الرئيسية » ملفات » علوان السلمان : البحث عن دلمون والرمزية الأسطورية بنية سردية وإعترافية مفتوحة للتأويل (ملف/11)

علوان السلمان : البحث عن دلمون والرمزية الأسطورية بنية سردية وإعترافية مفتوحة للتأويل (ملف/11)

alwan alsalman 4العملية الابداعية نزعة انسانية حالمة بتاسيس نتاج ادبي انساني..والنص الشعري مغامرة المنتج(الشاعر) داخل عوالم اللغة لخلق المفاجاة الصورية التي تحرك الخزانة الفكرية للمستهلك(المتلقي)بتفاعلها وانفعالها والمنجز النصي المكتنز بعوالم الجذب..والاندهاش..
و(البحث عن دلمون)المجموعة الشعرية التي نسجت عوالمها انامل الشاعر محفوظ داود سلمان واسهمت دار فضاءات في نشرها وانتشارها/2014..بقصائدها التي تجمع ما بين القصيدة والقصيدة المقطعية التي يربط بينها الرمز الدلالي الذي فرض وجوده على النسق البنائي.. ابتداء من العنوان العلامة السيميائية بدلالتها الرامزة..الموحية ببعدها الرؤيوي وتداعياتها الفكرية ..و الذي يقترن بعدد من الاساطير منها:(جنة عدن التوراتية)و(ارض الخلود التي قصدها جلجامش بحثا عن اكسير الحياة) ويعني ايضا مملكة مفقودة في الادب السومري تقع في البحرين..)..والذي اعتلى لوحة مربعة اكتظت بالرموز والكتابات التي تحتضن الامتدادات الحضارية التي خلدها الحرف والقلم والتي لازمت مد البصر المنتهي بدائرة شكلت مركز الدال على المضامين النصية التي تجر الى عوالم الرؤى والادراك والتخيل..
رحلنا الى ميسلون لنبصر فيها دمشق
تؤسس يوتوبيا الفقراء..
تلم رمال الصحارى وتمتد في لغة الشعر
كان امرؤ القيس يخرج من كندة
هجرته العذارى بدارة جلجل.. ليس هنالك
مملكة او قياصرة تهب الملك او انبياء..
ذهبنا الى ميسلون وعدنا نرتق احلامنا
وثقوب تذكرنا وشربنا كؤوسا من الملح
ذات مساء..
رحلنا لنبحث عن وطن سوف ياتي من
البحر..من ماء دلمون لكن دلمون عارية
تلعق الطير اثداءها وهي تجأر تحت السماء /ص167 ـ ص168mahfoz dawod 2
فالشاعر يستنجد بالاسطورة كمدلول رمزي وفني فيمزج بينها وهمومه الذاتية القلقة بقلق عصره..بمقطعية ومضية متكئة على المجاز وكاشفة عن تجربة مكتنزة بطاقة ايحائية..فضلا عن انها خالقة للحظتها الشعرية التي تمضي من المجرد الى العياني يحققها منتج(شاعر)واع لحلمه الشعري وزوايا رؤياه الذاتية الفاعلة في توجيه الحوادث..لذا فهي تكشف عن تعدد زوايا النظر عبر مراياه المتداخلة..كون المقطع الشعري يعبر عن لمحة فكرية او رؤية حلمية مع اعتماد آلية المفارقة الشعرية التي تغني النص وتضفي عليه طاقة دلالية من اجل بلوغ صياغة فنية تزاوج بين البصري والذهني..بين الصورة المركزية(الواقع) والصورة الموازية(المتخيل)..بلغة تستثمر مفردات الطبيعة الحية وانسنتها لتشكيل الرمزية الادهاشية المنبعثة من بين ثنايا النص والفاظه..
ليست عصا موسى عصاي فتبدأ
الاشياء ثورتها وتنزاح الظواهر
يجيء منها السحر تورق في مثابات
من الدفلى وتزهر كل اوراق الطريق..
***
في كوخي الطيني كنت الوذ فيها
او تقود خطاي حتى النهر والباب العتيق.. /ص13
فالنص بايحاءاته الرمزية المنحصرة ضمن اطار تخييلي خارج المالوف ياخذ شكلا ايقونيا عبر بنية سردية اعترافية تعتمد التناظرات والثنائيات برؤية رمزية ذات طابع قصصي مشحون بطاقة حوارية منولوجية تعتمد الراوي السارد مع اعتماد التحولات بتوظيف اداة الاستدراك(لكن)..
لكن لي فيها مآرب..كنت في زمن انام..
مستيقظا بظلالها وألمها باناملي
في الثلج والليل القتام.. / ص13
فدلالة الرمز عند الشاعر تشير الى معنى كامن في فراغات النص من اجل انتاج دلالة متجاوزة في ذاته وسياقه العام..فهو يوظف الرمز كونه مادة ثرة بدلالاته وابعاده الفكرية والجمالية.. فضلا عن استيعابه لموضوعات سياسية واجتماعية وتاريخية وحضارية..لذا فالشاعر يستفز طاقته ايحائيا ودلاليا…كونه خيارا جماليا وتقنية فنية اضافة الى انه وسيلة يعتمدها للايحاء وجر المستهلك للكشف عن المعاني والدلالات التي تكمن وراء الالفاظ الحالمة التي من خلالها ينطلق الشاعر منشدا غربته الفكرية والفنية..
القرمطي انا اجيء من الصدى
من هامتي مستصرخا..
والملح يزهر في دمي من الف عام او يزيد
ورايت نفسي في نخيل الكوفة الحمراء
مصلوبا ولم البس انا تاج الامارة
او امير البحر كنت ولا انا ملكا من الصحراء
لم ابدأ صلاة الذئب او اسمع تراتيل العبيد..
قد كنت ابحث عن اله لم اجده
وكنت فلاحا انام على جذوع النخل في ارض السواد
او كنت احتطب الغناء من البطائح والوهاد
زادي انا رجع بعيد او تراتيل مهشمة
وفي زوادتي كسر من الاحزان انثرها مساء
مثل حطاب شريد.. /ص97 ـ ص98kh mahfoz dawod 2
فالشاعر يعتمد التداخل الجمالي الرؤيوي من اجل خلق حالة شفيفة من الايحاء مكتظة بالمعاني عبر حلمية تشكل الرؤية الشعرية التي تتخطى حدود الواقع الى افق متسع الفضاءات المكانية والزمانية باستخدام الاسطورة التي تشكل تاريخيا ملاذ الفرد لخلق حلة من التوازن النفسي مع المحيط والوجود المجتمعي..اذ بوساطتها تتم عملية الاستذكار..فضلا عن ان استحضارها يعني استحضار التاريخ متداخلا مع الميثولوجيا والحكاية..التي يعد توظيفها في النص الشعري رؤية ثقافية وفنية تكشف عن وعي جمعي بوصفها فن وفكر وتاريخ..اضافة الى انها تسهم في توسيع افاق المخيلة عن طريق الحلم والتخييل بوصفها رؤية متنامية..متشعبة في بنية الزمان التاريخي والمكان(الاثنو جغرافي).. اضافة الى ذلك اعتماده الرمز في الخطاب الشعري الذي يحقق نوعا من التجريب الجمالي الخلاق..
حزين انت في الاولمب..بعض الحزن
في عينيك يرسم لحظة التكوين والبدء..
ندوبا في جبين الشمس يدمي العالم المرئي
***
ملامح حزنك الازلي قد ينثال امواجا
يصل محارها نغما..واصدافا على الشطآن
والزبد..
اكاليلا من الاشواك..تيجانا من الاشجار
تعول في نشيج الريح موسيقى من الابد.. /ص147
فالنص يوظف الاسطورة كرؤية جمالية تعتمد الصورة الشعرية التي تحاول رصد الرمز في تشعباته الدلالية بتركيز التعبير وتكثيف الدلالة التي تعني اضاءة التجربة واكسابها بعدا جماليا وخروجا عن المالوف لتحقيق الاحساس بوحدة الوجود الانساني..اضافة الى استحضار دلالاتها وطاقتها الانسانية لتحقيق خطاب
شعري معاصر يشكل دفقة شعورية وانسانية..كونها(اداة لتحفيز الفرد لان يتخذ موقفا في مواجهة مشكلات الواقع ومن ثم يتخطاها ويخلق بديلا انسانيا فيها..)على حد تعبير برتولد بريخت..
وبذلك قدم الشاعر نصوصا شعرية باستقصائها نكشف عن رمزية تفضي الى ابعاد فكرية وفنية تداخلت بنسجها وبنيتها الداخلية على اساس معطياتها التي تفضي الى احتمالات لا متناهية من الدلالات والمعاني والايحاءات والصور التي يتشكل منها الخطاب الشعري المنفتح على افاق التاويل. تكشف عن شاعر تاثر بالمؤثرات والتحولات والتيارات الشعرية والفنية وكان انجازه الشعري البحث عن دلمون شاهدا في مسايرة حركة الشعر الحديث في استخدامها الرمز والاسطورة التي تعد(تعبيرا حضاريا شاملا عن الاحتياجات الروحية والجمالية العميقة الجذور في النفس المعاصرة..)

*عن صحيفة الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *