د.لقاء موسى الساعدي: افول التنوير في العراق؛ نبوءة حياة شرارة في اذا الايام اغسقت (ملف/1)

leka-alsadiإشارة:
في آب من عام 1997، رحلت المبدعة “حياة شرارة” في نهاية مأساوية. نقلت إلى العربية أروع الآثار الروسية الكلاسيكية لبوشكين وتورجنيف وتشيخوف. وظهرت بعد رحيلها المؤلم روايتها “إذا الأيام أغسقت” 2002. ولعل أهم فضائلها الفكرية والسلوكية هو موقفها الجبّار الذي كلّفها حياتها في رفض مهادنة قوى الظلام والعبودية التي روّضت الوسط الجامعي واساتذة الجامعة ليتحوّلوا إلى أدوات للنظام بدلا من أن يكونوا بؤرا للرفض والتغيير. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي هذا الملف عن الراحلة وتتمنى على الأحبة الكتّاب إغناءه بالمقالات والصور والوثائق.

المقالة : 
منطقيا اي تردٍ لا يصل الى الذروة الا بعد ان يمر بمراحل, وبعض هذا التراجع يمتلك اهمية لانه يتوجه الى قمة الهرم الاجتماعي المساهم في تطوير البنى المجتمعية, ( الجامعات) التي تمارس دورا تثقيفيا ينقض السرديات الاسطورية والخرافات التي تحاصر المجتمعات وتحبسها في ربقة الماضي, وهذه المراحل التي تم تجاهلها ومهدت لما نحن عليه الان من سياقات غير اكاديمية تحكم الوسط الجامعي,وساهمت في تحول الجامعات الان في عموم العراق الى مراكز تجهيل ومسايرة للاحزاب الاسلامية التي تتحكم برقاب الناس وتمارس فسادها بأفراغ كل مؤسسات المجتمع من محتواها, وفي مقدمتها الجامعات.
واحسب ان من الضروري الان القاء الضوء على نص رائد للكاتبة حياة شرارة في روايتها (اذا الايام اغسقت), الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لسنة (2002م, بعد وفاتها), وهي الاكاديمية البارزة التي خبرت الوسط الجامعي ورفضت ان تكون ممن يهادنون ويتقبلون الخضوع او السكوت على جريمة تجهيل الناس. وفي روايتها تفردت بالوقوف على اعتاب انهيار جدار الصد الفكري, العلمي والتنويري في كل المجتمعات, المتمثل بالاساتذة الجامعيين, وانزياح مهمتهم في الاخذ بايدي طلابهم نحو التفكير العلمي لكل ماحولهم من احداث اجتماعية, وسياسية. وصل الى تحولهم لدمى بايدي السلطة تكرس التعبئة الجماهيرية وتتغاضى عن الاهانات الموجهة لأهمّ الاساتذة العراقيين واقصاء العقول المتميزة لتتلقفها دول الجوار والمغتربات الاوربية, في عملية ممنهجة لقتل الروح العلمية العراقية وافراغ العراق من الطبقة الفاعلة والمؤثرة في احداث التغيرات الاجتماعية الايجابية.
في روايتها (اذا الايام اغسقت) تعرض حياة شرارة على لسان بطلها الدكتور( نعمان) وهو استاذ خدم في احدى الجامعات العراقية والتي يبدو من الوصف للمكان انها جامعة بغداد في زمن التسعينيات من القرن الماضي مع احداث الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق , عمل الدكتور نعمان في الجامعة لمدة ثمان وعشرين سنة وتميز بجهده الاكاديمي المتفوق, لكنه يقرر ان يتخلص من محنة العمل في ظل اجواء المطاردة السياسية وترك مراكز صنع القرار بأيدي من يمالي السلطة من البعثيين الذين يغلب عليهم الروح العسكرية والغلظة الفجة كما انهم من انحدارات معرفية متردية اوصلهم قربهم من السلطة الى رئاسات hayat sharara
الاقسام والعمادات ليمارسوا سلوكياتهم السادية على علماء العراق وعقوله. تصف الرواية تصرفات رئس القسم الذي عمل فيه الدكتور نعمان بدقة عكست الجو غير العلمي والمهين الذي عملت فيه هذه الفئة المهمة من علماء العراق يقول:(( كان يمتاز بطبع مستبد ازاء منتسبي قسمه ويعتبرهم أتباعا له ومن حقه ان يمارس نفوذه عليهم, فيأمر الاساتذة بتدريس مواد لايرغبون فيها, أو ان يحضروا في ساعات وايام لا تناسبهم, ويحاسبهم على اخذ الاجازات المرضية, لانه يعتبرهم يتمارضون ويتهربون من العمل. كان يقوم أحيانا بزجرهم علانية, فقد كان يحب ان يدوي صوته في القسم كجرس الكلية الذي يعلن عن بدء وانتهاء المحاضرات)) .الرواية ص:95
وفي النص يحاول الدكتور نعمان راوي الاحداث والشخصية المركزية فيها, ان يفسر قرار اقدامه على التقاعد همسا في اذن القارئ مذكرا اياه بالرعب والخوف الذي استولى على نفسه وحطم كبرياءه واحنى رقبته)) لا شك ان التقاعد لايناسبني, لانه يعني تعطيل قواي الفاعلة والابتعاد عن الجو الذي يمور بالحركة والشباب والمعرفة…والتراجع الى زاوية من زواياها الضيقة التي اصبح فيها منسيا مع مرور الزمن,وهذا مالا أرضى به فحسب, وأرفضه بكل ما اوتيت من قوة. ومع ذلك أقدم عليه باصرار وعدم احتمال لاي تراجع, وسوف أصاب بالاحباط والخيبة اذا لم يأتي الجواب ايجابيا..))الرواية ص83-84 .
والرواية كلها تقريبا شرح لاسباب اقدامه على هذه الخطوة التي تتوشح بالتناقض في نفس الاستاذ المحب لعمله والمضطر لتركه حتى لا يظل يتعايش مع ممارسات مهينة ملأت الجو الجامعي بدخانها القاتل, ومنها الاهانات المتكررة التي يوجهها عميد الكلية الذي كان يقف مترصدا الاساتذة المتأخرين لتوجيه الكلام البذىء لهم مع العقوبات الادارية, بينما يتستر على الاساتذة المهملين لانهم يعرفون كيف يلتفون على تلك النقائص في عملهم بالتملق والهدايا للمسؤولين..ويتابع النص مصائر زملاء الدكتور نعمان الذين انتهى الامر بهم الى احد امرين اما اللجوء الى الاحتماء بالدين والصلاة والبعد الروحي كما حصل مع الدكتور (بدري) الذي تحول من اشتراكي متحمس الى متدين متمسكا بحبل الدين والطقوس بعد الحصار الاقتصادي, هذا التحول نجم عن تعرضه للسجن والتعذيب الذي اجبره على الاعتراف على رفاقه اليساريين الاثم الذي ظل يعذبه فخملت حركته وانطفأت جذوة الحياة فيها. أما المصير الاخر للاساتذة الجامعيين فيمثله (ياسين) الذي طلب منه ان يكتب تقارير عن زملائه ويشي بهم عند السلطة المتحكمة بمصائر الناس, فينتهي حطاما غارقا في سكره الذي وجد فيه ملاذا حتى لا يصحو ويتعذب لانه انقاد لاوامر الخيانه وسلوك ارذال البشر.kh hayat 1
كما يقف النص عند ممارسات مثل عسكرة الجامعة باجبار الطلاب والاساتذة للانتماء لمعسكرات التدريب الصيفية تحت حرارة الشمس التي تتجاوز 50 مؤوية, والتي لم تسلم منها حتى النساء,واجبارهم على حضور احتفالات الحزب وترديد الشعارات التي تمجد القائد والحزب مثل قطعان الخراف المعدة للذبح.
كما وقفت الكاتبة مطولا عند اثر الحصار الاقتصادي على الاساذة والناس حتى صار راتب الاستاذ الجامعي لا يكفي لسد حاجته من الغذاء لايام معدودة فيضطر للوقوف المذل في طوابير جمعية الاساتذة عسى ان يحصل على بضع كليوغرامات من العدس او الفاصولياء, مما عرضهم لسخرية فئات اجتماعية ادنى.
يضاف لكل هذا منع السفر الذي مارسته كل السلطات التي حكمت العراق وسعت الى حبس الناس وابعادهم عن الحضارة والانفتاح على العالم.بينما صار السفر حلما لكل ابناء الطبقة الوسطى في العراق للهرب من ضيق الخناق في الداخل.
تختم حياة شرارة نصها ( اذا الايام اغسقت) بمشهد الجنود المارين تحت نصب السيفين المتقاطعين عند مدخل ساحة الاحتفالات الكبرى واللذين تمسك بهما قبضتان جبارتان في حركة متشابهة ومنتظمة, رمزا لموت هذه الجموع وهي ساكته على خوفها وخضوعها وامتهان كرامتها.
هذا النص جسد صورة حقيقية للتحول المذهل الذي مرت به هذة الفئة الاجتماعية ولازال يمارس ضدها الان, بعد الاحتلال وهي تمارس ذات الصمت والتخاذل وامتهان الكرامة. والحل الذي اقترحته هو الانسحاب بدل المشاركة المذلة في جريمة تجهيل المجتمع والقضاء على مراكز النور فيه.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد تركي النصار…. هوية الشعر.

*هو الاكثر صخباً، وجرأة، أيام كانت رسائل الحبيبات تصل الى المقابر، بحثاً عن عاشق حملته …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (9)

 الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً   شاكر مجيد سيفو ما يشبه تصدير القراءة.. تثير …

فاروق مصطفى: الدكتورة (سلوى جرجيس) و رحلتها في (الف ليلة و ليلة)

كتاب (الف ليلة و ليلة) المثير في حكاياته الملأى بالغرائب و العجائب الذي يلدها مخيال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *