شوقي يوسف بهنام: من هموم سافو/النص رقم (3)

shawki yusef bahnam 4*مدرّس مادة علم النفس/كلّية التربية/جامعة الموصل
في نصها الثالث .. اعني نص سافو الثالث تطرح شكلا اخر او صورة اخرى من همومها . واذا لم يخنا التعبير ؛ علميا او اسلوبيا ، فان في هذا النص ، خبرة جوانية صرفة . انها تجربة الحلم والكابوس واسرار النوم الاخرى (1) . وقد اهتم الانسان منذ فجر حياته بهذه الظواهر وبمختلف بيئاته وحضاراته وثقافاته فكان نتيجة لذلك هذا الاهتمام بهذه الظاهرة لما يلفها من حيرة وغموض وابهام وإشكال . وليس الغرض من هذه السطور معالجة هذه الظاهرة بل الانطلاق منها للولوج الى فضاءات نص سافو هذا الذي بين يدينا . تقول سافو :-
واقفة كانت ” تقصد أفر وديت ” الى جوار مخدعي
بخفيها الذهبيين
في تلك اللحظة بالذات
أيقظني الفجر
(الاعمال الشعرية ، ص 13)
****************************
ينبغي ان نذكر ان شاعرتنا الكبيرة لميعة عباس عمارة قد كان لها هذا الهاجس ذاته وقد وظفته توظيفا دقيقا في نص جميل ، عنونته ، ونميل الى الاعتقاد ، بانه لم يكن من باب المصادفة ، بل كان فعلا قصديا ، ذلك النص كان يحمل عنوان ” سافو ” وقد القينا الضوء عليه في مكان آخر بشيء من التفصيل (2) . الا ان ما فات لميعة هو نفسانية النص في شكله الدقيق . صحيح ان لميعة في نصها ذاك كانت تعيش ذات الخبرة الا انها لم تحدد هويته على انه كابوس مثلما فعلت سافو . التجربة ذاتها بل وعند لميعة اشد وضوحا وجلاءا واكثر دقة في التصوير للتعبير عن مشاعر الجنسية المثلية الانثوية ، الا ان انها ، اعني ان هذه الصورة هي كابوس او ُجثام nightmare وما يرافقه احيانا من فزة الليل night terror وهي حركة مفاجئة تعترى النائم وتوقظه في رعب (3) . ولابأس من ان نورد نص شاعرتنا الكبيرة لميعة لنرى مدى التناص بينها وبين نص ملهمتها سافو . تقول لميعة :-
سافو تعشقني
تتمدد فوق سريري
تلثمني ،
لجت .. لكني أفلت ،
قالت : أنت مخيبة للظن
فأيدت
*****************
اترك تحديد مديات التناص بين النصين لزملائي العاملين في الجوانب الشكلية والفنية والجمالية للنص . لميع اكثر جرأة في التصوير عن الجوانب النفسية المكبوتة من سافو الشاعرة التي وصمت عبر التاريخ بوصمة السحاقية . لنعود الى نص شاعرتنا سافو ونقول انه خبرة من خبرات النوم واحلامه وكوابيسه . ومن المعلوم ان موضوع الكابوس والحلم له مكانة في ميدان الفلكلور والمأثورات الشعبية قبل ان تكون مفهوما اساسيا من مفاهيم التحليل النفسي وعلم النفس مثلا . فهذا هو الباحث الدكتور عبد الحميد يونس يدخل هذين المفهومين ضمن معجمه عن الفلكلور حيث يقول عنه الكابوس ما يلي ” شبح يأتي للنائمين ، ويجلس أو يجثم فوق صدورهم ويكتم انفاسهم ، ويجلب لهم احلاما مزعجة ، ويوقظهم وهم يشعرون بالضيق ، والكابوس ايضا حلم مزعج واضح . وكان الإله البابلي ” ألو ” (وهو إله العاصفة) كابوسا ، وكان إفيالتيس ، أحد عمالقة الاغريق (ومعناه الوثاب) كابوسا عند الاغريق (5) . ويؤكد هذا الباحث ان الاحلام “… تعد من المحاور الرئيسة في الملاحم والسير والحكايات الشعبية ؛ فإن الحلم يعبر عن المستقبل المنشود عند تأزم الاحداث امام البطل . وقد تفصح له عن الطريق الذي يسلكه ، وكثيرا ما يستعين الابطال بمن يفسر لهم احلامهم او احلام غيرهم . والدارس يجد الشواهد الكثيرة في اغلب الملاحم والحكايات الشعبية ، وقد يكون تفسير الاحلام اقوى من قراءة المستقبل بوساطة طوالع النجوم او الرمال او غيرها (6) .
لا نريد التكرار ان فرويد مؤسس التحليل النفسي قد اعتبر الحلم الطريق الملكي او السلطاني الى بوابات اللاشعور . فالحلم وتفسيراته يلعبان دوارا مهما في نظرية التحليل النفسي .
نعود الى نص سافو محور سطورنا الراهن . أفروديت (7) ربة الحب والجمال والاخصاب ، كانت واقفة بجانب مخدعها بخفيها الذهبيين . ولقد نسب اليها هسيود ان من صفاتها دلال الغيداء ، وسحر الفتاة ، ومكر الانثى الى جانب ما تشيعه من البهجة والحب والوداعة . لقد كانت هذه الربة مثالا يحتذى به عند النسوة في بلاد الاغريق . ويقول صاحب المعجم في نفس المادة ان الشهوة الجنسية ليست بالبعيدة عن الانجاب الا انه لم يحدد هوية هذه الرغبة لان تكون هذه الربة مثالا للاحتذاء او ما نسميه اليوم بالجنسية المثلية عند النساء . المهم ، عندنا ، ان هذه الربة او طيفها او شبحها كان يراودها او جاءها وهي نائمة تحلم بانها في تسبح في بحيرة الشهوة واللذة والحب . لميعة ، وكان الاجدر بها ، ان تشير الى أفروديت وليس الى سافو ، لأن أفروديت هي الربة وسافو واحدة من المعجبات بها او باغية من بغاياها لا غير . لقد صار لأفروديت طقوسا وشعائر على منوال البغاء المقدس (8) ، و لا ندري لماذا ما سبب هذا التجاوز ، اعني لماذا تجاوزت لميعة او تخطت أفروديت وتماهت او تعلقت بسافو ؟؟ . سأترك تحديد هذا السبب الى غيرى . نعود الى شاعرتنا سافو ، وهذا ما يهمنا هنا ، لقد حلمت سافو لفترة طويلة وليس فقط قبل يومين او ثلاثة مثلا بأن تأتيها سافو ، ولو على مستوى الحلم ، وتلمس جسدها ، مثلما حلمت شاعرتنا لميعة ، مثيرة وموقظة لتلك الرغبة اللعينة التي عذبت سافو ومن على شاكلتها ، ها هي اللحظة السعيدة قد حانت ، وها هي الرغبة قد تحققت . كان فرويد يقول ان الحلم هو تحقيق لرغبة غير مشبعة على ارض الواقع وها هو الحلم قد صار واقعا واذا بأفروديت ، بشحمها ولحمها !! ، واقفة بجوار مخدعها مع خفيها الذهبيين وهذا رمز لسماويتها واصولها الالوهية ، لتمد يدها الى جسد سافو وتوقظ تلك الرغبة الدفينة والغائرة فيه ، وما ان استعدت او تهيأت تلك الربة الجميلة لفعل معجزتها الخالدة ، كان الفجر لسافو بالمرصاد . الفجر قد حال دون تحقيق ذلك السحر العجيب في سافو ، فاستيقظت سافو مرعوبة .. خائفة .. حزينة .. محبطة ليعيدها الى ارض الواقع اللعين .. قالت سافو لحظتها :-
– يا لك من فجر لعين اتيت لتحول بيني وبين ما اريد ………!!! .

الهوامش :-
1- عالجنا هذه الخبرة في مقال متواضع على عينة من نصوص الشعر العربي الحديث وكان بعنوان ” موت الحالم او الدفن حيا في الشعر العربي الحديث وكان قد نشر منذ سنوات في موقع الندوة العربية .
2- بهنام ، شوقي يوسف ، 2013 ، لميعة عباس عمارة وهموم الضياع ، دار أمل الجديدة ، دمشق ، سورية ، ط1 ، ص 61- 64 .
3- د. الخولي ، وليم ، 1976 ، موسوعة علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ط1 ، ص 315 .
4- عمارة ، لميعة عباس ، 1980 ، لو انبأني العراف ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، مطبعة اشبيلية بغداد ، ط1 ، ص 106 .
5- د. يونس ، عبد الحميد ، 2009 ، معجم الفلكلور ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، د. ط ، ص 421 ، وايضا راجع مادة الاحلام وتفسيرها في نفس المعجم ، ص 39- 40 .
6- د . يونس ، المصدر السابق ، ص 40 .
7- د. يونس ، المصدر السابق ، ص 91- 93 لمعرفة دور هذه الربة ورمزياتها وقد اشار صاحب المعجم مكانة هذه الربة عند سافو .
8- د . يونس ، نفس المصدر ، ص 92 .

شاهد أيضاً

عن الشعر العربي الفصيح الذي قيل في مدح الانكليز
مهدي شاكر العبيدي
اوستن –تكساس

الشعر العربي الفصيح الذي ينسجه الشعراء في القطر العربي الشقيق السودان، يحتفظ قبلاً وبعداً، بسمات …

نبيل عودة: يوميات نصراوي: النقد الشخصاني ثرثرة بلا مضمون!!

حضرت قبل سنوات ندوة ثقافية عن النقد الأدبي المحلي، قال ناقد معروف انه يكتب عن …

شوقي كريم حسن: عبد علي اليوسفي… محاولة تشكيل اليومي!!

*قد يدفع الهدوء الذي يعيشه الصبي، وسط بيئة مزدحمة بالخوف والضجيج، الحكايات التي تتجدد بشخوص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *