جليل البصري : الرأس أولاً

jalil albasriـ ما دامت هناك قاعدة فإنّ القيادة تولد منها دائماَ..
هكذا بدأ الرفيق الحزبي حديثه الى رهط الحزبيين الذين جلسوا بدون نسق داخل الصف المدرسي البارد، ذات مساء…
امتعض الرفيق الحزبي المسؤول وهو يرى الرفيق حسين ينظر الى ساعته بضجر و قلق.
فقال:- رفيق أنتم عماد المستقبل أنتم القاعدة التي يولد منها رأس الحزب وقيادته، فبدون قاعدة جيدة صلبة وواسعة لا ينمو رأس الحزب معافى ولن يستطيع أن يدير دفة….
استبد القلق بالرفيق حسين.. فزوجته قد تركها في المستشفى وهي تلد.. و رغم أنه حاول الأعتذار عن حضور الإجتماع والانسحاب، إلا أن الرفيق المسؤول استكبر الأمر وأعتبره استهتاراَ بحرمة الاجتماعات الحزبية وخدش لقدسية الحزب الذي حسب ما يرى، أنه وحده من يستحق التضحية وأن نترك من أجله كل شيء.. مما جعل الرفيق حسين يشعر بالخوف و يضطر للأذعان..
في وقت متأخر نسبياَ وصل المستشفى بعد أن تخلص من الاجتماع والخفارة الحزبية، وبعد أن دفع مبلغاَ لا يستهان به لسائق التاكسي ليوصله بسرعة.. وجه الطبيبة المجهد، جعل قلبه يغوص في أحشائه وتقفز الى وجهه علامة هلع واستفهام كبيرة، تشبه أنفه مقلوبا.
– المولود بخير لكنه جاء خلاف المعتاد فلم يخرج الرأس أولا مما أضطرنا الى إجراء العملية، لإنقاذ المولود والأم، التي خرجت مجهدة وحالتها غير مستقرة بعد أن فقدت دماَ كثيراَ..
تذكر حسين أن الأولوية ليس للرأس كما قال الرفيق المسؤول، فلماذا عندما سارت الأمور مع جنينه حسب القاعدة، حصلت مشكلة؟ وكادت زوجته أن تموت.
تخيل للوهلة الأولى أن السبب ربما يكمن في أنها غير حزبية، وغير مؤمنة بمبادئ الحزب و ضوابطه، لكنه عاد وأكد لنفسه أن السبب هو أنها أمرأة حمقاء لا تعرف كيف تطبق هذه القواعد الرصينة..
استفاق من تأملاته على صوت الطبيبة و هي تطلب منه أن يحضر لها قبل الفجر ثلاثة أكياس دم.. إذا كان يريد أن تبقى زوجته على قيد الحياة..
تبلد وجهه و هربت عيناه، من وقع الكلمات.. بحث في ذهنه عن حقوق العضو الحزبي، فوجد أن من حقه أن يطلب مساعدة الحزب، وأن يستمع الحزب لآرائه و إنتقاداته.. فذهب الى بيت الرفيق المسؤول وطرق الباب الخارجي..
جاءه الحرس شاهراَ بندقيته وعلى وجهه تكشيرة أرتياب..
– أبتعد من هنا..
-أنا الرفيق حسين و زوجتي في خطر وأريد أن أرى الرفيق المسؤول…
نظر الرفيق المسؤول إليه من خلف النافذة، قبل أن تسترخي يده بالمسدس الكبير الذي حملته، وتنبسط أساريره المرتعبة.. وأشار الى الحارس بتركه لينزل للقائه..
– لماذا هذا الإزعاج في هذا الوقت؟…
– إنه من حقوقي كعضو في الحزب كما نص النظام الداخلي..
فأمتعض الرفيق المسؤول وأجاب :
– ماذا تريد؟.
– إن زوجتي في خطر رغم أنها لا تخالف تعليمات الحزب في عملية الولادة. وابتدأت من القاعدة لتنتهي بالرأس.. وهي بحاجة في هذه الليلة الى دم..
– وماذا أفعل لك؟ إذهب الى رفاقك وخذ أحدهم معك.
تبلد وجهه مرة أخرى و هربت عيناه من وقع الكلمات.. وبحث في ذهنه عن فقرة في النظام الداخلي تجيز أو تضمن له انصياع الرفاق لتكليفه لهم فلم يجد.. فعبر عن هواجسه للرفيق المسؤول، ورجاه أن يأتي معه.
فأستشاط غضباَ وقال:- هل جننت .. آتي معك في هذا الليل.. أغرب عن وجهي.
تبلد وجهه أيضاَ وبحث عن تفسير في النظام الداخلي لما حدث..
دفعه الحارس خارجاَ، لكنه تشبث بالبندقية، ضربه على رأسه فسقط أرضاَ، وعندما حاول النهوض لم يعنه جسده على رأسه الجريح، ليسقط في غيبوبة و يموت..

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *