شوقي يوسف بهنام: من هموم سافو (النص رقم 2)

shawki yuosef 5*مدرس مادة علم النفس/كلية التربية/جامعة الموصل
لعل مفهوم المتعة Pleasure من المفاهيم التي اثارت الجدل فهي ” المتعة تصف مجموعة كبيرة من الحالات الذهنية التي يشعر البشر والحيوانات الأخرى أنها ايجابية أو مبهجة أو تستحق العناء. وتشتمل المتعة على العديد من الحالات الذهنية المحددة مثل السعادة والترفيه والاستمتاع والنشوة والشعور بالنشاط . ففي علم النفس، يصف مبدأ المتعة بأنها آلية ردود الفعل الإيجابية، تحفز الكائن الحي لتكرار الموقف الذي وجد فيه متعته في المستقبل. وفقًا لهذه النظرية، يمكن تحفيز الكائنات الحية بطريقة مماثلة لتجنب المواقف التي تسببت في الألم في الماضي . تجربة المتعة هي من الأمور الذاتية وسيشعر مختلف الأفراد بأنواع مختلفة وبقدر متفاوت من المتعة في نفس الموقف. وهناك تجارب عديدة للمتعة مرتبطة بتلبية المحفزات البيولوجية الأساسية، مثل الأكل أو التمارين أو الجنس. وهناك تجارب أخرى سارة مرتبطة بالتجارب والدوافع الاجتماعية، مثل تجارب الإنجاز والتقدير والخدمة. وغالبًا ما يعتبر تذوق الأعمال الفنية الثقافية والأنشطة مثل الفن والموسيقى والأدب من المتعة. وفي السنوات الأخيرة، أحرز تقدم كبير في مجال استيعاب آليات عمل الدماغ التي تجعل الإنسان يشعر بالمتعة. وتحقق أحد الاكتشافات الكبرى في هذا المجال على يد دكتور/ كنت سي بيريدج (Kent C. Berridge) الذي أثبت أن المتعة ليست تجربة وحدوية أو مركزية. ولكن المتعة من وجهة نظره تتكون من عمليات دماغية متعددة تشتمل على الحب والرغبة والتعلم التي يمكن أن تتحقق من خلال شبكات الدماغ المتميزة والمتداخلة بشدة. وبوجه خاص، تعزز هذا البحث من خلال استخدام ردود أفعال المتعة الموضوعية المنتزعة من الإنسان والحيوانات الأخرى مثل سلوك تعابير الوجه التي تعكس الحب/الكره لتذوق التماثل بين الإنسان والعديد من الثدييات الأخرى. وقد يؤدي تعاطي المخدرات للنشوة إلى إحساس بالسرور: إلا أن بعض المخدرات، غير المشروعة وغيرها، قد تعطي شعورا بالنشاط والخفة مباشرةً في عقل الإنسان عند تناولها. يمكن أن يؤدي ميل العقل بطبيعته للبحث عن المزيد من هذا الشعور (كما ورد في مبدأ المتعة) إلى الاعتماد والإدمان. وأشار كل من بيريدج وروبنسون (Robinson) أن إدمان المسكرات ينتج عن خطف المخدرات لجهاز “الرغبة” من خلال توعية النظام الهامشي الوسطى الدوبامين (1) . ايضا دخل هذا المفهوم في الكثير من الفلسفات الانسانية في مختلف العصور وكانت فلسفة ابيقور انموذجا لتلك الفلسفات في العصور اليونانية جيرمي بنتام وشوبهور في العصور الحديثة . ولا ننسى ايضا ان فرويد مؤسس التحليل النفسي قد ارجع مجمل السلوك الانساني الى مبدأين اساسين هما :-
1- مبدأ اللذة .
2- مبدأ الواقع .
او غرائز الحياة وغرائز الموت . وليس الغرض هنا استعراض كل الجهود العلمية حول اكتشاف طبيعة اللذة وسياكولوجيتها وبايولوجيتها ومظاهرهما المختلفة (2) .
**************
تمجد شاعرتنا سافو اللذة الى درجة توازيها بالعقل والابداع والسمو . وحتى لا نصادر سافو ونسقط عليها تصوراتنا لنقف عند النص الثاني من نصوصها . انها تقول :-
لسوف نستمتع
أما من يعيب علينا ذلك
فلعل الحماقة والاسى
يتوليانه
(سافو ، الاعمال الشعرية ، ص 10)
*******************************
وسياق النص يفرض علينا التأويل الذي نتبناه ومفاده ان هناك خبرة للمتعة المثلية الجمعية لدى سافو ومن يشاطرها تلك الرغبة . وتلك اللذة هي اللذة الجنسية الناتجة من لقائها بصديقاتها !! . ولكن سافو في نفس الوقت تعترف وتقر على ان هناك من يعيب عليها مثل هذه الطريقة للحصول على هكذا لذة . وفي تقديرنا ان اعتراف او تصريحها هذا انما يدل على ان هناك ، في زمانها ، من لم يرتضى لها هكذا سلوك وهكذا لذة . من هنا اتهامها لهم بالحماقة والاسى . والمترجمان الكريمان لم يقفا عن هذا النص ولم يعلقا عليه حتى ولو بعبارة قصيرة وعابرة . نحن الى الظن الى ان سافو في حال دفاع عن الذات . على الرغم من ان العلاقات الجنسية من هذا النمط كان شائعا ومعروفا في الحضارة اليونانية حتى ان القديس بولس قد اشار اليه ودعا الى نهيه وعدم ممارسته في احدى رسائله لأنه ، في نظره ، امر مناف للطبيعة البشرية السوية . نحن هنا ازاء تمجيد لهذا النوع من الحب او اللذة الناتجة عنه . انه وكما يعرف بلغة علم النفس الميل الجنسي الى نفس النوع Homosexuality مقابل الميل الجنسي الغيري Heterosexuality . ليس فقط دفاع عن الذات بل السخرية من الآخر لأنه لا يعرف قيمة مثل هذا الحب !! . هذا الموضوع قد يدخلنا الى موضوع شائك آخر الا وهو موضوع التحول Transformation في مجال الميول الجنسية . حيث ان المتحول يشعر بالغرابة او الحيرة في توجيه ميوله ورغباته الجنسية الوجه السليمة . هنا تضعنا سافو في صميم موضوع الخبرة . اعني انه لا يمكن لشخص ما الحديث عن خبرة ما دون الدخول الى اجوائها ومعرفة تفاصيلها . التجربة ثم المعرفة ثم الاغتراف مثلما يقول الصوفية في وصف تجاربهم الصوفية (3) . فسافو هنا تعيب بدورها على اولئك الذين لم يختبروا هكذا خبرة ولذلك تتهمهم بالغباء والبلادة والحزن . النص لا يمجد هذا النوع من الحب فحسب بل يدافع عنه ويعلي من قيمته وشأنه .
الهوامش :-
1- راجع مفهوم اللذة في الموسوعة الحرة ” ويكابيديا ” على الانترنيت .
2- كرينجلباخ ، مورتن ، ل ، 2015 ، مركز اللذة ، ترجمة : أحمد موسى ، المشروع القومي للترجمة ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ع 2608 ط 1 ، جميع صفحات الكتاب .
3- بني عامر ، معاذ ، 2015 ، الجسد والوجود ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، 78 .

شاهد أيضاً

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

رواء الجصاني: الجواهري في لبنان، وعنه: إفتتـانٌ وشعـرٌ.. ومصاهرة!

تناقل العديد من وسائل الاعلام، في الايام الثلاثة الماضية، ابياتَ شعـرٍ عن المأساة اللبنانية الاخيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *