عدنان أبو أندلس: الإغتراب والتناص المتدرج قصيدة “عابث السبيل” للشاعر فرهاد بيربال

adnan abu andalusما كان عليّ إلا أن أكون داخل النص ومتبعاً قول الناقد ” جاك دريدا ” ” كلُ شيءٍ داخل النص ” لكن لانطباعية قراءتي وشخصية الشاعر المثيرة للجدل ، جعلتني أتوسط الحل و أتنقل مجبراً ومحتاراً مابين الداخل \ الخارج – أو أن أكون محايداً و أحددّ نقطة للإنطلاق – كمثابة -لأساوي بها كفتي ما يوزن في ذهني لحظتها .. وأتطلع برؤى مستحيلة – عصية – تتمحور حول الغرابة في الطرح من حيثُ كونها ظاهرة عجيبة في الشعر والرسم والتشكيل العجيب . …..
ـــــ ولإستحقاقها تراني قد خرجتُ من التوصيات بفرمان مؤكد ، فهو يجمع كل المتناقضات في لوحتهِ وشعرهِ وحياتهِ اليومية ، عبثي – متمرد – جريء – اقتحامي – مشاكس- حزين – فرح ، يشكل من هذا البون المتناقض ” كوميديا سوداء ” تلائم مزاجهِ الفني والمعرفي معاً ، لا يتحرج من أقوالهِ أو أفعالهِ أبداً – حتى هيئتهِ توحي بذلك ،إسمه الغريب لفظاً وكتابةً ” فرهاد بيربال ” فحرفي الراء المضخمة المتوازنة في إسمهِ الثنائي تثير أكثر من تساؤل وتعطي دلالة القوة الفكرية – البدنية- العقلية- الرجولة في الطرح . رؤاهُ كوكتيل من أصناف عدة ، كما في ألوان الصعادات النارية المبهجة ” أكر بارانا ” .
…. أكثر من فكرة إستباقية يشكلها في لوحة ما- ذهنية معاصرة فكرة عابرة ، ثم يستمدُ منها نصٌ شعريٌ باذخٌ في الحداثة- سريالي – دادائي . إن المتتبع والمحدق في لوحاتهِ – قصائدهِ – يلاحظ المتعة المغرية – خطوط في لوحة – حروف ً في قصيدة ، حتى في تشكيلة قميصهِ الذي يرتديه لوحة مميزة .
يقول الناقد د. نجيب العوفي في درجة الوعي في الكتابة : إن من مسلمات النقد التقليدي الضمنية إعتبار العمل الأدبي مرآة مؤلفهِ تعكس ذاتيتة النفسية والإجتماعية … على الناقد أن يعبىء دراستهِ بركام من المعلومات المتعلقة بسيرة المؤلف الشخصية ، مما شدّ من أزري في الإستجابة للنقد من خارج النص أيضاً . ، وعن قول أحدٌ من المهتمين بالنقد: كلما عشتُ ” خارج النص ” ،كلما زادت معرفتك بـ ” النص ” أكثر.. وهكذا كان لزاماً عليّ أن أكتب ما يدعمني قولاً رصيناً بمعرفة . وما قصيدتهِ ” عابث سبيل ” إلا مراوغة المعنى وتناص جميل في نموهِ الفكري المتدرج نحو غاية يعرفها ولو أنها مستحيلة يقول :
مستقبلٌ مستطيلٌ مستجابٌ مستوردٌ …
منتطرٌ في طريقي ، محيرٌ
ماضيٌ باهضٌ مليءٌ بالبهجة
ينتظرني ؛ إطلالة أنا
من الملاحظ بأن العتبة النصية ” عابث السبيل ” ومروراً بالإستهلال حتى نهاية النص ، توحي بديهياً بأن الشاعر يشاكس حتى في مخيلتهِ المتقدة . يمكن أن نقسم نصهِ هذا إلى أربعة مقاطع وحسب النفس الشعري للمتلقي – سماعاً ومنظوراً – هذه المقاطع أو المراحل الحياتية يمرُ بها المرء في حياتهِ ،يكتنفها الغموض –الفجأة – المطاولة –تتداخل مع بعضها بمزيج رؤيوي ،وقد ناور بكل مرحلة بتناص ممتع بقدر النسخة الأصلية ، بدءاً من العنوان “عابث السبيل ” المتناص مع “عابر السبيل ” وهما الموحيان قطعاً للسرعة –الخلاص –الموت –وفي قولهِ :
مُستقبلُ مستطيلُ مُستجابُ مستورد – محاكاة مع الذات بالنهاية الموعودة –فالمستطيل بالشكل – هو القبر –إستقبال أو ربما يتشاكل مع الموت ، شكلاً – حيرة الطريق ،المسلك العام الذي يمر بهِ كلٌ منا كحتمية . الإنتظار الموحي بذلك …. فالتناص ولو كان بعيداً في تفسيري ،لكنهُ لفظي جميل يقترب من قول الشاعر “إمرءُ القيس ” في صدر من معلقتهِ الشهيرة ” مِكَرّرٍ مَفرٍّ مِقبلٍ مُدبرٍ معاً ” هذا مارأيتُ من التطابق رسماً –التشكيل ، ومعنىً = السرعة . ferhad-birbal
أترنحُ بين السماوات والأرض
إنني عبثاً
حافية الروح ، قدماي
…. تمام الدنيا
المقطع يوحي للمتلقي بأنهُ بؤرة النص والمحمول بدلالات المعنى كلياً ، وقد جاء كمرتكز … يتكئ عليهِ الأساس ،أترنح – حافية الروح -… لما لهما من تأثير جوهري واضح من حيثُ بناؤهُ الرصين في التوظيف ، فـ الترنح هو تمايل لجهة بعلةٍ –سُكر –مرض ..أو ربما تحليق روحي لورود حرف المكان – بين – السماوات والأرض – فـ العبث – المزاج – اللعب – جاء من جراء الخدر الروحي .. حافية الروح ، قدماي ، كما في تناص مع رواية الكاتبة ” فتحية الهاشمي ” والتي تدور أحداثها عبر تبني طفلٌ لم يولد بعد ، فالشاعر فرهاد تناص هو الآخر بـ الموت قبل سنوات عدةٍ ، فـ الأقدام كما معروف فسلجياً وقت الإحتظار توت قبل باقي الجسد أولاً ، فهذا المقطع يصنف ضمن مرحلة التحليق = الروح .
كمْ من ذليلٍ
كذات ذئبُ البوادي ” في الشوارع المتشردة ”
وكم من ذهولٍ
ذوي النزوات الذابلة ” في الرصفة المسافرة ”
هنا قدْ إستهل المقطع بـ الإستفهام ” كمْ” مبهم يراد منهُ معرفة العدد ؛ بالتعجب ! .. التشابه واردٌ بين الذليل في موقعهُ ، والمكان المناسب اللائق بهِ ،مثل ذات ذئب البوادي – الشرس – في الشوارع المتشردة –غير موقعهِ ..كم من ذهولٍ يصاب به المرء حين الإجبار في موقع كهذا ؟… أما في ” الذهول ” المندهش –الخائف –المتحير –ربما حيثُ الثابت الذي لا ينزاحُ عنهُ هو موطنهُ الأصلي ، فكيف بحالة التشرد هذهِ !… يتوافق مع ذوي النزوات الذابلة ، فلهم الخيار في الإنطلاق بحرية ممنوحة في الأرصفة المسافرة ،كونهم مجردي المسؤولية ولا يهمهم ماراح وما أتى !.. تحقيق هدف مزور –زائل –صورتان لو عكسنا إحداهما مقابل الأخرى لتساوت كفة الرؤى الحقة .
ذئب البوادي =الأرصفة المسافرة
النزوات الذابلة = الشوارع المتشردة
هذا التقابل يليق بتركيب الجملة ،لكن لإشتغال الشاعر على الرؤى الحداثوية جعلتهُ يرتبها كما أصاغها أول وهلة .
الخمول =الوهن
وكم من متلذذ في ممر الملذات
مسلم كان في أوربا
أو أوربي
أو كان في أرض الشرق الأقصى
الرخيصة حنينهم أبداً لولِ منزلِ
يعاود الشاعر بـ تكرار السؤال الإستفهامي ” كمْ” بتعجبية يواسي بها المجتمع ، ربما في إغتراب – هجرة –وغيرها من دواعي البعد الإجباري ، فمهما مكث أو إستقر فلا خيار لهُ غير الوطن مستقر وملاذ ،فالعودة في قرارة النفس حاصلة رغم الموانع النفسية بالتغيير ، فالمنزل هو المحصلة النهائية للإستقرار رغم متغيرات الحالة من تبادل الأمكنة –المنازل –النوازع – المواقع ، فالمنزل الأول لهُ حبٌ طاغٍ وحنين أخاذ لمهبط أحلامهِ ومرتع صباه . لايهم الإنسان سواءً شرقت أو غربت ، وهذا ما جاء بتناصهِ التام مع شعر أبي تمام:
كم منزلٍ في الأرض يألفهُ الفتى …. وحنينهُ أبداً لأولِ منزلِ – خاصة في عجز البيت وكما يقول فرهاد : حنينهم أبداً لأولِ منزلِ – يخاطب على لسان جمعي .الحنين = العودة المتأصلة في المخيلة أبداً .
حقيقة للشاعر ميلً جارف نحو المذهب السريالي أدبا وفناً ،قصائدهُ تستبطن الرؤى السريالية بتناقضاتها مع الواقع ، ومفارقاتها المثيرة ،كذلك لوحاتهِ في الفن التشكيلي هي الأخرى تتمحور في ذات المذهب من رسومات محيرة . إن المكان لهُ عمقٌ راسخ في مخيلة الشاعر فهويشكل قيمة إعتبارية رائعة في نفسيتهِ ، لذا يتحسس المتلقي والمشاهد بأن الورقة = مسحة مكانية في اللوحة ، والموطن لهُ إحساسٌ متوازي في أحاسيسهِ أبداً .

13- أيلول -2016 .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد تركي النصار…. هوية الشعر.

*هو الاكثر صخباً، وجرأة، أيام كانت رسائل الحبيبات تصل الى المقابر، بحثاً عن عاشق حملته …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (9)

 الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً   شاكر مجيد سيفو ما يشبه تصدير القراءة.. تثير …

فاروق مصطفى: الدكتورة (سلوى جرجيس) و رحلتها في (الف ليلة و ليلة)

كتاب (الف ليلة و ليلة) المثير في حكاياته الملأى بالغرائب و العجائب الذي يلدها مخيال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *