 61 ، ط2 ، ص 432 – 434 .
2- د. زيعور ، على ، 2002 ، الاحلام والرموز ، دار المناهل ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 277 – 283 .
3- الانصاري ، محمد بن سيرين ، 1999 ، تفسير الاحلام ، مكتبة مصر ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية د. ط . ص 221 . وايضا انظر : تفسير الاحلام برواية الامام علي واهل البيت ، اعداد : محمد شراد الناصري ، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، 2008 ، بيروت ، لبنان ، ط 2 ، ص 493 .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *