بهنام باقري: دراسة أُسلوبيّة في شعر يحيی السماوي؛ ديوان “نقوش علی جذع نخلة” نموذجاً (ب) (ملف/11)

yahia alsmawy 6إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.

الرسالة:
رسالة مقدّمة لنيل درجة الماجستير في اللغة العربيّة وآدابها/جامعة رازي – کلية الآداب والعلوم الإنسانية
قسم اللغة العربيّة وآدابها
الفصل الأوّل
الأسلوبيّة مفهومها ونشأتها وعلاقتها بمختلف العلوم

1-1- الأسلوب لغة:
لتحديد مفهوم أي مصطلح ينبغي علينا أن نبحث أولاً في جذره اللغوي في اللغة العربيّة أو في أي لغة من اللغات الأخری. يقول ابن منظور: “السطر من النخيل كل طريق ممتد فيه أسلوب… والأسلوب الطريق، والوجه، والمذهب، يقال أنتم في أسلوب سوء… والأسلوب بالضم؛ الفن يقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه” .
وفي معجم الوسيط، الأسلوب: “الطريق، ويقال: سلکت أسلوب فلان کذا: طريقته ومذهبه والأسلوب طريقة الکاتب في کتابته، والأسلوب الفن، يقال: أخذنا في أساليب من القول: فنون متنوعة. والأسلوب: الصف من النخيل، ونحوه والجمع أساليب” .
فمن خلال عرضنا لجذر الأسلوب نجد أنّ هناﻙ توافقا في المعنی لدی المعاجم العربية ومن خلال هذه التعريفات، نخلص إلى أنّ الأسلوب في مفهومه العادي يعني الامتداد؛ أما في مفهومه المعنوي فيعني التميز والتفرد.

1-2- الأسلوب اصطلاحا:
للأسلوب في الاصطلاح دلالات مختلفة يصعب تحديد دلالة واضحة أو محددة له؛ لأن دلالته تختلف من دارس إلى آخر، فمن الدارسين من يخص به أسلوب كاتب بعينه، ومنهم من يخص به طريقة التعبير، أو نمط الكتابة، إلى غير ذلك من التعريفات التي تجعل حصر هذا المصطلح في تعريف واحد أمراً صعباً، کما يقول «هنريش بليت» (Heinrich plett): “ورد علی کلمة ” “style(الأسلوب)کثير من المعاني، حتی صار من الصعب تحديدها بتعريف واحد وهذا راجع إلی أن هذه الکلمة لاتخص المجال اللساني وحده، بل استعملت في مجالات الحياة اليومية والفنّ” . ومن جملة هذه التعريفات التي انطلق منها الدارسون؛ هي:
“الأسلوب – من کلمةstylus” “، أي مثقب يستخدم في الکتابة – هوطريقة في الکتابة. وهو استخدام الکاتب لأدوات تعبيرية من أجل غايات أدبية. ويتميز في النتيجة من القواعد التي تحدد معنی الأشکال وصوابها” .
ويقول بوفون (Buffon): “إنّ المعارف والوقائع والاکتشافات تتلاشی بسهولة، وقد تنتقل من شخص لآخر، ويکتسبها من هم أعلی مهارة، فهذه الأشياء تقوم خارج الإنسان، أما الأسلوب فهو الإنسان نفسه، فالأسلوب إذن لا يمکن أن يزول ولا ينتقل ولا يتغير” .
ويری يوسف أبوالعدوس؛ الأسلوب “صورة تتمثّل فيها العلاقات النحوية من حيث ترکيب الجملة، ومن حيث أنّ لکلّ أسلوب طريقته الخاصّة في استخدام هذا النحو في الشعر والنثر، وهکذا لاينفصل مفهوم الأسلوب عن مفهوم النظم” .
واختلف العلماء العرب المتقدمون في تعريف مصطلح الأسلوب ومنهم ابن قتيبة (ت276هـ) إذ وصف الأسلوب بأنه “طريقة العرب في النظم والشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب وعدل بين هذه الأقسام فلم يجعل واحداً منها أغلب على الشعر ولم يطل فيمل السامعين” .
ويقول ابن خلدون في مقدمته عن الأسلوب: “إنّه عبارة عن المنوال الذي ينسج فيه التراکيب، أو القالب الذي يفرغ منه، ولايرجع إلی الکلام باعتبار إفادته کمال المعنی من خواص الترکيب الذي هو وظيفة البلاغة والبيان، ولا باعتبار الوزن کما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض، وإنما يرجع إلی صورة ذهنية للتراکيب المنتظمة کلية باعتبار انطلاقها علی ترکيب خاص” . ويرتبط مفهوم الأسلوب عند الجرجاني بمفهوم النظم، من حيث هو نظم للمعاني وترتيب لها، فهو “الضرب من النظم، والطريقة فيه، فيعمد شاعر آخر إلی ذﻟﻚ الأسلوب فيجيء به في شعره” .
بناء علی ما تقدم؛ يرى الباحث أن الأسلوب: هو ما يميز الأديب أو الكاتب عن غيره في استخدامه للألفاظ، وتأليف الكلام لإبداع الفكرة وتوليدها لبيان الصورة اللفظية المقصودة.
ومهما يکن من تعدد مفاهيم الأسلوب، واختلاف وجهات نظر النقاد، فإنه يبقی محوراً يدور في فلك اللغة والنقد الأدبي والبلاغة، مهما تعددت مناهجه واتجاهاته، فهو يعتمد حسن اختيار الألفاظ والعبارات وقوة السبك والتأليف بينها.

السماوي يحمل جائزة البابطين عن ديوانه نقوش على جذع نخلة
السماوي يحمل جائزة البابطين عن ديوانه نقوش على جذع نخلة

1-3- الأسلوبيّة مفهومها ونشأتها :
الأسلوبيّة مصطلح ظهر في العصر الحديث، وقد تعددت تعريفات الأسلوبيّة بصورة لم يستطع أنصارها وضع مصطلح محدد لها، وتقوم الأسلوبيّة على دراسة النص الأدبي وما يحيط بالنص، ويلج في داخل مکنوناته، وعناصره الجوهرية، وذلك للوصول إلى فهم أعمق لحقيقة النص.
يعترف کثير من الدارسين “أنّ کلمة الأسلوبيّة لا يمکن أن تعرف بشکل مرض، وقد يکون هذا راجعا إلی مدی رحابة الميادين التي صارت هذه الکلمة تطلق عليها، إلاّ أنّه يمکن القول إنّها تعني بشکل من الأشکال التحليل اللغوي لبنية النّص” .
إنّ تعدد مسميات الأسلوبيّة وتعدد تعريفاتها نابع في الدرجة الأولی من الاختلاف حول تفسير النصوص الأدبية، فضلاً عن أنّها علم جديد لم تترسخ أصوله. أما الأسلوبيّة “هو الذي يطلق عليه في الإنجليزية stylistics””، وفي الفرنسية “la stylistique”، والباحث في الأسلوب “”stylisticiam. وکلمة style””، تعني طريقة الکلام وهي مأخوذة من الکلمة اللاتينية stylas””، بمعنی عود من الصلب کان يستخدم في الکتابة، ثم أخذت تُطلق علی طريقة التعبير عند الکاتب” .
والأسلوبيّة على ما يقول الدكتور يوسف أبوالعدوس: “مدرسة لغوية تعالج النص الأدبي من خلال عناصره ومقوماته الفنية وأدواته الإبداعية، متخذة من اللغة والبلاغة جسراً تصف به النص الأدبي، وقد تقوم أحياناً بتقييمه من خلال منهجها القائم علی الاختيار والتوزيع، مراعية في ذلك الجانب النفسي والاجتماعي للمرسل والمتلقي” .
علی هذا الاعتبار يمکننا أن نعرف الأسلوبيّة علی أنها منهج نقدي حديث، يتناول النصوص الأدبية بالدراسة، علی أساس تحليل الظواهر اللغوية والأسلوبيّة بشکل يکشف الظواهر الجمالية للنصوص، ويقيم أسلوب مبدعها، محددّا المميزات الأسلوبيّة التي يتميز بها عن غيره من المبدعين.
أما «ريفاتر» فإنه ينطلق من تعريف الأسلوبيّة بأنها “علم يهدفُ إلی الکشف عن العناصر المميزة التي بها يستطيع المؤلفُ الباحث مُراقبة حرّية الإدراك، لدی القارئ المتقبل، والتي بها يستطيع أيضا أن يفرضَ علی المتقبل وجهة نظره في الفهم والإدراك فينتهي إلی اعتبار الأسلوبيّة (لسانيات) تُعنى بظاهرة حمل الذهن علی فهم معين وإدراك مخصوص” .
ولقد اهتم العرب بدراسة الألفاظ وعلاقتها بالجمل والتراكيب والقواعد النحوية، وعكف النقاد والبلاغيون على دراسة أساليب الأدب والبحث عن أسباب الجمال والجودة التي تميز كل أسلوب على حِدة . أما في العصر الحديث فلم يكتف الدارسون الأسلوبيون بأدوات البلاغة العربية بل استفادوا من العلوم العربية الأخرى، كالأصوات والصرف والدلالة والتراكيب. إضافة إلى المناهج المختلفة للنقد المتمثلة بالمنهج اللغوي، والنفسي، والاجتماعي، وغيرها من المناهج .
في الحقيقة أنّ الغاية من المقاربة الأسلوبيّة هي “الوصول إلی أغوار النص الشعري، للوقوف علی عتباته المظلمة وعناصره الفکرية، وشبکة علاقاته بالعناصر الوجدانية التي يصنع تضافرها وحدة دلالية، وتبعاً لذلك فقد وجب علی المحلل الأسلوبي أن يستبطن النص فيحل فيه حلولاً صوفياً، ليری مباشرة حرکاته ومساراته ودوائره” .
ومصطلح الأسلوبيّة مصطلح جديد حديث النشأة، لم يظهر بصورة واضحة إلا في مطلع القرن العشرين کما يری يوسف أبوالعدوس: “لقد ارتبطت نشأة الأسلوبيّة من الناحية التاريخيية ارتباطاً واضحاً بنشأة علوم اللغة الحديثة، وذلك أنّ الأسلوبيّة بوصفها موضوعاً أکاديمياً قد ولدت في وقت ولادة اللسانيات الحديثة، واستمرّت تستعمل بعض تقنياتها… ومن هنا يمکننا القول: إنّ مصطلح الأسلوبيّة، لم يظهر إلاّ في بداية القرن العشرين مع ظهور الدراسات اللغوية الحديثة التي قررت أن تتخذ من الأسلوب علماً يدرس لذاته، أو يوظّف في خدمة التحليل الأدبي، أو التحليل النفسي، أو الاجتماعي، تبعاً لاتجاه هذه المدرسة أو تلك” .
ونخلص من ذلك إلى أن الأسلوبيّة الحديثة نشأت مستندة إلى نشأة علم اللغة الحديث وتطـوره، وهي ليست سوى منهج من المناهج اللغوية المستخدمة في دراسة النصوص الأدبية.
ويجدر بنا ونحن نتحدث عن الأسلوبيّة أن نتناول أبرز روادها عربياً ومن هؤلاء؛ الدكتور محمد عبد المطلب، والدكتور صلاح فضل، والدكتور شكري عياد، والدكتور عبد السلام المسدي، ولعلَّ أهم كتاب نظري تناول الأسلوبيّة بدقَّة هو كتاب “الأسلوبيّة والأسلوب” لعبد السلام المسدي، وكتاب آخر هو “علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته” لمؤلفه صلاح فضل. أما الكتاب الأول “الأسلوبيّة والأسلوب”؛ فقد تناول فيه عبد السلام المسدي تطور هذا المصطلح عند النقاد والأسلوبيين في الغرب أمثال: تشومسكي (Noam Chomsky)، وفردينان دي سوسير Ferdinan De Saussure))، ورولان بارت (Roland barthes)، ورومان جاكسبون (Roman Jacobson) وقد قسم الكتاب إلى ستة فصول، ختمه بكشفٍ كامل، لأهم المصطلحات الأسلوبيّة في الغرب مثل: الانزياح، والانحراف، والمجاورة، والتناظر، والتضاد، والتوازي، والتماسك، والتكثيف، والازدواج، وغيرها من المصطلحات.
أما الكتاب الآخر “علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته” فقد ركَّز فيه صلاح فضل على أهم المدارس الأسلوبيّة في الغرب، ومستويات البحث وإجراءاته وعلى أهم الإجراءات الواجب توفُّرها أثناء دراسة النص الأدبي دراسة أسلوبية. أما محمد عبد المطلب فقد تناول في کتابه “البلاغة والأسلوبيّة”: مفهوم الأسلوب في تراث القدامی والمحدثين، والأسلوبيّة واتجاهاتها والعلاقة بين الأسلوبيّة والبلاغة والنقد.کما تناول شکري عياد في کتابه “مدخل إلی علم الأسلوب”: فکرة الأسلوب عند الأدباء، علم اللغة وعلم الأسلوب، ميادين الدراسات الأسلوبيّة وغيرها من هذه المباحث، وختمه بدراسة تطبيقية علی بعض قصائد إبراهيم ناجي وابي القاسم الشابي.kh yahia 9

1-4- علاقة الأسلوبيّة بعلم اللغة:
الصلة بين الأسلوبيّة وعلوم اللغة والبلاغة والنقد الأدبي صلة وثيقة، إذ يتمم بعضها بعضاً ونقطة الانطلاق لها في ذلك هي اللغة، وما تحتوي عليه من إيحاءات ودلائل. وتعدّ الأسلوبيّة علماً متشعباً يعتمد على اللغة وعلى النقد، فلا يمكن للأسلوبيّة أن تستغنی عن اللغة لأنها الأساس في تكوين النص الأدبي ونشوء الأدب. والنص الأدبي في أحد تعريفاته “بنية لغوية مفتوحة البداية” .
واللغة هي الأساس الذي تقوم عليه الدراسات الأسلوبيّة، وهي الأداة الأولی التي ترتکز عليها الأسلوبيّة في تحليل النصوص الإبداعية والکشف عن مظاهر الجمال فيها. يقول استيفن اولمان (stephen ulman) “إنّ الأسلوبيّة اليوم هي أکثر أفنان اللسانيات صرامة علی ما يعتري غائيات هذا العلم الوليد ومناهجه ومصطلحاته من تردد، ولنا أن نتنبأ بما سيکون للبحوث الأسلوبيّة من فضل علی النقد الأدبي واللسانيات معاً” . والأسلوبيّة في أحد تعريفاتها “فرع من فروع الدرس اللغوي الحديث يهتم ببيان الخصائص التي تميز کتابات أديب ما، أو تميز نوعاً من الأنواع الأدبية بما يشيع في هذه أو تلك من صيغ صرفية مخصوصة، أو أنواع معينة من الجمل والتراکيب، أو مفردات يؤثرها صاحب النص الأدبي” . وهذا ما أكده جاکبسون Jacobson))؛ “أنّ الأسلوبيّة فن من أفنان شجرة اللسانيات” .
کما أشرنا آنفا ارتبطت نشأة الأسلوبيّة من الناحية التاريخية ارتباطاً واضحاً بنشأة علوم اللغة الحديثة، علی أن مصطلح الأسلوبيّة لم يظهر إلا في بداية القرن العشرين مع ظهور الدراسات اللغوية الحديثة؛ التي قدمتها مدرسة عالم اللغة السويسري «فرديناند دي سوسير» Ferdinan De Saussure))، وقد أثار عدداً من القضايا التي کان لها أثر کبير علی مدارس اللسانيات في ما بعد وقد ركزت المدرسة السويسرية على الدراسات اللغوية في اعتماد المنهج الأسلوبي؛ حيث “اعتبرت الأسلوبيّة هي أساس الأدب والنقد ولولاها لما تشكلت صورة أدبية نقدية عن النص، إنها قد اهتمت بدراسة الوقائع اللغوية ومجموع السمات اللسانية الأصلية، لكاتب من الكتاب، وبكتاب من الكتب، إنها تركت للنقد ولشرح النص أمر دمجهم وتأويلهم ضمن حالاتهم الخاصة وتوخت بذلك الحفاظ على علم مستقل للأسلوب يتجه إلى الشكل اللساني تكمن مهمته في إعطاء تعاريف وتصانيف وملاحظات للنقد” . ومن هنا تأتي أهمية توظيف اللغة في فهم النص الأدبي في الدراسات الأسلوبيّة، فهي “الأداة التي يستخدمها المبدع في تشکيل مادته الفنية تشکيلاً يعکس أفکار الشاعر ومشاعره، فيضفي عليها بذلك ملامح جديدة وأبعاداً مختلفة” .
وينبغي هنا أن نشير إلی فرق کبير بين أمرين هما: علم اللغة والأسلوبيّة فيما يتصل بالأهداف والنتائج، وكان لاعتماد الأسلوبيّة على الظواهر اللغوية أثر عظيم في فهم النص وتحليله، ولكن هذا لا يعني أن الأسلوبيّة ممزوجة بالدراسات اللغوية إذ إنّ الأسلوبيّة تختلف عن الدراسات اللغوية؛ لأن الدراسات الأسلوبيّة لا تعتمد على اللغة فقط بل تتجاوز ذلك إلى كيفية استخدام اللغة في خدمة أفكار المبدع وآرائه، وتظل الدراسة اللغوية في داخل النص الأدبي دراسة فنية، وليست دراسة لغوية، لأنّ اللغة لا تشكل في الدراسة الأسلوبيّة هدفاً بحد ذاتها، وإنما هي وسيلة لفهم جوانب التميز والخصوصية في النص من خلال التميز الحاصل في اللغة، والإشارات التي يقدمها الكاتب وتجعل من أنساقه اللغوية مادة صالحة للتحليل والدراسة. “لا تهدف الأسلوبيّة عند دراستها لنص ما، استخراج عبرة أو تثبيت قيمة أو الكشف عن نظريات سياسية واجتماعية، وإنما تهدف إلى دراسة النص من أجل فنية النص، وليست الظواهر اللغوية فيه إلا وسيلة للوصول إلى فنية النص والكشف عن إبداع الكاتب وتأثيره في المتلقي” .
يقول يوسف أبوالعدوس: “أدی الارتباط التاريخي بين الأسلوبيّة وعلم اللغة ببعض مؤرخي النقد إلی أن يقعوا في الخلط، فصاروا يعدون أي تناول للأدب يظهر اهتماماً واضحاً بمظاهر لغوية (الخيال، البنية الصوتية، النحو…) من الدراسة الأسلوبيّة؛ لکنّ الأمور لم تبقَ علی مثل هذا الخلط، فسرعان ما انبری الدارسون للتفرقة بين مجالي العلمين وتوجيهاتهما” . فقيل مثلاً: “إنّ علم اللغة هو الذي يدرس ما يقال، في حين أنّ الأسلوبيّة هي التي تدرس کيفية ما قال، مستخدمة الوصف والتحليل في آنٍ واحدٍ” .
وعلی الرغم من العلاقات الوثيقة التي ترتبط علم اللغة بالأسلوبيّة إلاّ أنّ الفرق بين الدارسين العلمين کبير وملموس، يری أبوالعدوس: “لکلّ من اللساني والأسلوبي حدّ وهدف لا يجاوزه، فاللساني يطمح إلی وصف اللغة وصفاً دقيقاً بالدرجة الأولی، ثمّ عقلنة هذا الوصف، والخروج بقواعد تفسير هذا النوع من النشاط الإنساني، واهتمامه باللغة الأدبية لايتعدی اهتمامه باللغة بشکل العام، وهو بهذا لا تعنيه التعبيرات الأدبية، ولهذا يسمّی تشومسکي (Chomsky) الکلام العادي إبداعاً. أما الدارس الأسلوبي فغايته مختلفة تماماً، إنها تبدأ من حيث ينتهي اللساني، فهدفه تحديد لغة الخطاب العادي، لإظهار اللغة الأدبية، فهو ينکب علی النص ليجلي مکنوناته وصوره، ويضعه في مکانته التي يستحقها من حيث هو تعبير عن النفس الإنسانية، والنص في يد الدارس الأسلوبي مرآة يعمل علی تحديد مدی نصاعتها، وتصويرها للنفس البشرية بکل منازعها” .
وبهذا الفهم نستطيع أن نقيم علاقات واضحة بين الأسلوبيّة وعلم اللغة، وهي علاقات مبنية أساساً على خصوصية اللغة في النص، وليس على اللغة العادية، لأنّ فهم طبيعة النص الأدبي يشير إلى أن النص نتاج لغة فنية لها خصوصيتها، وهذه الخصوصية هي التي تشكل أساس الدراسة الأسلوبيّة.
وهو يحاول التفريق بين التحليل الأسلوبي والتحليل اللغوي قائلا: “الواقع إن أغلب الباحثين لا يفرقون بينهما، والذي يحاول التفريق يصل إلی الإغماض والتعمية، والراجح أن التفريق بينهما لا يمکن بحال أن يتم لباحث مهما علت مرتبته، إلا أن ينظر إلی الغاية أو الهدف من کلا العلمين، فالذي نظر إلی النص الذي يعمل فيه علی أنه نص لغوي، المراد منه معرفة أساليب الکاتب للخروج بقواعد لغوية علمية قابلة للتعميم فهو باحث لغوي، والذي نظر إلی النص علی أنه نص لغوي المراد منه معرفة أساليب الکاتب وتمايزه عن غيره من الکتّاب، وتحديد طريقته الخاصة في المنهج، والمعالجة من خلال التحليل الصوتي أو الصرفي أو النحوي أو الدلالي، فهو محلل الأسلوبي” .
وهکذا “إنّ الأسلوبيّة الحديثة خرجت من عباءة اللغة، ومن مدرسة سوسير علی وجه التحديد… غير أنّ هذا الاستقلال کما ترسخ في ما بعد، لا يعني فك الارتباط، ولا يعني الانفصال التام، بل يعني بالدرجة الأولي انفصالاً منهجياً واستقلالاً غائياً” . علی هذا الاعتبار يمکننا القول: فلا يمکن للدارس الأسلوبي أن يتجاهل المناهج اللسانية لأنّه لابدّ أن تتقاطع مع جانبٍ من جوانب دراسته النصية.

1- 5- علاقة الأسلوبيّة بالنقد:
تعدّ الأسلوبيّة في نظر كثير من الدارسين، منهجاً نقدياً حديثاً، وقد شغلت دارسي النقد بِعَدِّها وسيلة لتحليل النص الأدبي وفق أسس لغوية حديثة تعتمد التحليل اللغوي والظواهر المميزة في النص أساساً في الكشف عن المعنى، وعلاقة ذلك بالمبدع الذي اختار مفردات النص، وأقام علاقات فنية بين مركباته اللغوية. تبقی الأسلوبيّة “منهجاً نقدياً عمل من أجل الكشف عن أسرار اللغة الأدبية في النص الإبداعي، من خلال وحداته المكونة له وانطلاقاً من اللغة كوسيلة وغاية، كوسيلة للوصول إلى استنطاق النص، وكغاية سعياً وراء الوقوف عند درجة الأدبية في النص الأدبي” . فإنّ الدراسة الأسلوبيّة “عملية نقدية، ترتکز علی الظاهرة اللغوية، وتبحث في أسس الجمال المحتمل قيام الکلام عليه” .
فعلاقة الأسلوبيّة بالنقد وطيدة؛ إذ يوجد تداخل بين الأسلوبيّة والنقد؛ وتبدو في هذا المجال أهمية ملاحظة «سبتزر» في “أنّ الأسلوبيّة تمثل قنطرة بين النظامين کان بينهما نوع من التباعد، هما: علم اللغة والنقد الأدبي، والتعاون بين هذين النظامين يتيح لنا الحصول علی نتائج خصبة، من حيث يمکننا من رؤية مدی ارتباط الأدب باللغة التي هي مادته الأساسية في الخلق والإبداع” .
فالأسلوبيّة والنقد يلتقيان من حيث إنّ مجال دراستهما هو الأدب، وبتحديد أدق النص الأدبي، لکن الأسلوبيّة تدرس الأثر الأدبي بمعزل عما يحيط به من ظروف سياسية أو تاريخية أو اجتماعية أو غيرها، فمجال عملها النص فحسب، أما النقد فلا يغفل في أثناء دراسته للنص تلك الأوضاع المحيطة به.
“وإذا كان النقد القديم لم يركز على لغة النص، وتعامل معه من خلال محيطه الخارجي، والعوامل المؤثرة فيه، وعلاقته بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والظروف الخاصة لمؤلفه، فإنّ النقد الحديث، ومن خلال تطور الدراسات اللغوية ركز بشكل أعمق على العلاقات الداخلية في النص، التي أساسها اللغة وعلى انتقادات الدراسات النقدية الحديثة من تطور الدرس اللغوي على اعتبار أن مادة النص الأساسية هي اللغة، وتحليل اللغة يعني تحليل النص، لأنه لا يمكن أن تتشكل رؤية نقدية حول النص إلا من خلال فهم مكوناته، وما تتميز به هذه المكونات من خصوصيات تفرض نفسها على النص أولا، وعلى الناقد ثانيا” .
لعل التقارب بين الأسلوبيّة والنقد يتمّ من خلال التعاون علی محاولة الکشف عن المظاهر المتعددة للنص الأدبي من حيث الترکيب، واللغة، والموسيقي…إلخ، والذي يتبين بعد هذا العرض أنّ الصلة بين الأسلوبيّة والنقد الأدبي صلة وثيقة، فکلّ منهما يصف ويحلل ويرکب ويفسر، وما دامت العلاقة وثيقة بين الأسلوبيّة والنقد؛ تقودنا هذه المناقشة إلی سؤال يطرح نفسه علی القارئ: “هل يمکن للأسلوبيّة أن تفرض نفسها کنظرية شاملة في الدرس الأدبي وأن تحل محل النقد الأدبي؟” . وجوابنا فهو من مسائل الخلاف بين الدارسين، يرفض المسدي أن تکون الأسلوبيّة منهجاً شاملاً لکل أبعاد الظاهرة الأدبية: “نحن ننفي عن الأسلوبيّة أن تؤول إلی نظرية نقدية شاملة لکل أبعاد الظاهرة الأدبية فضلا عن أن تطمح إلی نقض النقد الأدبي أصوليا، وعلةُ ذلك أنها تُمسك عن الحکم في شأن الأدب من حيث رسالته، فهي قاصرة عن تخطي حواجز التحليل إلی تقييم الأثر الأدبي بالاحتکام إلی التاريخ، بينما رسالة النقد کامنةٌ في إماطة اللثام عن رسالة الأدب، ففي النقد إذن بعض ما في الأسلوبيّة وزيادة، وفي الأسلوبيّة ما في النقد إلاّ بعضه” .
لکن يری أبوالعدوس: “إنّ الأسلوبيّة نظرة نقدية شاملة تشمل النصّ بکل تکويناته الصوتية والمعجمية والدلالية والترکيبية، فالنظرة الأسلوبيّة قائمة أصلاً علی فحص النصّ الأدبي في ترکيباته اللغوية، للکشف عن قيمها الجمالية ولابدّ من القول إنّ منهج التحليل الأسلوبي لا يستغني عن ضرورة التقييم خلال عملية التحليل، علی أن تکون إجراءات التحليل الأسلوبي، خاضعة لمنهج علمي منظم، قابل للاختبار والنقد، لمعرفة مدی صدقه، وإصابته” . ولعل هذا هو الذي جعل الدکتور لطفي عبد البديع يؤکد علی “أن النقد الحديث قد استحال إلی نقد للأسلوب، وصار فرعاً من فروع علم الأسلوب، ومهمته أن يمدَّ هذا العلم بتعريفات جديدة ومعايير جديدة؛ لأن الأسلوبيّة هي التي تُعطي العمل الأدبي تفرده بطرائقها المتجددة، وأدواتها البارعة في استخراج کنوز الآثار الأدبية من طريقة اللغة دون تجاهل للموضوعية التي تقوم عليها” .
إنّ الفارق بين النقد والأسلوبيّة يأتي من الأدوات والأهداف أو الغايات، “فالمحلل الأسلوبي يقوم برصد السمات الأسلوبيّة البارزة في النص، والتي تمارس تأثيرها المباشر في ذوقه النقدي حيث يعمد إلی إحصاء هذه البنی الأسلوبيّة ثم يقيس متوسط الانزياحات في النص علی مستويات عدة، بدءا بالمستوی الصوتي فالترکيبي فالدلالي . ومن دون نسيان معدل تكراره وتواتره في النص، أما الناقد الأدبي فقد تجرد من هذه الآليات الأسلوبيّة، وراح يبحث عن الأثر الجمالي في النص من خلال إملاءات الذات، بمعنی أن الناقد الأدبي هو ناقد انطباعي” . کما يری فريق من النقاد “أنّ الأسلوبيّة منهج علمي يتناول طرق الأسلوب الأدبي، ومن ثمّ فهي نظرية نقدية لابدّ من الاحتکام إليها عن تقييم الأسلوب الذي يعدّ رکيزة أساسية في النصّ الأدبي، أما النقد فإنه لا يهتم في تقييمه النص الأدبي باللغة إلا قليلاً، وبدلاً من ذلك يعتمد کثيراً علی الذوق الشخصي للأديب والناقد… ومن هنا يهتم النقد بالأحکام الانطباعية، والذاتية من خلال مناقشته للخيال، والعاطفة، والغرض، والموضوع… لذا يجب علی الناقد أن يتجرد من ذاتيته قدر الإمکان حتی يصبح النقد موضوعياً… وهذه الذاتية والانطباعية تکادان تکونان منعدمتين في الأسلوبيّة، التي ينصب اهتمامها علی اللغة” . لکن التمييز لا يعني الفصل. فعلم الأسلوب والنقد الأدبي يتعاونان ويتکاملان؛ لكن الأسلوبيّة ليست بديلاً للنقد؛ “لأنّ کلاً منهما يقدم ما لا يقدمه الآخر في خدمة النص، وکونها ليست بديلاً للنقد لاينقص من أهميتها وقيمتها، ومن ثم لا ننفي عنها صفة العلمية” .
بناء علی ما تقدم؛ يعتقد الباحث أنّ الأسلوبيّة لا يمكن أن تشكل بديلاً عن النقد بل هي مكملة له، وفرع من فروعه، يحاول أن ينظم إدراكنا للظواهر النصية اللغوية في العمل الأدبي، بطريقة منهجية، ولاشك أنّ النقد الأدبي يستقيم أکثر إذا ما أفاد من التحليلات الأسلوبيّة.kh-yahia-12-2

1-6- علاقة الأسلوبيّة بالبلاغة :
يلحظ الدارسون علاقة حميمة بين البلاغة والأسلوبيّة، بيان ذلك؛ أنَّ غير واحد من الأسلوبيين قد أکدَّ وجوه العلاقة بينهما، کما يراها «شکري عياد» “الکلام عن الأسلوب قديم. أما علم الأسلوب فحديث جداً. ولکني إذ أقدم إليك هذا الکتاب لا أغريك ببضاعة مستوردة؛ فعلم الأسلوب ذونسب عريق عندنا، لأن أصوله ترجع إلی علوم البلاغة” . ويری «بيير جيرو» ((Bier jiruo “البلاغة هي أسلوبية القدماء، وهي علم الأسلوب” . هو يری أيضاً “البلاغة إذا کانت فناً للتعبير الأدبي وقاعدة في الوقت نفسه، فإنها أيضاً أداة نقدية تستخدم في تقويم الأسلوب الفردي، کما تستخدم في تقويم فنّ كبار الکتاب. لذا، فإننا نلاحظ أنها وصلتنا تحت هذا الشکل مروراً بالعصر الوسيط والقرون الکلاسيکية. ورأينا مع بداية القرن الثامن عشر، ميلاد مفهوم جديد للفن واللغة، أدّی بالتدريج إلی سقوطها، لأنها کانت غير قادرة علی تجديد نفسها، ولم يأت شيء ليحل محلها. ويمکننا القول إن الأسلوبيّة بلاغة حديثة ذات شکل مضاعف: إنها علم التعبير، وهي نقد للأساليب الفردية” .
الأسلوبيّة والبلاغة تنظران بأن في اللغة طرقاً متعددة للتعبير، والقائل أو الكاتب يختار منها ما يراه مناسباً ومؤدياً للغرض الذي قيل من أجله .”فمن المؤکد أنه حدث تداخل بين اختصاصات البلاغة القديمة والأسلوبيّة الحديثة، غير أن البلاغة لم تعد قادرة علی الاحتفاظ بکل حقوقها القديمة، التي کانت تناسب فترة معينة من ماضينا، والتي يجب علی الباحث في الأسلوبيّة أن يضعها في اعتباره، وأن يحاول تعميقها علی ضوء المناهج الجديدة” .
ويظهر التلاقي بين البلاغة والأسلوبيّة في “أنّ علم المعاني والأسلوبيّة يهدفان إلی تصوير المعنی تصويراً جمالياً موحياً، وهذا يبدو في علم المعاني واضحاً من خلال مطابقة الکلام لمقتضی الحال، التي تتحقق من خلال النظر إلی أجزاء الجملة أو الجملة بأسرها، والجمل مجتمعة ، واختيار الحالة التي تتناسب مع ما نحن بصدده من معنی نريد تصويره والتعبير عنه. وبشکل عام فإنّ البلاغة تلتقي مع الأسلوبيّة في بحث طبيعـة المفردات اللغوية وجوها، ومقدار ملاءمتها للأغراض التي سيقت من أجلها” .
لکن، قد حاول كثير من الدارسين إظهار محاسن الأسلوبيّة عن طريق الحديث عن بعض العثرات التي وقعت فيها البلاغة من وجهة نظرهم، فيقول الدکتور «محمد عبدالمطلب» في هذا الصدد: “والأسلوبيّة -کعلم الجديد نسبياً – حاولت تجنُب المزالق التي وقعت فيها البلاغة القديمة من حيث إغراقها في الشکلية، ومن حيث اقتصارها علی الدراسة الجزئية بتناول اللفظة المفردة، ثم الصعود إلی الجملة الواحدة أو ما هو في حکم الجملة الواحدة. وهذه الدراسة البلاغية کانت – يوماً ما – أداة النقد في تقييم الأعمال الأدبية، وربما ساعدت هذه النقود البلاغية في خلق الأشکال الثابتة لمختلف الأنواع الأدبية، بما قدمته من نصائح وتوصيات، وتقنيات صارمة وضعت بدقَّة بالغة” .
فيمکن القول إنّ الدراسات الأسلوبيّة الحديثة تلتقي في کثير من جوانبها مع الدرس البلاغي القديم. وبما أنّ النص يمثل محور الاهتمام في العملية النقدية الفنية فإنّ البلاغة والأسلوبيّة قد اختلفتا في تعاملهما مع النص الأدبي، وهناك جدل واسع يتمحور حول العلاقة القائمة بين البلاغة والأسلوبيّة، وتكثر الأسئلة حول تأثير البلاغة في علم الأسلوب الحديث وأوجه الاختلاف بين البلاغة والأسلوبيّة. فبإمکاننا إجمال أوجه الإختلاف بين البلاغة والأسلوبيّة في مايلي:
يقول «المسدي»: “إنّ من أبرز المفارقات بين المنظورين البلاغي والأسلوبي؛ أنّ البلاغة علم معياري يرسل الأحکام التقييمية ويرمي إلی تعليم مادّته وموضوعه: بلاغة البيان، بينما تنفي الأسلوبيّة عن نفسها کلّ معيارية وتعزف عن إرسال الأحکام التقييمية بالمدح أو التهجين ولا تسعی إلی غاية تعليمية، والبلاغة ترمي إلی خلق الإبداع بوصاياها التقييمية بينما تسعی الأسلوبيّة إلی تعليل الظاهرة الإبداعية بعد أن يتقرر وجودها” .
ويری صلاح فضل: “علم الأسلوب اللغة يستخلص مقولاته من لغة محددة، يتوفر علی وصف خواصها وتحديد معالمها التعبيرية، وطرق استعمالاتها المختلفة بشکل يستقصي جميع جوانبها، ويصنفها ويرتبها علی أسس لغوية حديثة تميز بين النحو والدلالة والأسلوب، أما علوم البلاغة العربية فلها منطقها الخاص، وفلسفتها التي تتصل بظروف نشأتها التاريخية من ناحية، وبمقولات البلاغة الأرسطية من ناحية أخری، وهي في جملتها معيارية لا وصفية، ومنطقية لا لغوية، وعشوائية في اختيارها للعناصر التي تعتد بها وتقف عندها من حصيلة اللغة وأشتات الأدب، دون تحديد للمستويات، ولا تمييز بين الشعر والنثر وکلام العرب الجاري علی ألسنتهم” .
ويقول «شکري عياد» في هذا الإطار: “الفرق الأوّل والأهم يرجع إلی أنّ علم البلاغة علم لغوي قديم وعلم الأسلوب علم لغوي حديث؛ فالعلوم اللغوية القديمة تنظر إلی اللغة علی أنها شيء ثابت، في حين أنّ العلوم اللغوية الحديثة تسجل ما يطرأ عليها من تغيير وتطور” .
ويشير «يوسف أبوالعدوس» في کتابه “الأسلوبيّة؛ الرؤية والتطبيق” إلى هذا الاختلاف قائلاً: “يشکل المخاطِب والمخاطَب خلافاً بين البلاغة والأسلوبيّة: ففي الوقت الذي عنيت فيه الأسلوبيّة بالمخاطِب (المبدع)، وبحالته النفسية والاجتماعية عناية کبيرة بوصفه أحد الأرکان الثلاثة للعملية الإبداعية، فإن البلاغة أغفلت المخاطِب وحالته النفسية والاجتماعية بشکل عام، واعتنت بحالة المخاطَب اعتناء بالغاً؛ فتحدث العلماء عن مطابقة الکلام لمقتضی الحال حديثاً مفصلاً” .
ويرجع «شکري عياد» عناية البلاغة الشديدة بحال المخاطَب إلی سيطرة المنطق علی علم البلاغة؛ قائلاً: “البلاغيون أنشأوا علمهم في ظل سيادة المنطق على التفكير العلمي ولخدمة الخطابة أكثر من خدمة الفن الشعري، ولذلك فإنّ أهم عنصر في ظروف القول عندهم هو الحال العقلية للمخاطب، وإن كانت المادة الأدبية قد فرضت عليهم في كثير من الأحيان الاهتمام بالحالة الوجدانية للمخاطب والمتكلم جميعاً، أما علم الأسلوب فقد نشأ في هذا العصر الذي دخل فيه علم النفس إلى شتى مجالات الحياة، وقد عني علماء النفس المحدثون بالجانب الوجداني من الإنسان أكثر مما عنوا بالجانب العقلي” .
بناء علی ما تقدم يمکن القول؛ إنّه توجد نقاط اتفاق ونقاط اختلاف بين البلاغة والأسلوبيّة لکن؛ هذه الاختلافات بين البلاغة والأسلوبيّة، ليس معنی ذلك أنَّه يمکن الفصل بينهما، فإنّ الدراسات الأسلوبيّة الحديثة – کما مرّت – تلتقي في کثير من جوانبها مع الدرس البلاغي ولا يمکن فصل الدراسات الأسلوبيّة الحديثة عن الدراسات البلاغية القديمة؛ کما يقول يوسف أبوالعدوس: “هناك علاقة وثيقة بين الأسلوبيّة والبلاغة تتمثل في أنّ محور البحث في کليهما هو الأدب. ويمکن القول إنّ الأشکال البلاغية المختلفة، هي الجذور التي نمت عليها المناهج الأسلوبيّة المختلفة، فلا يمکن الفصل بين البلاغة والأسلوبيّة بأي شکل من الأشکال” .

1-7- مستويات التحليل الأسلوبي:
قد عمدت الدراسات الأسلوبيّة في تحليل لغة الشعر إلی توصيف مستويات النص وتمييزها لتخصيص فاعلية کل مستوی وأثره في إثراء النص. فإنّ الأسلوبيّة قد قامت تحليلاتها علی المستويات الآتية:
1-7-1- المستوی الصوتي:
وهو الذي “يتناول فيه الدارس ما في النص من مظاهر إتقان الصوت ومصادر الإيقاع فيه، ومن ذلك؛ النغمة، والتکرار، والوزن، وما يبثه المنشئ من تواز ينفذ إلی السمع والحس” . تتابع الدراسة الأسلوبيّة الظواهر الصوتية؛ تکرارها وتمحورها لتکشف أثرها الفني والجمالي من خلال تفاعلها مع النص، خاصة في التعبير الإنفعالي للشاعر. فتهتم الدراسات الأسلوبيّة في هذه المستوی بمعرفة الدور الذي تلعبه الأصوات في المعنی اللغوي، لأنّ “المادة الصوتية تکمن فيها الطاقات التعبيرية ذات البعدين الفکري والعاطفي، وإذا ما توافقت المادة الصوتية مع الإيحاءات العاطفية المنبعثة من مکامنها لتطفو علی سطح الکلمة، لتتناسق مع المادة اللغوية المتمثلة في الترکيب اللغوي فإن فاعلية الکشف الأسلوبي للتعبير القارّ تزداد اتّساعاً لتشمل دائرة أوسع تضمّ التقويم بالإضافة إلی الوصف” . ففي هذا المستوی ندرس الإيقاع والعناصر التي تعمل علی تشکيله، وأثرها في التشكيل العام للموسيقی من خلال دراسة إيقاع الخارجي والداخلي والدلالات الموحية التي تنتج عنه.
1-7-2- المستوی الدلالي :
يعتبر المستوی الدلالي من أهم عناصر البحث والتحليل الأسلوبي، ويتناول فيه المحلل الأسلوبي “استخدام المنشئ للألفاظ ومافيها من خواص تؤثر في الأسلوب کتصنيفها إلی الحقول الدلالية، ودراسة هذه التصنيفات ومعرفة أي نوع من الألفاظ هو الغالب” . وفي هذا المستوی يمکن دراسة الحقول الدلالية، الکلمات المفاتيح، قدرة الشاعر علی اختيار الکلمات المناسبة التي تعبر عن فکرته التي يود عرضها للمتلقي، العناوين، و…إلخ.
1-7-3- المستوی الترکيبي:
يتجه هذا المستوی إلى دراسة البنية الترکيبية للنص الشعري، بهدف فحص الوحدات اللغوية التي تشف عن السمات الأسلوبيّة، وتسهم في ابراز القيم الجمالية للنص وتکشف عن الأثر المتولد من البنية الترکيبية بما يمنح الخطاب تميزه عن غيره من الأساليب. فهو يدرس “أي أنواع من التراکيب هي التي تغلب علی النص، فهل يغلب عليه الترکيب الفعلی أو الإسمي، أو تغلب عليه الجملة الطويلة المعقدة أو القصيرة. وهنا يمکن أن يأتي دور الأسلوبيّة النحوية في دراسة العلاقات والترابط والانسجام الداخلي في النص، وتماسکه علی طريق الروابط الترکيبية المختلفة” . کذلك يمکن دراسة أرکان الترکيب، التعريف والتنکير، أساليب الإستفهام ، والأمر، والنداء، والنهي…والمعاني الدلالية التي يخرج إليها کلّ نوع.

1-8- الإحصاء والدراسات الأسلوبيّة:
نظراً لفاعلية العملية الإحصائية في الدراسات الأسلوبيّة وقدرتها علی تمييز الأساليب، فقد أصبح لزاماً قبل الدخول في البحث، الإشارة إلی الاعتراضات والمزايا التي تطول الجانب الإحصائي في الدراسات الأسلوبيّة. هذا الاتجاه في الدراسات الأسلوبيّة يُعنى بالکم وإحصاء الظواهر اللغوية في النص ويبني أحکامه بناء علی نتائج هذا الإحصاء. إنّ المنهج الإحصائي “تنطلق من فرضية إمکان الوصول إلی ملامح الأسلوبيّة للنص عن طريق الکم. تقترح إبعاد الحدس لصالح القيم العددية، وتجتهد لتحقيق هذا الهدف بتعداد العناصر المعجمية في النص أو بالنظر إلی طول الکلمات والجمل أو العلاقات بينها أو العلاقات بين النعوت والأسماء والأفعال ثم مقارنة هذه العلاقات. وکلما کانت المقاييس المعتمدة متنوعة کانت الإجراءات الإحصائية دقيقة وکلما کان المتن المحلل واسعا کانت نتائج الإحصاء أکيدة” .
ويری «سعد مصلوح»، “إنّ هذا المسلك هو الحل العلمي المنهجي لمعالجة ظاهرة التنوع اللغوي علی نحو علمي منضبط، بل إنّ أهمية الإحصاء قد ثبتت لکثير من علوم اللسانيات التقريرية مثل اللسانيات التاريخية علی سبيل المثال. أما في الأسلوبيات اللسانية فالحاجة إليه أشد إلحاحاً لأنها تقارب السلوك اللغوي متميز بالقياس إلی غيره. وبذلك يتجاوز اللجوء إلی الإحصاء الأسلوبي مرتبة الجواز إلی مرتبة الوجوب” .
لکن هناك جملة من الاعتبارات التي تدعو إلی الحذر في الاعتماد المطلق علی المنهج الإحصائي في الدراسات الأسلوبيّة، أهمها فيما يلي:
يقول سعد مصلوح: “إنّ هذه الإحصائيات لا تستطيع أن تدل الباحثين في الأسلوب علی الخواص الأسلوبيّة التي تستحق القياس لأهميتها في تکوين الأسلوب، کما لا تستطيع حتی الآن أن تضع أسساً للتفسير الأسلوبي لهذه المؤشرات الشکلية. مما يجعل قوة البرهان نتائجها قاصرة للغاية في کثير من الحالات؛ إذ تکاد تطرد عکسياً درجة موضوعية النتيجة مع إمکانية التوصل عن طريقها إلی استبيان دقيق لأهمية الخواص من الوجهة الأسلوبيّة” .
ويری «أبوالعدوس»، “إنّ أغلبية العمل الإحصائي تحمل في طياتها خطرة سيطرة الکم علی الکيف، مما يفقد دراسة الأسلوب هدفها الأساسي، وأن الاعتماد علی الجانب الإحصائي يغلف الأدب بلغة غريبة عنه، خارجة عن طرق فهمه وتحليله ” .
أمّا علی الرغم من کلّ هذه التحديات التي تواجه المنهج الإحصائي التي جعلت عددا من الباحثين يعزفون عـن ذلك، فإنّ هذا المنهج لا يخلو مـن جوانب إيجابية في دراسة النصوص الأدبية؛ ولها دور فاعل فـي الدراسات الأسلوبيّة.
يری «هنريش بليت»، “للأسلوبيّة الإحصائية مزاياها؛ فهي لا تساهم في تحديد القرابة الأدبية وَحسبُ، بل تعمل علی تخليص ظاهرة الأسلوب من الحدس الخالص، لتوکل أمرها إلی حدس منهجي موجه. ومن هذه الزاوية يمکن للإحصاء أحياناً أن يکمل مناهج أسلوبية أخری بشکل فعال” . ويقول «سعد مصلوح» في کتابه “الأسلوب دراسة لغوية إحصائية” في هذا الصدد: “البعد الإحصائي في دراسة الأسلوب هو من المعايير الموضوعية الأساسية التي يمکن باستخدامها تشخيص الأساليب، وتمييز الفروق بينها… وترجع أهمية الإحصاء هنا إلی قدرته علی التمييز بين السمات أو الخصائص اللغوية التي يمکن اعتبارها خواصّا أسلوبية” . کما يری «يوسف أبوالعدوس»، “إنّ الإحصاء يقدم المادة الأدبية التي يدرسها الباحث تقديماً دقيقاً، والدقة في ذاتها مطلب علمي أصيل. وترجع أهمية العمل الإحصائي إلی أنه يقدم بيانات دقيقة ومحددة بالأرقام والنسب لسمة أو أکثر من السمات اللغوية المتعددة، التي يتميز بها نص أدبي معين، ومن هذه السمات: استخدام مفردات معجمية معينة، نوع الجمل، طول الجمل،…الخ” . بناء علی ما تقدم؛ فللأسلوبية الإحصائية مزايا عدة وقد أشار إليها غير واحد من الباحثين ولها دور بارز ومميز في الدراسات الأسلوبيّة.

… يتبع 

شاهد أيضاً

د. زهير ياسين شليبه: قراءة في قصة بني أندرسن الغنائية “أغانِ سفانته االشعبية*” (ملف/4)

أُشتهر الشاعر بني أندرسن 1929-2018 في بداية السبعينات بالذات بكتابه الغنائي الساخر “أغانِ سفانته الشعبية …

سعد جاسم: فراشات الخريف (هايكو) (ملف/29)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

صباح الأنباري: قراءة أولية في قصيدة سعد جاسم «هو يشبه أنكيدو» (ملف/28)

في قصيدة الشاعر سعد جاسم (هو يشبه أنكيدو) تبدأ العنونة بتحديد ذكورية الشبيه (هو) متبوعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *