عبد الجبار داود البصري : أكواخ ليست صامتة (ملف/53)

abduljabbar albasriإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
يخيل لي أن الشاعر ” عيسى حسن الياسري ” أحق من غيره بلقب – الجنوبي – لأنه من مواليد – العمارة – إحدى مدن الجنوب , وسبق له أن أصدر مجموعة شعرية عام 1976 بعنوان – فصول من رحلة طائر الجنوب -, وفي عام 1979 أصدر مجموعة أخرى بعنوان – سماء جنوبية – وفي عام 1992 أصدر مجموعة تتحدث عن الجنوب بعنوان – شتاء المراعي – وقد صدرت له هذا العام مجموعة جديدة بعنوان – صمت الأكواخ – , اختار في تقديمها للقارئ قولا ً للفيلسوف الألماني – نيتشه – يقول .. ” نحن بحاجة للجنوب ..نحن بحاجة إلى نبرات صافية وبريئة ورقيقة
والجنوب الذي يتحدث عنه – عيسى حسن الياسري – بعيد عن حاضر الشاعر بينهما أكثر من خمسين عاما ً, وغائب عن الوجود بكل شخوصه المتمثلة في عبيد بن عنبر آخر الرعاة ,والجدة جرغد , والسيد حسن الياسري والد الشاعر , وحبيباته لأنهم صاروا في ذمة الخلود كما يفهم من قصائد الديوان وهو غائب الوجود بكل مظاهره الطبيعية ,فالنهر الذي كان يهيئ للعصافير أعشاشها , ويقيم المحبون عليه قداسهم قد نضب ماؤه وجف , والطيور المهاجرة من النوارس والإوز لم تعد تقصده , وأبراج الحنطة الشاهقة التي تلامس أطراف ثياب الغيم لم تعد قائمة ,لأن الفلاحين الذين كانوا يقيمونها انقرضوا وهاجروا نحو المدن , وإضافة إلى هذا وذاك فقد كانت تجربة الشاعر تتحدث عن زمان غائب لم تبق منه سوى ذكرياته وأصدائه وأشباحه , فسنوات الشباب العشرينية ضاعت ” كحلم أدركه صبح صاخب .. كقبرة خائفة هجرتني الأعوام
العشرينية ” , والسنوات تمضي مسرعة كالطيور : ” العام يمر كما ظل الغيمة .. ما أن أرفع رأسي لأراه .. حتى ينفض ريش جناحيه ويمضي ” والذين أحبهم واعتنى بهم كزهور الحقل غابوا عنه ” منذ زمان وأنا أحرس زهرات الحقل .. أدفع عنها شهوات لصوص الليل ِ.. وإغراءات البرق الكاذب ِ.. إذ ْعبرت تلك الزهرات شتاء البرد ِنستني ” , والأصدقاء الذين كان يجوب معهم الغابات الليلية تركوه وحيدا ً: ” من خلف رتاج البابِ .. أصغي لنشيج خطوات تعبر ُأرصفة الشارع ..فأتذكرهم ْ ” , وحتى امرأته التي نذرت قرطيها لأئمة الجنوب إذا تزوجت منه عادت عاثرة الحظ لا تجد فيه ما تعشقه المرأة فقد ذهبت وسامته مع من ذهبوا :
” أعرف أنك ِ آسفة هذي الليلة َ..كنت ِنذرت ِ إذ ْتفترشين طراوة قلبي .. دون صبيات القرية ِ..أن تعطي لأئمتها قرطيك ِالفضيين ِ..أنت ِامرأة عاثرة الحظ ِ.. فهذا الطفل تغادره الآن وسامته ُ..
وما تعشقه فيه المرأة ُ . .. ” .aisa 10
وتأتي بالدرجة الثانية بعد ظاهرة الحضور- والغياب ثنائية من نوع آخر بين الدال –والمدلول , ففي الديوان دوال لا مدلول لها وفي مقدمتها عنوان المجموعة ” صمت الأكواخ ” فهو دال لا وجود له في قصائدها الإحدى والثلاثين , وهناك مدلولات لا دوال لها وفي مقدمتها حديثه عن الحصار دون إشارة واضحة إليه في عنوان أي قصيدة من قصائد المجموعة .
اقرأ هذا الذي يقوله في قصيدة المحطة الخمسون :
” إني أحلم أن ْأشرع أحضاني ..وأضم إلى صدري أولادي ..أن ْنتبادل أرغفة الخبز ِ..ونشرب شاي الصبح الساخنِ ِ..ثم يقبل كل منا الآخر َ..ونغادر تحت سماء ٍ آمنة ِ … ” .
واقرأ هذا الذي يقوله في قصيدة ” أبو ابشوت ” :
” أيها الملك الذي يتأبط حزن رعاياه ُ.. أنت َارتحلت َ..وعلقك َ العصرُ فوق شماعة المدن القاتلة ْ ”
واقرأ إضافة إلى ما تقدم ما ورد في قصيدة ارتحال :
” تلك السنوات تظلل نافذتي كستائر داكنة ٍ..إني أبعدها بعض الشيء ..لأراك ِ … ” .
ومثل هذه المرارات تجدها منبثة في هذي القصيدة أو تلك وهي توثق آثار الحصار دون لا فتة تؤكد ذلك , والقارئ يفتقد في صمت الأكواخ أوزان الشعر وقوافيه ,ويجد نفسه أمام ( قصيدة نثر؟؟؟ ) تتكون من مقاطع قصيرة أشبه بالرباعيات يرتبط المقطع بالآخر بتسلسل الأرقام من ناحية وبوحدة الموضوع من ناحية , وكأنها تستبدل وحدة الوزن ووحدة القافية بها , وتستبدل وحدة البيت في القصيدة العمودية حيث يكون صورة يتشوف إلى قافيته التي تمثل وقفة عروضية , ووقفة صوتية ووقفة تعبيرية بوحدة المقطع الذي يمثل دائرة تسعى إلى الإغلاق بعدة طرق كالنمو والمفارقة , والاستعارة والسلوك المغاير , وانقطاع التكرار وما شابه ذلك , ففي قصيدة الظلال تغادر أشجارها تنغلق دائرة المقطع السابع بنوع من المفارقة , :” ظهيرة كل نهار ٍيأتي الطائر ْ.. يسألني أين أخبئ ظلي .. هو لا يدري أن ّ الأشجار المقطوعة َلا ظل ّ لها ” وفي قصيدة ” ارتحال ” تنغلق دائرة المقطع السادس باستعارة غير متوقعة : ” أصابع كفي ما عادت ْلينة ً .. في يوم ٍما كانت ْأجمل أمشاطك ِ ” وفي قصيدة ” لم أتوقف عن حبك ِ” تنغلق دائرة المقطع العاشر بسلوك مغاير:
” أحيانا ً ينقع ُطرف جديلتك ِ في قدح البيرة ِ.. أتوهم ُ أن ّجديلتك ِ ابتلت ْ بلبن ِ بقرتنا .. فأرفعها وأبل ُبها ظمأ شفتي ” , وفي قصيدة خيالات العمارة تنغلق دائرة المقطع الرابع عشر بتوقف التكرار وإحصاء الصور : ” حتى الآن أنتظر ُ ما لا يأتي .. أسراب َالبط ِ.. مواسم َ حرث ِ الحنطة ِ ..وفيضان َ النهر ِ ” .kh aisa 11
هذه الظواهر الفنية في بناء المقطع في قصيدة النثر , أو القصائد القصيرة جداً التي تشبه الومضات الجميلة وهي ظواهر بلاغية معروفة وربما اكتشفت ضمن بيت الشعر العمودي , ولكن الجديد فيها بالنسبة لقصيدة النثر الإكثار منها وتقصدها في حين كانت سابقا ًتأتي بشكل عفوي وقلة , ولقد كان الشاعر ” عيسى حسن الياسري ” صيادا ًماهرا ً لمثل هذه الجماليات .
ولعل أجمل قصائد الديوان هي ” المحطة الخمسون ” و ” مرثية أبو ابشوت ” و” غابات ليلية ” و ” رحيل آخر الرعاة ” , وتذكرني قصيدة ” مرثية أبو ابشوت ” بقصيدة – النهر المتجمد – ” لميخائيل نعيمة ” وقصيدة – النهر والموت – للسياب رغم خصوصية التجربة فيها .
وبعد .. فإن ّفي أكواخ ” عيسى حسن الياسري ” هسهسة خبز حار , صياح ديوك حجل , فتات من أزهار عباد الشمس , لذا فهي ليست صامتة وفارغة كما يوحي العنوان .
……………………………

” جريدة القادسية – الثلاثاء 14-أيار-1996 “

شاهد أيضاً

رحلة الكينونة المعذبة من منظور أخر
الإرسي: سيرة الذات وعناء الآخر في التجربة الإنسانية
د.علاء جواد كاظم* (ملف/109)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

الدكتور زهير شليبه: حوار قديم مع الشاعر الدانماركي بني أندرسن أجراه الدكتور زهير شليبه (ملف/2)

بمناسبة رحيل الشاعر بني أندرسن يوم الخميس في السادس عشر من آب 2018 مقدمة لا …

قصة قصيدة وطن رائية العرب.. قصة المشروع
فكرة القصيدة ومطلعها وخاتمتها الدكتور صالح الطائي(ملف/13)

إشارة: يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تفتتح هذا الملف عن “قصيدة وطن- رائية العرب” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *