علي غدير: امرأة في فنجان

ali ghadirمرت ثلاثة أسابيعٍ، على سكناها في البويت، الذي اجتزأناه من دارنا، وقرر زوجي أن يؤجره؛ لعل مردوده المادي، يحسن مستوانا المعيشي. وبرغم أننا لم نكُ نشكو الفاقة؛ إذ أنني موظفةٌ، وزوجي مدرسٌ، ولم نرزق بأطفالٍ حتى السنة السابعة من زواجنا، إلا أن زوجي أصرَّ على تأجير البويت، لتحسين الدخل! زوجي الذي يتمتع بعبقرية (رياضياتية) كما يتصور، جعلته (يحسب) كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، ويزن الأمور بـ(دقةٍ)، لاعتقاده أن الحياةَ، عبارةٌ عن (معادلة رياضية)، لا بدَّ من (التدقيق) في حلِّها، لئلا نخرج بـ(نتيجة) خاطئة، تكيل علينا المصائب فيما بعد. هكذا علمته الرياضياتُ، التي تخصص بها عن عشقٍ جنوني، أن السعادة لا تساوي حبٌ (مضروب) في حبٍ، بل هي بلا أدنى شكٍّ، مالٌ كثيرٌ (مقسوم) على أفراد العائلة!
هو يفرحُ كثيراً، حد القهقهةِ، حين أشتري قطعةَ ذهبٍ ولو صغيرةٍ، ويحزن كثيراً، حد السؤمِ، حين أشتري أحمر شفاهٍ، ولو رخيصٍ، وحين أحتجُّ بأنني أتصرف بدخلي الذي يردني من وظيفتي، يجيبني بحزنٍ تمثيليٍ:
– (أموالنا ملكٌ لأبنائنا… يا عزيزتي.).
وكأنه بهذا يعيرُني، لأنني لم أنجب أخاً، أو أختاً، لابنته البِكرِ من طليقته، التي ظل كابوسُها مخفياً عني، طيلة الأعوامِ الثلاثةِ الأولى، من زواجنا المشؤوم. وبات ظلُها من بعد ذلكَ، يطاردني يوماً بعد يومٍ، فهي ابنة عمه، التي أبت أن تتزوجَ، برغم مرور عشر سنواتٍ على طلاقهما؛ فأمست صورتُها المرعبةُ، التي لم أرَها ولو لمرةٍ واحدةٍ، تهدد حياتي الزوجيةَ، خصوصاً؛ وأن زوجي العبقريَ، قد يشركُها في إحدى (نظرياتِ) حياتنا الأسرية، لأن (المطلوب إثباتَه) للمجتمع، قد أثبته هو بفحولته، منذ عقدٍ من الزمن، أما أنوثتي، فلا زالت لم تثبت شيئاً بعدُ! و(بما أن) أهلي وأهل زوجي، ينتظرون ولياً للعهدِ، على أحر من الجمرِ، (إذن) فلا بد من عودة ابنة العمِّ الوفيةِ إلى عهدته، كإحدى (الفرضيات)، لتنجب له أميراً، يرث التركة، (وهو المطلوبُ).
لكم كرهت الرياضياتَ التي بات يعاملني بها، حتى في سريرِ الحبِّ، فحين أهيمُ معه كأنثى، وأقبِّلُه بحرقةٍ جسديةٍ، تلتهب فيها خلاياي، وأذوب في شبقٍ يتخبط بي، كسمكةٍ تتلوى بين يدي صيادٍ مبتدئٍ، يقتلني بقوله فجأةً:
– لقد قبلتُك قبلةً زائدةً، إذ كانت قبلاتُكِ خمساً وثلاثينَ قبلةً، وقبلاتي ستاً وثلاثينَ.
حينها، أعجزُ عن أن أقيس حجمَ ألمي وإحباطي، وكرهي لذاتي، فتنحدر بيَ اللذةُ من القمةِ، إلى حضيضِ اللا مشاعرِ، إذ أرى أنني تمرّغت في حديقةٍ جفَّ عُشبها؛ فلم يلحق بي منها، إلا أعوادٌ يابسةٌ لا حياةَ فيها. وما كان يزيد على اللحنِ نغمةً أحياناً، قوله المقرفُ:
– ما أروعكِ، وأنتِ تستلقينَ بزاويةٍ منفرجةٍ بين يديًَّ، حينَ أمطركِ حباً من زاويةٍ قائمةٍ.
حينها أندب الحظَّ الذي نقم الله تعالى به عليَّ، ليلقيني بين أشواكِ أحضانِ هذا المنحنيَ فوقي، كذيلِ عقربٍ هجينٍ.
كالمعتوهِ تعوَّدَ أن يبحثَ دوماً، في (جذورِ) الأشياء، ويقترح أكثرَ من (حلٍ) لكل قضيةٍ، لا لحكمةٍ ينطوي عليها، بل لأن للـ(جذرِ) و(الحلول) المتعددة، علاقةٌ بمهنته. سمعته ذاتَ درسٍ خصوصيٍ، يُملي بحكمته الرديئةِ، على أحدِ طلبتهِ الخصوصيين:
– لكل شيء في الوجودِ (جذرٌ)، والحياةُ تبدأ عادةً بـ(جمعٍ) بين كائنينِ، (يطرحان) المشكلاتِ جانباً، و(يضربانِ) باليأسِ عرضَ الحائطِ، ويؤمنانِ بأنَّ كل شيءٍ (قسمةٌ) ونصيبٌ.
وحين حاورهُ صديقٌ من أصدقائهِ، الذين يعدّونَ على نصفِ أصابعِ اليدِ، عن جدليةِ الحبِّ من طرفٍ واحدٍ، قال زوجي الموهوبُ:
– الحب عموماً (ضربٌ) من الخيالِ، فهوَ لكي يبلغ مرحلة (التكاملِ)، يستوجب عدم (تفاضلِ) طرفٍ على الآخرِ، وهذا هو (التوازي) البشري، الذي لا تتقبله النفوس الطموحة.
لكن صديقه، الذي بدا حينها مغرماً بفتاةٍ ما، إذ لحظته يلمُ بأصابع كلتي يديه على قدح الشاي؛ دافع عن واقعية الحب بإصرارِ عاشقٍ، مؤمنٍ بالتضحية، من أجل الحبيب، فما كان إلا أن أتاه الجوابُ البتّار:
– (اطرح) القضية جانباً، وعليك بـ(الدالة) الواقعية، بلا (زيادةٍ) ولا (نقصان)، لتبلغَ (محصلةًً) مرضيةً.
*******

ثلاثة أسابيعٍ، وأنا أشم رائحة أنثى جديدةٍ، قريبةٍ مني، تمخر عِبابَ أفكاري باضطرادٍ غريبٍ، يشبه مرارةَ القهوة العربية، حين نحتسيها في مأتمِ عزيزٍ. أنثى تشاركني منزلي، الذي ظل خاصاً جداً طوال سنوات، أسعدتني فيها، قلةُ أصدقاء زوجي، وانعدامُ أهله عن بكرة أبيهم، خلال قصف الحرب الثمانينية، وهو الأمرُ، الذي شجّع والدتي حينها على ارتباطي بهذا الأبتر، بحجة أنني لن أعاني من حمى وحماة. ويبدو أن والدتي، قد ذاقت الأمرَّين، من جدّيّ لأبي، لتخرج بهذه الحكمة التجريبية:
– صدقيني يا ابنتي… لن تجدي مع هذا الرجل، أية مشكلةٍ.
لم تعِ أمي، أنني لم أجد الحياة أصلاً، مع هذا الرجل، ولذلك لم أجد المشكلات، لأن المشكلة تنشأ من تفاعلات الحياة، وتتفاعل معها.
ثلاثة أسابيع، وثمة امرأةٌ تدعى (زمن)، تشاركني منزلي، لفترة من الزمن. امرأةٌ لم ألتق بها بعدُ، تحاشياً لأن يصيبَ حدسي الخفي، الذي قلَّما يخطئ في مقياس الناس.
لم أوافق أول الأمر، على رأي زوجي، في اقتطاع جزءٍ من البيت وتأجيره، لكنني رضختُ أخيراً؛ لأنه بدأ ينقد الماضي، ويعلل الحاضر، وينظِّر المستقبل، فوجدتني في حلقة من النقاش الفارغ، الذي لا يجدي فتيلاً. لكن ما زاد في سوء ظني، أن المستأجر الذي هبط فجأةً، موافقاً على قائمة شروط زوجي، لم يكن سوى أرملةٍ وابنة صغيرة. أرملةٌ لم أر منها، سوى سوادٍ يلفها، من سمت رأسها إلى ظلها في الأرض، فهي تلقي على رأسها خماراً أسودَ، وتضع على عينيها نظّارة سوداءَ كبيرة، وتصبغ شعرها بلونٍ أسودَ، وتلقي على كتفيها بملاءةٍ سوداء، ذات أكمامٍ مبالغٍ في عرضها، وتحتذي حذاءً من الجلد الأسود؛ حتى أوحى لي السواد الشامل، الطاغي على هذه السيدة، بمحاولة منها لإخفاء لونٍ آخرَ! لكنها على العمومِ، كانت في غاية الأناقةِ والذوقِ، ولم يكن ثمةُ ما يقتل ذلك السواد القاتل، إلا بشرتها الناصعة الصفرة، التي تبدو وكأنها اشتُقت من الذهب، وما يلفت الانتباه؛ تبنصرها بحلقة الزواج، إشارةً منها للوفاء بالعهد، لفقيدها الراحل، في زمن بِتنا ننظر فيه إلى الوفاء، كخُلقٍ من أخلاق الكائنات المنقرضة.
لم أتمعن في ملامح وجهها، بسبب عتمة الغروب، وبُعدها عني، يوم تسلمت مفاتيح البويت من زوجي، الذي راح يُفرط في احترامها، على عادته من التملق للآخرين، وللغرباء منهم على وجه الخصوص. ولعمري، لكم تمنيت أن أتلمس ملامحها، واستشعر أحاسيسها، بينما زوجي يصف لها البويت، بأسلوب رياضياتي ممقت: (الحيطان في غاية (الاستقامة)، والأرضية (مستوية)، فلن تجدي صعوبة في غسلها. والشرفة عبارة عن (نصف دائرة)، يبلغ (قطرها) مترين. وحتى حبلِ الغسيل، مددته كـ(شعاعٍ) يصل بين (نقطتين)، على حافة الشرفة، و…….). لم أطق الإنصات أكثر، فقد بدأ ينتابني ذلك الغثيانُ، الذي لازمني منذ الزواج، فأصبح كحالة نفسية تخيِّم على مشاعري، حتى عندما أتحاسبُ مع البقالِ، على ثمن البقالةِ، ولا أجد علاجاً لهذه الحالة، سوى فنجانٍ من القهوة.
رائحةُ القهوة التي تفوح من البويت، ممزوجةً مع رائحة حبات الهيل، أمست تسلب لُبي، أنا المدمنة حد الثمالة والجنون، على القهوة، كإدماني على أغاني (نجاة الصغيرة). أتحرّق شوقاً لأنقف رشفةً، من هذا العطرِ البني الآسر، وأنا أستمع لـ(عيون القلب). فمنذ سنوات موتي، وأنا لم أتوانَ ولو لليلةٍ واحدةٍ، عن ممارسة طقسي المعتادِ، في الاستماع لأغنية من أغاني (نجاة) بينما أحتسي فنجان قهوةٍ، لاذعة المرارة، في حينِ يغطُّ زوجي في نومه، كـ(منحنٍ مفتوحٍ)، لا حياة فيه ولا روح، سوى شخيرٍ يتردد بمقتٍ مقزّز، ضمن (مقاييس متساوية)، في زفيرٍ وشهيقٍ، يبعثان على الاشمئزاز. فكنت أضعُ لاقطة الصوتِ في أذني، لعلّي أعيش لحظةً جميلةً، في عمرٍ مفقودٍ.
أشم رائحة القهوةِ، فتعتريني نشوةٌ قاتلةٌ، تهيم بي عِبرَ الجدار الفاصل بيني وبين البويت، الذي نبت كغصنٍ شذَّ عن الشجرة الأم، فأصل إلى هناك، حيث الأرملة وأبنتها، وأغوص في عمق الذاكرة، مع القهوة التي ربطتني بهذه الجثة (المستطيلة) الهامدة، التي لا تفقه سوى (الحساب) المجرد عن أية عاطفة. القهوة التي جرجرتني لمتاهات عدةٍ، خلال عمري، فاتخذت بالنيابة عني قراراتٍ شتى، كان البعض منها حاسماً، كموتي في زواجي. فرغبتي الشديدة في القهوة، ورغبتي الأشدُّ، كأية امرأةٍ أخرى، في سبر أغوار المجهول من مصيري، جعلاني أعشق قراءةَ الفنجانِ، وأجد في خطوط القهوة الرفيعة، خطوط مستقبلي العريضةِ، وفي بضع نقطٍ رسخت هنا وهناك، في جوف فنجانٍ، ملامحَ لأصدقاءٍ وأعداءٍ، ركنوا لي في زوايا من حياتي، لا يكنهُ سرَها، إلا اللهُ تعالى، وتتوهمها قارئات الفنجان، أولئك اللائي أوحين لي ولأمثالي، من حيث لا نعلم، أن نستشعر للقهوة روحاً، نتعبدها كما يعبد الوثنيون، أرواح آلهتهم.
تردد على مسمعي أن جارتي الجديدة (زمن)، من أبرع نساء المدينة في قراءة الفنجان، ولِمَ لا؟ وهي القادمة، كما قال زوجي، من (بغداد)، إثر أحداث العنف التي اجتاحت عاصمة الرشيد، عاصمة الفن والأدب والسحر والقهوة؛ فيما مضى، والانفجارات والإرهاب والقتل بسبب وبلا سبب؛ فيما حظر، والمجهول الذي لا تفك سرُّه أية قارئة فنجانٍ؛ فيما سيأتي!
أذكر حين كنت أدرسُ القانون في (جامعة بغداد)، ذلك المحل في شارع (الرشيد)، الذي كان يبيع البن والقهوةَ للسابلةِ، والذي كانت تفوح منه رائحة القهوةِ عن بُعدٍ يلفُت الأنوفَ، برائحته الذكيةِ، ويجبرني وآخرينَ معي، على النزول من الحافلةِ التي نستقلها، من شارع (السعدون) إلى شارع (المتنبي)؛ لنحتسِ فنجانَ قهوةٍ، مع السابلة الواقفين على رصيف المحلِ، والذين كانوا يرمقونني بنظرةٍ مستغربةٍ، إذ لم يألفوا منظرَ فتاةٍ تقف بين رجالٍ، من أجل أن تحتسي فنجان قهوة. في حين لم يكونوا يعلمون، أنَّ إدماني على القهوة، وحبي للتراث، هو الذي كان يستوقفني بينهم، إضافة لاطمئناني لهم، واستكانتي بينهم، إذ أنهم لا بد أن يكونوا جميعاً، أناسٌ رائعون. فالقهوة رائعةٌ؛ ولا يعشقها إلا رائعٌ. وفعلاً، لم يحدث أن تعرضت لأية معاكسةٍ، خلال توقفاتي ثمةَ، إلا إذا استثنت ذاكرتي، ذلك الموقفُ اللطيفُ، من شابٍ وسيمٍ، يرتدي بِِزَّةَ ضابط عسكري، كان قد أكمل احتساءَ قهوته، قبل وصولي، ولكنه ما إن رآني أتوقف، في رغبةٍ بائنةٍ لطلب فنجان قهوةٍ، حتى طلب فنجاناً آخر ليحتسيه، دون أن يبالي لزميله، الذي راح يستعجله في المغادرةِ، وقال له في محاولةٍ مفضوحةٍ، لإسماعي كلماتِ إعجابٍ جريئة:
– العمرُ ضياعٌ يا صديقي… باستثناء فنجان قهوةٍ، يجمعك بحسناءَ رائعةِ الجمال.
ولم يُعر نظرات المحيطين بنا، المستهجنة جرأته، أي اعتبارٍ، بل شجعته ابتسامتي المغروزة بحافة الفنجان، لأن يردف:
– هل تسمح الآنسة أن أتحمل تكاليف قهوتها؟ وإلا دفعتْ هي ثمن الفناجين الثلاثةِ!
نظرت إليه وقد اتسعت ابتسامتي واضطرب حاجباي، واتضح إعجابي برجولته السمراء، الفارعة القوام، المقلوبة الشعر، الحادة النظرة، وقلت:
– وهل تقبل فحولتك المتنططةُ، أن تدفع عنك أنثى، ثمن قهوتك؟
فأجابني بكلماتٍ لم أفهمها حينها، ربما لضيق أفقي الفكري، أو لتركيزي على جانبٍ آخرٍ فيه، غير الكلماتِ:
– إذا كان الثمن يحفرُ الذكرى في فؤادها بعمق… فإنني أقبل.
وغادر دون أن يضيف شيئاً، ودون أن يترك لي خياراً، إلا أن أدفع ثمن الفناجين الثلاثة، وكأنه حدد خيار الذكرى لا سواه.
تمنيت لو أنه انتظر لحظةً كي ألحق به، ليتأبط ساعدي، ونخبَّ معاً بين أطلال (بني العباس). أو لو أنه ركن كبقية الشباب، في نهاية الرصيف، منتظراً مروقي بجانبه، لكي يدلس بيديَ ورقةً، تحوي رقم هاتفٍ. ولكنه حث الخطى بثقةٍ مطلقةٍ، بأن النهاية ستكون لصالحه. ولم يلتفت إلى الوراءِ، ليبصر الحريق الذي شبَّ في ثنايايَ، والذي أذهب عنيَ، لأولِ مرةٍ، حتى طعم القهوة اللذيذ.
هل كانت مجرد مصادفةٍ في اليوم التالي؟ حين كنت جالسةً، في قفطير الكلية، مع زميلتين لي، نحتسي قهوتنا، وندردش في أمورٍ لا تبعد كثيراً عن الحب، وتجتر ذاكرتي حلاوةَ الأمس القريب، حين انتهت مدة الاستراحة، فقمت لأدفع ثمن ما احتسيناه، ففاجأني المحاسب أن الثمن قد دُفِعَ:
– أحد الزوارِ دفع الثمنَ، قبل أن يغادر، وترك لكِ هذا المغلَّف.
فضضته كمن يفضُّ غلاف علبةٍ، عن هدية عمرٍ، فوجدت في داخله، شريطَ تسجيلٍ لأغنية (إلى حبيبي)، للفنانة التي تشاركني بذات الاسمِ، (نجاة الصغيرة)، ومع الشريط، بطاقة زهرٍ أحمرَ، كُتب عليها؛ (الآن تعادلنا……. طارق).
– كيف كان شكله؟
عاد المحاسبُ، ليجيبني على سؤالي، بعد أن انشغل مع روادٍ آخرين:
– أسمرُ، ممشوقٌ، ذو نظرةٍ حادة.
– وشعرٍ أسودَ، مقلوبٍ إلى الوراء؟
ابتسم وهو يبصرُ كلاماً كثيراً في عينيَّ، وقال:
– كرجلٍ، يحب العودة إلى الماضي.
هو لا سواه، ولكن؛ أنّى له أن يصل إلى هنا؟ هل أنا أحلُم؟ سألت المحاسب الذي أعارني بعض اهتمامهِ، وأدرك أنني سأستدركه بسؤال جديدٍ:
– مع من كان يجلس؟
– مع جماعة كركوك.
ابن مدينتي إذن، وهو يعرفني ولا أعرفه، بل ويعرف اسمي، حيث اختار لي شريطَ سميتي، وربما هو يعرفني منذ زمنٍ طويلٍ، ويتابعني من دون أن أعلم. وراحت الأفكار الوردية تأرجحني، ما بين سعادة حلم، وبساطة واقع.
لم يُكثر الزمن على أن وشم في قلبي، تلكم اللحظات الجميلة، ثم غادر ليتركني بلا أملٍ، ويترك بين جوانحي، قلباً ينبض لرجلٍ مجهولٍ. ولم يتكرر اللقاءُ، منذ ذلك العمر الجميل… عمر الكلية.
ها أنا ذا حطامٌ، بعد سنواتٍ سبعٍ من الحادثةِ، التي قلبت حياتي، حتى أنني حين عدت إلى الحاجة (رسمية)، قارئة الفنجان في حيِّنا، صحبة أمي، بُعيد لقائي الطارقِ بطارق، قالت لي المرأة:
– وافقي يا ابنتي، على الشاب الأسمر الطويل، الذي سيتقدم لخطبتك هذا الأسبوع.
غمرني الفرحُ، حتى كاد قلبي ينط من بين أضلعي، ونظرت إلى أمي مبتسمةً، لأعلن لها فرحتي وموافقتي، ظناً مني أن ليس في (كركوكَ) من شابٍ أسمرَ طويلٍ، سوى طارق.
ظننت أن القدر يحييني، وهو يرفع كفَّه، ولم أكن أعلم أنه يرفعها ليصفعني صفعةًً، لا تقوم لي بعدها قائمةٌ، ولم أكن قد فقهت قول المتنبي:
إذا رأيتَ نياب الليثِ بارزةً
فلا تظنَّن أن الليثَ يبتسمُ
فحين اتصلت بي والدتي وأنا في (بغداد)، حيث أبيت في القسم الداخلي، في (الباب المعظم)، بعد أربعة أيامٍ من قراءة الحاجةِ (رسمية) للفنجان، لتخبرني أن الشاب الذي جاء لخطبتي، يُدعى (طارق)؛ صرخت بها:
– حدِّدوا موعد الزفاف، قريباً.
فوقعت الترحة بعد يومين، إذ (ليس كل ما يلمعُ ذهباً) ولا كل (طارقٍ) حبيباً، فلم يكن (طارقُ) الخطيب، هو ذاته (طارق) الحبيب، فالخطيب مدرسٌ للرياضيات، يبعد عني بضعة أمتارٍ، بعد سبع سنينَ، يُسمعني عزفاً شخيرياً خلاباً، يفض بكارةَ الحلمِ بغدٍ جميلٍ. أما طارق الحبيبُ، فبعد سبعِ سنينَ، لا أعلم عنه شيئاً، سوى أنني بدأت أبني حلماً جديداً، على تلكم الرسائل التي بدأت تردني، منذ ثلاثة أشهرٍ، على هاتفي النقّال، من شخصٍ مجهولٍ.
*******
متى ستعرفُ كم أهواكَ يا أملاً؟
أبيعُ من أجلهِ الدنيا وما فيها
بهذه الكلمات التي ألفها (نزار قباني)، وغنتها (نجاة الصغيرة)، وحواها شريطٌ جميلٌ، أهدانيه (طارق)، قبل سنواتٍ سبعٍ عجافٍ، أرسل لي المجهولُ، رسالته الأولى، فأجبتهُ بحيلة تفتق عنها قلبي الجريحُ، الذي نكأته الرسالةُ:
– من الطارق؟
لكنه لم يُجب، وفرَّ كما يفر الصغارُ في الظهيرة، بعد أن يرنّوا أجراس المنازل، ليقلقوا قيلولة الآخرين، ويقهقهوا بضحكاتٍ بريئةٍ، في الشارع الثاني، من دروب الحب.
هي ذات الأغنية التي حواها الشريط، (إلى حبيبي)، والتي من جرعاتها، أدمنت على (نجاة الصغيرة). قرأت الرسالة مراتٍ عدةٍ، وقد ترسبتْ في داخلي قشعريرةٌ لذيذةٌ، كانت تطفو على جسدي، كلما أنّت كلمات (نجاةٍ) في مسمعي، وها هي أمامي أشرطة كثيرة لها، لا سواها، مرتبة بأغلفةٍ سود، سوى شريطٍ واحدٍ بغلافٍ مميزٍ، حوى بطاقة زهرٍ أحمرَ، كُتب عليها (الآن تعادلنا…….) ومُسحت الكلمة الثالثة، التي تلت سبع نقطٍ، توحي بالرقم الأكبر لدى البابليين، والسومريين. مُسحت قطعاً، خوفاً من فضيحةٍ شرقيةٍ، تُبلبل قدري، وتُسمّر عمري، وتنزل الطامةَ على رأسي.
*******

كل ما أحببته في زوجي الخائبِ هو اسمه, فكنت أتفنن في مناداته به، وأتلذذ حين يمتعُني ببعض الحب, فقط؛ حين يكون حبُه خارج الرياضيات، فأغمضُ عينيَّ حينها، واسكِّر منخريَّ؛ لأطلق العنان لخيالي، في رياض الحب. لكن اللذة الخيالية، ما كانت لتلبث حتى تنسحق بكعب الواقع، حين يهمس زوجي في أذني، بأسلوبه المميت:
– أ كانت القبلة الثانية أمتع، أم الأولى؟
فالتزم الصمت؛ لأخمد البركان المغتلي في أعماقي، قبل أن أنفجر إلى أشلاءٍ متناثرةٍ، يجمعها زوجي (حسب التسلسل)!
كنت أجد عزاءي في هذه المحنة، داخل فنجان كبير من القهوة, أجرع منه دون احتساب، بل أحسه هو الذي يجرعني، وأكاد في نهاية المطاف،أن ألعق ما ترسب في قعرهِ من طما البن، لأستذوق لذعته الرملية، في جوفيَ العطِشِ، لشمس الحرية.
أمست الرسائل تأتيني كل يوم أربعاء، في تمام الساعة الرابعةِ، لتؤكد لي العلاقةَ، بين عدد حروف اسمي واسمه… ربما! وربما لتذكيري بموعد عودتي الأسبوعية، من (بغداد) إلى (كركوك)، أيام الكلية، وقت اللقاء بالمدينة الحبيبة والأحبة. إن أجمل الأسفار، سفرنا من مكان حبيبٍ، إلى مكان أحب, ومن أناس أحبةٍ، إلى أناس أحب. ولكن السفر الأمتع، يبقى في انتظارنا بعيداً، نرقبهُ ولا نحققه.
الجارة الجديدة (زمن)، قارئة فنجان من الطراز الرفيع, إذ بلغت سمعتها، أروقة المؤسسة التي أعمل فيها؛ فقد قالت لي إحدى زميلاتي؛ (هنيئاً لك هذه الجيرة، فبإمكانك أن تطلعي على حظك يومياً… وربما مجاناً!). أضافت الجملة الأخيرة بشيءٍ من المكر المقزِّز، الذي يكثر لدى أغلب النساء, ولم تعلم الزميلة، أنني لم ألتقِ بالسيدة (زمن)، حتى الآن. ولو أنها علمت، للطمت خدّها، كعادة أغلب نسائنا. لكنَّ كلماتها حفَّزت في داخلي شهوةً ما، شهوة النظرِ إلى الغدِ، كشهوةِ من ينظرُ من شرخٍ في جدارٍ، إلى حديقة الجيرانِ المحتفلين، فيلتهب صدره غموضاً، دون أن يفهم شيئاً من فرحتهم! ومن دون مقدماتٍ، قررت أن أزور (زمن)، لأتعرف عليها عن كثبٍ, وربما، لأنساق وراء عقلي الباطنِ، لقراءةِ فنجانٍ، بعد انقطاعِ سبع سنينٍ خائباتٍ.
وجهٌ منحه الذهب المعلق على صدرها وهجاً، أضفى لمعاناً على صفرته. وأنفٌ شدَّته الأيام، فأحالته كمنقار عقابٍ، يستنكر ما حوله، فيفتش في أريج الزهور، عن نتانةٍ مخفية! وشفتان مزمومتان مستديرتان، كحلقةٍ وسط صحراءِ خديها العريضين، الممتدين بانبساطٍ، يبعث بك على التأمل، حتى تبلغ عينينِ شديدتي الزرقة، يذكرانك فجأةً بغموضِ البحر، بهدوئه الخادعِ، وزرقته الكاذبةِ، التي تنطوي على نرجسيةٍ حادةٍ، تنعكس على المرايا المعلقة على جدران البويت، بكثرةٍ مبالغٍ فيها، أكثر من الرياء الديني، المتمثل بآياتٍ كتبت على النحاس، وعلقت في زوايا الغرفة الصغيرة, والتي تتمركز في أكبر لوحة توسطت الحائط المواجه لأريكة الضيوف، حيث خط عليها بكلمات الرب تعالى: (لا أقسمُ بمواقعِ النجومِ * وإنَّه لقسمٌ لو تعلمونَ عظيمٌ), هكذا نحنُ، نؤمن بالله تعالى، ولا نعمل بما يأمرنا به. ونقرأ كلماتِهِ، ونعلقها على جدران منازلنا، ولا نتعلق بها، إذ نحن ننساها؛ طالما هي أمامنا.
فاجأتني بابتسامةٍ منتصرةٍ، وهي تقول:
– أخيراً… زرتِني يا (نجاة)!
استغربت من رفع الكلفة المفاجئ بيننا، ولم ارتح لذلك. لكنني اعتذرت بمشاغلِ العمل، وقدمت لها الهدية التي جلبتها معي، كتقديرٍ اجتماعيٍ متوارثٍ، حثني عليه زوجي، وأنا أزور (الأرملة المسكينة، لأول مرةٍ) حسب تعبيره.
غزتني رائحةُ القهوة المنعشةِ، ما إن أطلت الفناجين، من باب المطبخ. جاءت لتنعش الذاكرة الدفينة في قلبي:
– إذن… فأنت موظفةٌ يا سيدة (نجاة).
ارتحت لكلمة (سيدة)، لا لكِبرٍ اعتراني ساعتها؛ بل لرغبةٍ كامنةٍ، في عدم رفع التكلُّفِ مع الغرباءِ. وضعت الفنجان على المائدة الصغيرة العالية الموضوعة أمامي، لأتأمَّل منظرهُ، وقلتُُ:
– نعم… أنا محامية.
– وهل تحبين القهوة؟
أعدت النظر إلى الفنجان، كعاشقةٍ لا تفتر عن النظر إلى حبيبها، وأسبلت جفنيَّ، وأنا أقول بتأنٍ:
– بل اعشقها.
بدهاء قارئات الفنجان، سألت وهي تتفحص ملامحي:
– وما بعد القهوة؟
صمَتُّ برهةً، قبل أن أجزم:
– أخشاه جداً.
– ليس الفنجان سوى مرآةٍ، نرى فيها حقائقنا، التي غفلناها!
قالت ذلك، وهي تحدق في إحدى المرايا الكثيرة المعلقة، وترشف من قهوتها، فعلَّقتُ على قولها:
– بعض المرايا تشوه الصور!
نظرت إليَّ من زاوية عينيها، وقالت:
– هنا تكمُنُ العلة، فتعتمد الرؤيا، على عيون القارئة.
– وهل عيناك حادتا البصر؟
– ستلمسين ذلك الآن… ناوليني فنجانك.
قلبت الفنجان على ماعونه، فانساحت من فمه بقايا قهوةٍ لذيذةٍ، تمنيت أن آتي عليها، عن بكرةِ أبيها. وراحت الخطوطُ تتمدد، والنقطُ تنتشرُ، والحلقاتُ ترتسمُ، لتفضح أسراراً طواها عمرٌ ثقيلٌ.
عكفت (زمن) ترمقني بنظرةٍ متفحصةٍ، بين لحظة وأخرى، كحائرٍ يحاول التأكد من أمرٍ غريبٍ، وأضحى الفنجان يتقلبُ حائراً هو الآخرُ، بين أصابعٍ ماهرةٍ محنكةٍ توحي بإمكانيات هائلةٍ، كتلك التي تصنع من لاعب جمبازٍ مهرجاً، يدهش الناظرين بحركاته السريعةِ، التي تكادُ تبدو تلقائيةً، من دون أن يعلموا، أنه تمرَّس عليها لسنواتٍ طوالٍ.
مر وقتٌ طويلٌ قبل أن تهتز شفتاها بكلماتٍ مهولةٍ:
– كارثةٌ كبيرةٌ… أوقعتِ نفسكِ فيها… فما بين رجلينِ متشابهي المظهرِ، مختلفي الجوهر، تتأرجحين… وثمةَ شقراءَ حسناءَ، زرقاء العينين تتربص بكِ، لتغمدَ خِنجرها في خَصر حياتك.
رفعت عينيها عن الفنجانِ، ورمقتني بنظرةٍ حمراءِ، وأردفت:
– هذا كل ما أراه!
وهل هذا قليل… لقد صبت عليَّ جام غضب الفنجان، في جملتينِ، كنت على يقين من أولاهما، ولكنني لم أعلم شيئاً عن ثانيتهما, فقلت لها في محاولةِ تحرٍ:
– من هذه الشقراء؟
أجابتني بمكرٍ باسمٍ:
– هل يهمُّكِ أمرها أكثر من الرجلين؟
تداركت هفوتي:
– إطلاقاً… لكنني أخشى النساء أكثر من الرجال!
نظرتْ إلى بقايا الكارثة، في الفنجان الذي لا زال يتراقص بين أناملها، وهمست:
– هي قريبةٌ منكِ بعيدةٌ عنكِ, ربما هي موظفةٌ تعملُ معكِ، في ذات المؤسسة، وربما هي من أقارب زوجكِ!
– وماذا بعد؟
– الفنجان يحاول إخباري بأشياء أخرى، لكنها تبدو مشوشةً عن الكشفِ، بعد قطيعةٍ تبدو طويلةً بينكما… ربما في المرة القادمة، سينكشف عنها الغطاءُ.
مرةٌ قادمةٌ… ويحي… ما الذي دهاني كي أقبِل على مثل هذا الطيش؟ أن أضع أسراري بملء إرادتي، بين يدي جارةٍ غريبةٍ، تقرأ الفناجينَ، وترتادها النساء من كل صوبٍ؛ يعنى أن أفضح نفسي أمام الملأ. ولكن… لا نفع من الانسحاب، ونحن في معمعة المعركةِ، إذ أن الانسحاب غير المدبَّرِ، قد يجلب علينا الثبور، ويكبِّدنا خسائر أكبر.
بشيءٍ من الدهاءِ قلت لها:
– ألا تكذب الفناجين أحياناً؟
ببديهية من يدافع عن عقيدته؛ صرخت:
– إطلاقاً… فالفناجين صادقةٌ، أما القارئاتُ، فبعضهن يكذبُ؛ لجهله بالعلم، أو لاستدرار المالِ، أو لغايةٍ أخرى في نفسهِ.
ابتسمت قبل أن تُردف:
– ولست من أولئك البعض.
نظرتُ في ساعةِ يدي، وقلتُ متظاهرةً بالعجلة:
– أدركني الوقتُ، عليَّ العودةُ، قبل مجيء زوجي من السوق.
نهضت معي لتوصلني إلى باب البويت، وقالت:
– تحياتي الصادقة له، ولعله يُشرفني بزيارته قريباً.
– باستهزاءٍ حذرتها:
– إياكِ أن تقرئي له فنجاناً!
– لماذا؟
– لأنك ستصدمين، لكثرة الأرقام التي يحتويها فنجانه.
ضحكت دون أن تفهم قصدي، أو لعلي أنا التي لم أفهم سر ضحكتها، فالغباء يلفنا أحياناً، حتى لنحسب الناس هم الأغبياء، وكأننا سكارى، يبصرون الناس يترنحون، فيظنون أنفسهم على ثبات.
*******
يا من يفكرُ في صمتٍ ويتركني
في البحرِ أرفع مرساتي وألقيها
رسالةٌ جديدةٌ، يبردني بها الرجل المجهول، في ذات الموعد المعلوم، فأسرع بتوثيقها وتأريخها، في دفتري ذي الغلاف الأسمر. وقبل أن أمسحها عن ذاكرة الهاتف، أجيب عنها بجوابي الممل اللذيذ:
– من الطارق؟
في محاولة مني، لأن أستذكر ضمن السؤال، الاسم الذي قتلني أحد حملته، وأحياني حاملٌ آخرٌ له، فيأتني الجواب:
– محب!
طالما كنت اكتفي بهذا الجواب الأبتر، لكن فنجان عصر الأمس، شجعني لأن أستدرك:
– ما الفرق بين الحب والمحبة؟
فجاءني الجواب صاعقاً باستهزائه:
– كالفرقِ بين طارقٍ وطارق.
لم أقوَ على المضي في المراسلةِ، أمام دموعي الهاميات على حظي المنكوب، وكعادته هو، لم يضف أي حرفٍ آخرٍ. فعللت نفسي بانتظار عمرٍ جديدٍ، حتى الرابعة عصراً، من الأربعاء القادم.
كنت مطمئنةٌ وأنا أراسله، انه ليس من معارف زوجي، لأنني دققت في أرقام هاتفه الخاص، فلم أجد هذا الرقم، الذي ينتهي بانتقاء دقيق، للرقم (4444). ما بال الرقم (4) يطاردني بحبه هكذا؟ هل سيكون له وقعه في نهايةٍ جميلةٍ… لأنتظر!
*******

عاد زوجي منهكاً، من الدروس الخصوصيةِ، التي بدأت تزداد على غير عادتها، في الآونةِ الأخيرة، وتتأخر حتى المساء، وتمنحه غالباً، وجبةً غذائية (في بيت أحد الطلبة)، حسبما يدَّعي. لم تساورني الشكوك يوماً، في إمكانية أن يخونني، هذا المعجونِ بالرياضيات، إذ لم أكن أتصور، أن يجد معتوهةً مثله، لتقع في غرامه. كانت حواراته وحركاته مقززةً، لكل ذات ذوقٍ، ولكن الأمر الذي بدأ برائحة عطرٍ نسائيٍ، تمخَّضَ في قميصه، ليلفت انتباهي قبل أسبوع؛ انتهى هذا المساءَ ببقعةِ أحمرِ شفاهٍ، على ياقةِ قميصِهِ، بُصِمَت بدقةٍ خبيثةٍ، وكأنها رسالةٌ أبرَدت بها امرأةٌ إليَّ. وما كِدتُ أواجهه، حتى تلعثم، وهو يقول:
– ماذا تقصدين؟ أنني على علاقةٍ محرمةٍ بامرأةٍ أخرى؟ أنا على (استقامةٍ) يا امرأة!
– محرمةٌ محللةٌ، هذا لا يعنيني… ما يعنيني أن أفهم ما هذا؟
أشرتُ له بدليل الجريمة، فأشاحَ بوجهه جانباً، وقال بارتباكٍ واضحٍ:
– أنت تعلمين، أنني لا أمارس أي عملٍ (زائدٍ) أو (ناقصٍ)، ولعله أحد طلبة الدرس الخصوصي، أراد أن يوقع بي، نعم… بالتأكيد هو أحد الملاعين، سوف أؤدبه غداً.
لم تنطلِ الحيلةُ عليَّ، لأنني أشم رائحة امرأةٍ، ذات شعرٍ أصفرَ، وعينين زرقاوين، كما نبأني يذلك الفنجانُ. وبدأت بالتقصي والبحثِ، في أوراق زوجي، الذي أمسى أكثرَ حذراً، من أي يومٍ سابقٍ؛ الأمر الذي عقَّد علي الأيام الأخيرة. وما زاد في إيلامي، أن الرسالة لم تردني يوم الأربعاء، حسب المُعتاد!
انتظرت الساعةَ الرابعة بنفادِ صبر، وتيقنتُ أنه سيكتب لي هذه المرةَ، وفق تسلسل الأبياتِ الشعريةِ، في القصيدة المغناة:
ارجعْ إليّ فبعدَكَ لا عِقدٌ أعلقُهُ
ولا أمسُّ عطوري في أوانيها
لكنه لم يكتب شيئاً! وبدا الوقتُ يمرُّ ببطءٍ وثقلٍ، حتى بلغت الساعةُ الخامسةَ، دونما جدوى. فانتابتني رغبةٌ شديدةٌ في أن اتَّصلَ به، لأول مرةٍ.
ازدردتٌُ ريقي، وارتفعت حرارة وجنتيَّ، وبدأتُ أصغي لتردُّد أنفاسي، وأنا أحاولُ الاتصالَ به، وبجهدٍ بالغٍ، استجمعت قوايَ، لأضغط على زرِّ الاتصال، ولأستمع لتلك العاذلةِ القبيحةِ وهي تردِّد:
– رقم الهاتفِ المطلوب مغلقٌ حالياً، أو خارجِ نطاقِ الخدمة…
ومن دونِ أن أعيَ، وجدتني أرد على المجيبةِ الآليةِ:
– أغلق اللهُ أبواب الجنةِ في وجهكِ، وأخرجكِ من نطاق رحمتهِ.
أين أمسى؟ لمَ لَم يُبرِد إليَّ اليوم؟ هل أصابهُ مكروهٌ ما؟ معاذ الله… (ربِّ يسّر ولا تعسّر)… ربي لا تُفقدني أملي الوحيدَ، سأجنُّ حتماً لو أنني فقدته، لا يمكنني أن أتصور ظلمةََ حياتي، بلا هذا البصيصِ من الرجاء!
بينما أنا في هذه الدوامةِ من الأفكار، وردتني رسالتُه:
– في زمن الانقطاعات المتواصلة… ينقطع الاتصالُ بيننا، لتتواصل المحبة!
على الفورِ أجبتهُ، دون أن أدري ما كتبتُ:
– أين كنتَ، أيها الأحمق؟
جاءني الردُّ، مستغرباً:
– أحمق!؟
تداركت هفوتي، على الفورِ:
– عذراً… لم أقصد المهانة، لكنني فقدت تركيزي؛ لتأخركَ.
– على العُمومِ، هي صفةٌ جديدةٌ، سأضيفها إلى خصالي؛ إن أعجبكِ ذلكَ.
– أعتذرُ ثانيةً، لا تعوّل على ما تسرعت به… لماذا تأخرت؟
– لأغيضَكِ!
– أحقاً؟!
– وقد فعلت.
– ما دليلُك؟
– كلمةُ (أحمق).
– ياه… تبدو لحوحاً.
– جداً.
– أتعلمُ… أننا لأول مرةٍ، نطيل المراسلةَ، من دونِ شعر؟
– لأن القصيدةَََََََ، ستنتهي قريباً.
– وماذا سنكتبُ حينها؟
– لن (نكتبَ) شيئاً عمرئذٍ، بل (سنفعلُ) أشياءَ جميلةً.
بلهفةِ من تستعجلُ يومَ عرسها، زففتُ كلماتي إليه:
– متى سيحدثُ هذا؟
– ما إن تخرجينَ من الفنجان!
لم أفهم مقصدَه، فتساءلتُ:
– ماذا تعني؟!
– اتركي الفنجانَ، وارفعي رأسكِ قليلاً، وانظري أمامكِ، عندها فقط سنلتقي… تحياتي الحارةُ.
ما الذي كان يقصدُه؟ وهل هو على مقربةٍ مني، إلى هذا الحدِّ، ليعلم أنني بتُّ أقرأ فنجاني بشكلٍ يومي، لدى (زمن)؟ أنّى له أن يعلم ذلك؟ لا بدَّ أن الوهمَ، قد خيّمَ على عقلي.
*******

ها هو ذا العطرُ ذاتهُ، عالقٌ من جديدٍ، في صدرِ قميصِ زوجي، وفي كُمّيه. وكأنَّه انطبعَ بعد عناقٍ شديدٍ، مع امرأة ما. راح العِطرُ يحفِّزُ فيَّ، ذاكرتي الشميّة، إذ أمسيتُ متأكدةً، أنني شَممتُ هذا العطرَ في مكانٍ ما، لدى امرأةٍ ما. لكنني لا أستطيع التركيز. وما زاد في الحدسِ ظناً، أن زوجي من جهتهِ بدأ يهتم بي، على غير العادةِ، ويحاول جاهداً أن لا يثير أعصابي، لأي سببٍ. لذا قررت أن لا أشير إليه بإصبعِ الاتهامِ، بل عليَّ أن أتحرى؛ حتى ألمس الحقيقةَ الخفيةَ.
جلستُ أمامَ السيدة (زمن)، منصتةً إليها، ناظرةً في قعر الفنجانِ، الذي يتلوى بين أصابعها جاهداً، ليسبر ما في أغواره من أسرارٍ، وراحت تتحدث:
– تلك المرأة التي حدثتكِ عنها، تحيكُ لكِ أمراً كبيراً, يكاد يكون وقعهُ شديداً على حياتكِ. ربما ستسرقُ منك زوجكِ، وربما ستذهب به بعيداً.
رفعتْ رأسها ناظرةً نحوي، وأردفت كأنها تبغي تبرئةَ نفسِها:
– هكذا يقول الفنجانُ، فالخط الذي يفصلكِ عن زوجكِ، بدء يربطها به.
راحت أنفاسي تضطربُ، وريقي يجفُ، وفي محاولة مني لاستعادة تركيزي، تركت الفنجان المتعِبَ، ورفعت رأسي الذي بدا ثقيلاً، ونظرت أمامي، فإذا بي أرى امرأةً ذات شعرٍ أسودَ، أصفرَ المنبتِ، وعينين زرقاوين. فوقع في قلبي أنها هي، التي تدور داخل الفنجانِ. وما أكد حدسي، أنني استطعت أن أميز رائحتها، من بين طياتِ عِبقِ البنِّ… هي ذاتُها الرائحةُ العالقةُ في قميص زوجي. أيمكن أن تكون هي؟ ولم لا؟ ولكن أنى لي أن أتأكد؟
*******

وضعت الخطةَ، ببساطةٍ شديدةٍ, سال لها لعاب زوجي الخائن. إذ أعلنتُ أنني أرغب بالمبيت، ليلةً أو ليلتينِ، في بيت صديقتي، التي تعاني مرضاً أقعدها فجأةً. رحَّب زوجي كثيراً بالفكرة, وذكرَ لي أحاديثَ نبويةٍ شريفةٍ، تعدد أجر من يعودُ مريضاً، بـ(حساباتٍ دقيقة)، ولعله لم (يحسب) للأمر حسابه، هذه المرَّةِ، كعادته.
غادرت المنزل عصراً، متجهةً إلى بيت إحدى صديقاتي، التي قررتْ مساعدتي، في تنفيذ الخطةِ. كانت الساعةُ تشيرُ إلى العاشرةِ مساءً، حين ولجنا بهدوءٍ وخفةٍ، أنا وصديقتي، عِبر بابِ المطبخ في بيتي؛ مستخدمةً نسخةً من المفاتيح. كنت استمع إلى ضربات قلبي، تدقُّ في أذنيَّ، من شدَّة الاضطراب والقلق, وخشيتُ أن يصدق حدسي، فامسكُ بهما متلبسينِ بثياب الخيانة، وصدق حدسي.
في غرفة نومي, على سريري, تحت شرشفي البنفسجي الحبيب، فوق وسائدي البيض النقيةِ، تجسدت الخيانةُ، كانا في لحظة الشبق, هو و(زمن)، حتى أنهما لم ينتبها لباب الغرفة، وهو يُفتحُ، وما كادت فورتُهما تهدأ، حتى ألفيانا أنا وصديقتي، واقفتانِ فوقهما.
بكل برودٍ، قلت له:
– كم قبلة، قبلتها أيها الخائن؟
راح يلملم أطراف الشرشفِ على جسده، وجسدها، وهو مهتاجٌ مرتبكٌ، كعصفورٍ وقع في مصيدةٍ. أما هيَّ، فكانت تتحرك بهدوءٍ تامٍ، وكأنها غيرُ مذنبةٍ؛ فانتابتني ثورةُ غضبٍ لبرودها، فشددتُ شعرَها، وخاطبتها:
– أيتها العاهرة… كيف تجرئينَ على النوم في سريري؟
– اتركيها… اتركيها… إنها زوجتي.
لسعتني كلماتُ أطلالِ رجلٍ، كان قبل دقائقٍ زوجي، وأعادتني إلى رشدي، لأتمتم ببضع كلماتٍ:
– ماذا… زوجتك؟
– نعم إنها ابنة عمي، طليقتي السابقة, وقد أعدتها إلى عصمتي!
– إذن… فلأكن طليقتك اللاحقة.
*******

مرّت الأيام التي تلت الحادثة، شديدةَ الوقعِ عليَّ، حتى أنني نسيت الأربعاء والرابعة, والرقم (4). ومر يومان على الموعدِ، كنت قد أغلقت هاتفي خلالهما، لئلا أتسلَّم أية مكالمةٍ أو رسالةٍ، من عاذلةٍ أو عاذلٍ.
أمام بائع قهوةِ، في سوق الـ(قورية)، يحمل التسلسل الرابع بين الدكاكين، وقفتُ لاشتري بعض البُنِّ، رحت أشمُّ كميةً منه، قربتها من أنفي، فسمعتٌُ همسَ كلمات رجاليةٍ، في أذني:
– هل هي من النوع الجيد؟
من دون أن ألتفت إلى مصدر الكلمات، أجبتُ بضجرٍ بائنٍ على ملامحي، لأنهي حواراً ربما يطولُ من دونِ فائدةٍ:
– لا أعلم!
حينها… جاءتني كلماتٌ جديدةٌ، توحي بحياةٍ جميلةٍ:
– لكنني أعلم… إنها من النوع الجيدِ، خصوصاً إذا ما احتسيتها، مع أغنيةٍ لـ(نجاة الصغيرة).
جَمُدَ الدمُ في عروقي، وتوقفت عن التنفسِ، قبل أن التفت إلى يميني، وأسالَ ذلك الشابَ الأسمرَ، الملتحيَ، الأحمرُ العينينِ:
– من؟
جاء جوابه، كعمرٍ جديدٍ:
– أنا الطارق.
——-

شاهد أيضاً

القلم
الإهداء إلى ابنتي: “جودي”
شعر: ياسمين العرفي

كتبْتَ الحروفَ رسمْتَ الرُّقَمْ أنرْتَ الطَّريقَ شحذْتَ الهممْ وتدري حقيقةَ بوحٍ بحبرِ فسبحانَ ميْتٍ بحيّ …

زيد الشهيد: الحكيمُ الذي أُسَمّيه فَجراً

(1) في مَسْاراتِ التَّعبِّد ، على بُعدِ مَتاهةٍ مِن التَّفكِّرِ تَتلَبَسُكَ الجذورُ غائبةً ، تَتوارى …

عِشْـــــــتُ الأمــــــاني
شعر: فالح الكيـــلاني

اللهُ يَخْـلُــــقُ في الانْســــانِ مَـكْرُمَــــةً فيهــا المَفــاخِرُ بالايمـــــــانِ تَختَـلِـــقُ . تَـزْهــو مَغـاني ظِلالِ العَــزْمِ تَرْفَعُـهــا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *