كريم جثير: نافذة الشاعر في مدن الثلج (ملف/55)

karim-katherإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
لا أريد هنا أن ْأتحدث عن قصائد الشاعر ” عيسى حسن الياسري ” التي تعبق برائحة العشب وتغتسل بالخضرة ومياه السواقي , وتمتد منسابة بين أنهار وقرى الجنوب , حيث الدفء ودورة فناجين القهوة والمحبة والمواويل , ولكنني أريد أن ْأتحدث عن الياسري في مدن الثلج , مدن الأقصى الآخر من الأرض , مدن الشمال البعيدة كل البعد عن جنوبنا البعيد وقراه النائية النائحة ,إن ّ” عيسى الياسري ” ويا للمفارقة يعيش في أكثر مدن أمريكا الشمالية بردا ً, وهذه المدينة تدعى ” وينبك ” التي يشكل البرد والثلج والهنود الحمر أهم ملامحها , هذه المدينة الغريبة بعوالمها تقف على النقيض تماما ً من عالم ” عيسى الياسري ” حيث لا تربطه بهذه المدينة سوى نافذة شقته ” ,بل وينطوي وجود هذه النافذة على نقيض آخر يصلح أن ْيكون مفارقة أخرى تشبه ” الكوميديا السوداء ” …حيث أن ّنافذة شقة ” السيد ” تطل على واجهتين إحداهما واجهة مخزن لبيع الخمور , والواجهة الثانية تطل على مبنى مغلق يتخذ مسرحا للعراة , وعيسى الياسري ” لا يعرف من هذه المدينة سوى مكتبتها العامة والتي أدمن زيارتها كل ّيوم كوسيلة للخلاص , حيث ينزوي في ركن من أركانها ليقرأ كتابا ً, ويتلذذ برائحة الورق ودفء الكلمات , ولم يفكر الياسري من الاقتراب من عالم ” الإنترنيت ” الذي يتعب عينيه ولا يشعر بلذة القراءة من خلاله , وكأن ّ” الإنترنيت ” الحضاري يجرح قرويته والجنوب الذي يسكن روحه , وربما لا يفكر أن يجعل منه وسيلة اتصال له مع العالم إلا بعد أن يتأكد من أن ّآخر طفلة وطفل قرويين من جنوبه قد أصبحا يجيدان استخدام ” الإنترنيت ” رغم أن ّ هذا الإنترنيت يفرض وجوده كحاجة في عالم الياسري الثقافي , فقصائده ومقالاته التي تنشر في الصحف والمجلات التي تصدر هنا وهناك لا يمكنه قراءتها ورؤيتها منشورة إلا من خلال ” الإنترنيت ” لأنه يعيش بعيدا ًفي مدن الثلج , ولذا فأنه اعتمد على ثلاثة أشخاص يستنجد بهم وقد اتخذهم كوسطاء بينه وبين ” الإنترنيت ” وهؤلاء الثلاثة هم ابنته ” جمان ” و ” أنا ” و الشاعر ” سعد جاسم ” ,حيث نقوم نحن الثلاثة بمتابعة ما ينشر له , ونقوم بتصويره وإيصاله إليه , وأشير إلى أن ّ” سعد جاسم ” له بريد أسبوعي مع الياسري , وغالبا ً ما يحدث أن أسلم الياسري مادة نشرت له وأكتشف أن ّ” سعد جاسم ” أكثر وفاء مني حيث يوصلها قبلي رغم أنني أسكن المدينة ذاتها التي يعيش فيها الياسري ,بينما يعيش سعد في مدينة بعيدة كل البعد عن مدينتنا .
كانت شقة ” عيسى الياسري ” أشبه بالسجن بالنسبة له , مما دعاه هذا أن يفكر مئات المرات بالعودة إلى العراق ليتخلص من عذابين , الحنين إلى الوطن والحلم الدائم بدفء الجنوب , ولكن كيف وكل الطرق مغلقة , والبلاد بعيدة حتى لو قطع كل مسافات الثلج حافي القدمين .aisa 11 (2)
رغم قرب المسافة بين شقتي وشقة الياسري , إلا أنهما في الشتاء تتباعدان عن بعضهما وتجعلان اللقاءات بيننا نادرة , وغالبا ً ما نستعين بالتلفون , أتصل به فأجده منشغلا بكتابة قصيدة جديدة , ويتصل بي فيجدني منشغلا بكتابة نص مسرحي جديد , ونادرا ًما نتحدث بشؤون خاصة , فالشعر والمسرح هما القاسم المشترك لمكالمتنا وكل الأشياء الأخرى ليست إلا هامشا ً, وغالبا ًلا يجد هذا الهامش مكانا ًفي ما نتحدث فيه , ولكن غالبا , بل دائما ًيأتيني صوت الياسري حزينا ًمتعبا ًيعذبه الحنين إلى البعيد , ولكن المرة الوحيدة التي جاء فيها صوته فرحا ً,ترن فيه أجراس لا عدد لها , ويحمل صدى لاغاني صبية جاؤوا من الجنوب , أعراس وهلاهل وأنهار , هذه المرة كانت يوم فوزه ” بجائزة الكلمة الحرة العالمية ” وكان لي الشرف أن أكون أول شخص انتخبه “عيسى الياسري ” ليزف له البشرى في هذه المدينة وهو يردد .. ” لا أحد يعرف قيمة هذه الجائزة غيرك في هذه المدينة ” , كدت أبكي من فرحي , ليس من أجل الجائزة رغم قيمتها والتي يستحقها الياسري بجدارة , ولكن لأن هذه الجائزة جعلت من صوت الياسري يتدفق فرحا ً, وأخرجته من حزنه العميق , ورتابة أيامه المحاصرة ما بين جدران غرفته .
قبل حصوله على الجائزة بفترة زرت الياسري في شقته , وبعد أن ْغادرته عدت حزينا ًومضطربا ًفسألتني زوجتي عن السبب ..أجبتها ..عيسى الياسري وزوجته .. شهقت زوجتي قائلة ً..إنهما طيبان ويحبانك كثيرا ً.. فقلت لها ليس هذا بيت القصيد يا امرأة … وبعد أيام جئت لزوجتي بنص مسرحيتي الجديدة ” النافذة ” يتقدمه إهداء .. إلى .. عيسى الياسري وزوجته , وكان جوابا كافيا ً ًعلى سؤالها .

الشاعر الهولندي رمكو كولبرت وهو يسلم جائزة الكلمة الحرة العالمية للشاعر العراقي عيسى حسن الياسري
الشاعر الهولندي رمكو كولبرت وهو يسلم جائزة الكلمة الحرة العالمية للشاعر العراقي عيسى حسن الياسري

لقد كتبت هذا النص الذي أبكى “عيسى الياسري ” كما اخبرني – كتبته ولم أكن أتقصد أ ن أجعله يبكي , إنما كان هدفي أن أفرحه وأشاركه أحزانه , والنص بشخصيتيه الرئيسيتين ” هو وهي ” ما هما إلا ” عيسى الياسري وزوجته ” , فعندما زرتهما كانا يتآكلان بغربتهما , فالزوجة امرأة مسنة لم تغادر شقتها خلال كل فترة وجودها في ” كندا ” إلا نادرا ً , وهو شيخ مهدم حزنا ً وفيضا ًمن حنين , وكان الصراع محتدما ًوالاختيار صعبا ًما بين البقاء في الغربة أو العودة معا ً, أو بمغادرة أحدهما وبقاء الآخر , فما أصعب الاختيار , إنه موت في كل الحالات , فالعودة معا ًموت , والبقاء معا ًموت , والافتراق بينهما هو أبدي بحكم عمرهما , أي هو الآخر موت .
النافذة والغربة اللتان صورتهما في المسرحية , الرصاص الذي يقف خارج الشقة وداخلها . نفذ الماء والغذاء , وتوقفت عقارب الزمن عن الدوران , وصدئت أمواس الحلاقة وجفت الأصباغ , , هي تختار الخروج فيواجهها الموت عند النافذة , وهو يختار البقاء وقد شل ّنصف جسده وأخذ الموت يزحف لاحتلال بقايا الجسد , هي تختار العودة , وهو يختار مجبرا ًالبقاء في شقته المعلقة في السماء .
في زمن رديء ,ألقي الياسري بعيدا ً , بعيدا ً عن قراه وعشبه وقهوته , ليمضي أيامه وكل ّما حوله مصاب بالعطب وينذر بالموت , هذا الموت الذي لا توقفه سوى عودة الياسري إلى جنوبه وقد نبت العشب من جديد كما نبت واستطال في أحلامه وقصائده ليكتب قصيدته الأخيرة هناك ,وتبطل هذه العودة أيضا ً نهاية المسرحية ” النافذة ” هذه النهاية التي تسقط فيها الأوراق من يد الشاعر قبل أن يكتب قصيدته الأخيرة ْ .
…………………………….

” مخرج وكاتب مسرحي وشاعر مجلة المسلة –الأردن – شتاء 2003 “

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *