علي غدير : لمعان

ali ghadirكعادتي منذ سبع سنين، أقف أمام المرآة قبيل مغادرتي المنزل، لأتأكد من انتظام هندامي، ونظافة فمي. بعد أن حسوت فنجان القهوة، التي تتقن زوجتي إعدادها. ثم أفعل ما بات طبيعةً راسخةً في كينونتي، فأمسح جبيني بحافة إبهامي. لكن اللمعان الذي يبرق أعلى جبيني، لا يكاد يخبو إطلاقاً!
أستقل سيارتي الفارهة لأنطلق إلى مقر عملي في مؤسسة (حروف) الثقافية، حيث تعمل معي خمس إناثٍ بصفاتٍ متباينةٍ، وبمواصفاتٍ متدرجةٍ، تتراوح ما بين الزهور والنخيل، مروراً بأشجار الليمون. ولست أنا سوى صاحب البستان، الذي حاك حوله الكثير من المنافسين الأقاويل، في مجال الثقافة، وفي مجال الفحولة، فأشاعوا ما أشاعوا… لكنني بقيت محتفظاً بالسر في سريتي!! تتنافس الأشجار على تظليلي، صيفاً وشتاءً، وتنقدح الفتن بينها، وتخمد بعد شبوبٍ يأتي على بعضها، ولا يصلني منه سوى فحيح لضى، على لسان هدهدي الحبيب (منى).
تصر (منى)، منظمة أعمالي، على تعديل ربطة عنقي بلمسةٍ عشرينيةٍ رشيقةٍ، تردفها بحروفٍ تداعب أربعيني:
– ما من أروع!
فأصر أنا على الإطلالة في المرآة؛ لتراني صورتي، وأنا أمسح جبيني بإبهامي، فيزداد لمعاناً بدل أن يخبو، فأخاطب (منى) قاصداً ذاتي:
– يا للروعة… لو لا لمستك الأخيرة، لأنهتني بداياتي!!!
***
في كل مرة تسألني (منى) عما يدفعني لمسح جبيني، فأجيبها بكلمةٍ تزيد استفسارها غموضاً:
– لمعان.
لكنها هذه المرة، لم تكتف بالإجابة المموّهة، فمضت تستشف التفاصيل:
– أعلم ذلك وأراه، لكنني أتساءل؛ لم تحاول طمسه، إنه يزيدك بهاءً.
لم أدرك طريقتها الذكية في المراوغة أول الأمر، فرحت أتدحرج:
– أ تقصدين أنك ترين هذا اللمعان؟!
– وكيف لا أراه؟ إنه يمتد إلى ماضٍ لذيذٍ.
انزلقتُ بمهارتها؛ فلمحتُ:
– ذو لذةٍ مؤلمةٍ.
أغمضت (منى) عينيها الرابضتين كخشفين تحت أفياء لمتها المنسابة بغضاضة سنابل، واستنشقت ملء صدرها المكتنز حناناً فتياً، قبل أن ترمم انشراخ ذاكرتي:
– أكاد أشم عبقه، ما ألذ الألم حين يعترينا لحظة حب؟!
ركزت نظراتها في جبيني، وهي تتفرسني:
– هل نشأ هذا اللمعان لحظة حب؟
بوجوم أجبت مراوغتها:
– لحظة موته.
– الحب لا يموت، هو قد يخبو، فيبني فينا بنيةً تحتية للعاطفة، تقوى كلما فشلنا وأحسسنا بالضعف، هو يبرق خلف غيوم النسيان، ما بين فينةٍ وفينةٍ، حتى يأتي عليه أمل، فيمطرنا لمعاناً.
– أ تعتقدين ذلك؟
– بل أؤمن بذلك… وأقدر على أن أثبت لك ذلك، بعد أن تسرد لي الذكرى.
ابتسمتُ وأنا أستسلم لذكائها؛ وأمسكت أطراف أصابعها الرفيعة، ووعدتها:
– ساعة الغداء… سنتناول الغداء اليوم معاً، وأبوح لك.
كانت (منى) متلهفةً للسرد، بعد أن أخبرتها بعمر السر:
– ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً، عمر هذا السر في قلبي بلا شريك. وها أنت تجلسين لمقاسمتي الألم، لعلك بهذا تخففين عني العناء.
– ابدأ… وأعدكَ بأن تنتهي براحةٍ لا تضاهى.
– كنت قد استأجرت شقةً قريبةً من جامعة (أوكسفورد) في (لندن)، حيث أشترك بدورة إعلامية لمدة شهر، رشحني إليها الحزب الذي أعمل فيه بصفة (مسؤول الإعلام)، ولأن الحزب أرادني أن أبدو بأزهى حُلة، بغض النظر عن المصاريف، التي يتحملها بالكامل… كانت نفقاتي تفوق خيالي!
لحظتها أرهقني الولع بأنثى، أية أنثى، أتباهى أمامها بفحولتي التي طغت على المكان والزمان. وفي المحاضرة الأولى، بل في الدقائق الأوَل، شدتني إليها منسقة الدورة.
كانت شابةً في الثلاثين، بسيطة المظهر، مرحة المحيّا، تتقن العربية بلكنةٍ شاميةٍ، ورثتها عن أمها السورية الأصل، بيضاء البشرة، سوداء الشعر، ذات خالٍ أحمرَ، يتراقصُ بغنجٍ كلما ابتسمت، يتلملم باشتهاء ما بين أنفها المدبب، وفمها المتحلق… خالٌ بنيٌ لا يسمح لي بنسيانه مهما عشت.
لم أكن لألفت انتباهها، لولا إلمامي بالشعر العربي الذي تعشقه (شنايا)، إذ تحاورنا حوله خلال استراحات المحاضرات، وحين سألتها عن معنى اسمها بالعربية؛ أجابت:
– (لمعان)… مكسواً بشيءٍ من الدلع.
انتهت محاضرات اليوم الأول، فوقفت أمامي ببنطالها الـ(جينز) الأزرق، وقميصها البرتقالي الفضفاض، تغريني بعرضها:
– أرغب في أن نجتمع على العشاء، فماذا تقترح؟
وجدتني أناور بهجومٍ مبيّت:
– في شقتي، سأعدُّ لكِ مائدةً فاخرةً.
– لا أشتهي غير الـ(بيتزا)، وسيكون الشراب عليَّ، هل تحتسي الـ(ويسكي)؟
أجبتها بعينيّ قبل شفتيّ:
– بشراهة.
ذهبت إلى الشقة وسارعت بالاتصال بالمطعم، الذي ترك لي بطاقة أرقامه، وقائمةً بلذائذه؛ وطلبت أشياءً كثيرةً، دعت صاحب المطعم يجاملني:
– لعلك دعوت فريق كرة سلة، ليلتهموا كل هذا يا سيدي.
استحممت مرتين، في محاولةٍ مني لأصل إلى ذروة اللمعان، واحترت في اختيار ما أرتديه، ففي البدء ارتديت الطقم الجديد، الذي ابتعته ليلة وصولي إلى (لندن)، وربطت ربطة العنق الحمراء، كي أوحي لـ(شنايا) بما يختلج في قلبي نحوها. ووقفت أمام المرآة أرقب نفسي وهي ترقبني، رأيتني في غاية الأناقة، وقمة التعقيد! فاقترحت عليّ المرآة أن أرتدي ما يناسب اللقاء من لباسٍ مريحٍ خفيفٍ؛ فكان القميص الأزرق والبنطال الأصفر الفاقع لعله يسر ناظر (شنايا).
– ما من أروع!
ابتسمت (منى)، وهي تلتهم الـ(كباب) بشهية مسيلة للّعاب، حين سمعت عبارتي الأخيرة، وقد أدركت أنني اقتبست عبارتها لترطيب الحديث. بينما أمعنت أنا في تأطير الذكرى الخالدة في قلبي بإطارٍ ماسي، يليق بمنزلتها البهية:
– ألقيت نظرتي على المائدة التي جلبها ثلاثة ندّل، وقررت أن أستحم مرةً أخرى، لأنني أحسست بخيطٍ من العرق، إنساب في مجرى ظهري وأنا أشرف على ترتيب المائدة. إنه العرق الذي يند عن جبين القلق، القلق الذي يغطنا قبيل ولوج عالمٍ يلوّح لنا بالسعادة، السعادة المموهة بالمجهول، المجهول الذي نعلقه على شماعة القدر، القدر الذي يتحمل فشلنا من المهد إلى اللحد، ولا نمنحه فرحة نصيرٍ صغير. بل نعلّق تلك الانتصارات نياشين فرح على صور أعمارنا.
ربما استغرقت ربع ساعة في تنظيف أسناني، ونتف شعيراتٍ من وجنتي وأنفي وأذنيّ، وربما أفرغت علبة عطر الـ(دانهيل)، أو كدتُ، على جسدي الرطب في الحمّام، من أعلاي إلى أسفلي، مركزاً على زوايا وأركانٍ عوّلت على فرحي بها.
كانت الصورة التي كونها فكري المرتبك عن (شنايا) في غاية الرفعة، وكنت برغم مبالغتي بالتهندم والتنظيم، أخشى أن لا أنال رضا ذوقها، فيخبو بريق اللحظة الأولى، البريق الذي يبني أروع العلاقات أو يهدم أعظم الأحلام. و(من يتقن لعبة البريق هذه، يستطيع أن يجمع رصيداً مترعاً من العلاقات، بل ويتحكم فيها، فيجني ألذ الثمار)، بحسب رأي مدير العلاقات في الحزب الذي أنتمي إليه.
مع الجرس رن قلبي يغرّد الفرح، وكاد الباب أن ينخلع من شدة ارتباكنا أنا وهو. وقفت أمامي (شنايا) بذات هندامها، الذي كانت ترتديه عند الصباح، وذات صورتها التي لم تضف إليها أكثر من بسمة!!
– طاب مساؤك.
قالتها وهي تنيلني قنينة الـ(ويسكي)، ملفوفةً بكيسٍ ورقي ملوّن.
– مسائي أحلى مساء.
أجبتها وأنا أطبع قبلةً ليست ببريئةٍ على خدها الأيمن، قبلةًٌ شارفت على المساس بالخال المختال.
سرت في أوصالي قشعريرة لذيذة، وأنا أشم رائحتها، وكدت أن أتهاوى لو لا أنني استندت إلى الباب حين أغلقته، بينما وقفت (شنايا) مذهولةً أمام المائدة العامرة، وهي تقول:
– ما كل هذا؟ هل جُننت؟ لم أطلب منك سوى الـ(بيتزا)!
– وكيف لا أجنُّ وأنتِ معي… بين ذراعيَّ.
قلت ذلك وأنا أقترب منها وأحيط خصرها المكتنز. وأسحبها بحذرٍ نحوي، حتى التصقا بطنانا. وراوغ أنفها مرمى شفاهي، بينما لذ لي أن أستنشق زفيرها الملتهب، وأترنح تحت لظى فمها الذي لا يعدو على أن يكون فوهة بركانٍ يزمجر، موعداً بالفوران.
قاتلٌ ومحيي، ذلك التيار الذي سرى ما بين البطنين، شعورٌ لا يمكن أن يصفه اللسان ، لأن اللسان جف ثورتئذٍ، وبات يبحث عن مكمنٍ يعيد إليه بعض الرطوبة الباعثة للحياة.
نادت علينا الأريكة الغامقة الزرقة، كيما نغوص في طياتها، فلبينا النداء. وكأن عمر علاقتنا يزيد على عمرينا معاً. ليس سوى الانسجام حام حولنا في تلك الدقائق اللذيذة المنعشة، وحين افرغت صبري القبيح في إناء لذتها الشهي، همست في أذني التي باتت بين شفتيها تمتص شحمتها:
– لم أمارس الحب بهذه اللذة مذ عرفته! سأبقى معك أيها التنين الشرس طيلة مكثتك في (لندن)، سأعيش فيك أياماً لا تـُنسى.
قبّلتها من شفتيها، قبلةَ منتصرٍ، وأنا أدعوها إلى المائدة، بينما هي تريد الاحتفاظ بلذة الانتصار. لم تأكل كثيراً ولم تشرب كثيراً، لكنها رقصت كثيراً وضحكت كثيراً، وأما أنا… فمارست الحب كثيراً.
كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحاً حين استيقظت، فوجدتها تجفف شعرها إثر الحمام. كانت تلمع في كل ثنية، فتبدد بلمعانها إرهاقي إثر ليلةٍ فاقعة الحمرة.
– هيا انهض واستحم… لتستعيد نشاطك قبل أن نذهب إلى الجامعة.
قالت ذلك، وهي تستلني بشدةٍ من السرير، وأضافت وهي تتجه إلى المطبخ:
– سأجهّز بعض القهوة، ريثما تُجهزُ أنت على الكسل.
كنا نحتسي القهوة بانسجام، فذكّرني طعمها بلذة طعم القهوة التي تعدها زوجتي بمهارة، فاكتنفني لوم الضمير، فقمت لأغير ملابسي، لعلي أنزع عني هذا الشعور الكئيب.
ارتديت بزةً جديدة، لأتظاهر أمامها على ألمع ما أكون، بينما ارتدت (شنايا) ذات البنطال وذات القميص، فكانت تزداد لمعاناً ساعةً بعد أخرى.
عند الباب مددت يدي إلى جيب سترتي، واستللت ورقة مالية من فئة المائة دولار، وأعطيتها لـ(شنايا)، ولو أنني سللت سكيناً وذبحتها به لكان الوقع أرحم:
– ما هذا؟!
تساءلت كبرياؤها، فأجابت حماقتي:
– لشراء بعض الحاجات.
– أ تسدد ثمن المشاعر؟!
أردفت جملتها ببصقةٍ غليظة، بصقتها في وجهي، فارتطمت كصخرةٍ بجبيني، وسالت على جاني أنفي حتى بلغت حضيضه.
لم أحرِ جواباً، سوى أنني أطرقت بنظري لأستمع إلى كلماتها المربّيات:
– هكذا أنتم… تحسبون أن لكل شيءٍ ثمناً، وتنسون أن المشاعر لا تُقدر! فاعلم، إن كان ثمة من يتوجب عليه الدفع، فذاك أنا؛ لأنني أنا من استمتع أكثر.
بهدوءٍ معلمٍ، بحثت في محفظتها بين أوراقها المالية، فأخرجت ورقةً من فئة الدولار، ورمت بها في وجهي، وهي تختم أرق لقاءٍ بأقسى خاتمة:
– للذكرى.
أبى (الدولار) إلا أن يلتصق بجبيني بضع ثوانٍ، قبل أن ينزلق ويتهاوى، وأظنني بعد أن خرجت (شنايا) غسلت وجهي عشرين مرةً، لكن موقع البصقة ظل يلمع على جبيني. ومنذ ذلك الحين، وأنا أحاول إخباءه، فلا يزيد إلا لمعاناً.
***
لم أشعر كيف استطاعت (منى) أن تمد رقبتها من فوق المائدة، وتطبع قبلةً على جبيني، وهي تقول:
– هكذا سيبقى جبينك يلمع، لكنه هذه المرة بسبب قبلة.
ساورني ذات الشعور الذي سرى في جسدي ليلة قبّلت خد (شنايا)، فتسللت كلماتي بحذر صوب (منى):
– تمنيت لو أن القبلة انحدرت مسافة أنف.
ابتسمت (منى) وهي تعلن البهجة:
– ربما سيحدث ذلك الليلة، شريطة أن نلتقي وجيبك خاوٍ.

شاهد أيضاً

ترسمني القوافي ريشةً تولّولُ
بقلم: سميحة فايز ابو صالح
–الجولان السوريّ .

أفتش عن طريق لا قمصان فيه تستر عورة مشقته أسوِّرُ الضبابَ بملامح السحاب العابر اسكّنُ …

لك ربك …ولي الله
سامية البحري

اذهب ونافق “ربك “بعيدا عني قل له أن ينزل عليك جارية حوراء واذبح له بقرة …

مقداد مسعود: أزرار

يا صاحبيّ القميص أحدكما سيكون شريفا كالأزرار : لا يهتك القمصان البالية (*) الأزرار : …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *