د. عاطف الدرابسة : لغتي المكسورة

atef aldrabsaقلتُ لها :
كنتُ أكتبُ كثيراً عن الحُبِّ والأملِ والفرحِ ، وكان حرفي يتمدّدُ بين الشّرقِ والغرب ، يعبرُ الصّحارى والبحار والمحيطات دونَ تأشيرةٍ أو جوازِ سفر .
كانت لُغتي مثلَ الفُصول ، تعبرُ الصّيفَ دون ارتفاعٍ بدرجةِ حرارتها أو دونَ جفاف ، وتعبرُ الشّتاءَ بلا عواصفَ أو غيومٍ ، وتُغازلُ الخريفَ دونَ غُبار ، وتسترُ عُري أوراقِ الشّجرِ والنّفوس ، وتدخلُ أعماقَ الرّبيع مثلَ رسّامٍ موهوب أو عازفِ عود يُسكرُ القمر .
وها هي الآن تدخلُ عصرَ ملوكِ الفوضى والفتنةِ والطّائفيّةِ الجديدة ، والعولمة المشوّهة ، وزمنَ تحالفِ قوى رأسِ المالِ والعسكر ، وزمنَ إعادةِ التّقسيم بخُطى عرجاء ، وعقلٍ عاطلٍ عن التّفكير ، وروحٍ غيرِ صالحةٍ للاستعمال ، تحاولُ بحرفٍ مُجهدٍ مخنوق أن تُعيدَ اكتشافَ أسرارِ الفوضى والتّسيُّب ، وأن تسبرَ أغوار التّطرُّف ، وأن تُحدّدَ اتّجاه الغُبار الآتي من الغرب المُتوّحش ، غيرَ أنَّ جبالَ الوحلِ تحولُ دونَ ذلك .
تتساءلُ لُغتي وهي ترصُدُ حركةَ التهجير العربي الممنهج ، وترقبُ تحوّلَ الشّعوب العربيّة إلى جرادٍ جائعٍ يجوزُ البحارَ والحدود راثياً أهلهُ وأحبّتهُ وأصدقاءهُ الذين ماتوا بلا ثمنٍ أو قضيّةٍ : من المسؤول الحقيقي عمّا يحدثُ للعرب ؟ ومن الذي يحاولُ إنتاجَ هويّةٍ جديدةٍ للعرب ؟ ومن الذي يرسمُ بالحبرِ المسمومِ خرائطَ جديدة للعرب ؟ ومن الذي يحاولُ أن يخلقَ قياداتٍ جديدةً تحرسُ التّقسيمَ الجديد وترعاه ، كما أفرزوا من قبل حُرّاساً لدول سايكس بيكو .
هذهِ لُغتي المُقيّدة بقلبها المكسور ، وقلمها المكسور وحرفها المكسور ، ما عادت تعرفُ الفرقَ بينَ الملكِ والخادمِ وبينَ القائدِ وتاجرِ المُخدّرات ، وبينَ القاضي والمجرمِ ، وبينَ الشّريفِ والخائنِ ، وبينَ شُرطي المرورِ والرّاكبِ ، وبينَ قاطعِ الطّريقِ والعاشقِ ، وبينَ الأعلامِ الوطنية وثيابِ السّهرةِ ، وبينَ الخمرِ والحليبِ ، وبينَ فاتورةِ الهاتفِ ووثيقةِ عقدِ الزّواج .
لُغتي تبدو في حالةِ جنون ؛ فقد اختلط في معجمها الحابلُ والنابل والهامل والعاطل والحاملُ والعاقر والضائعُ ، باختصار لم تَعُد لغتي قادرةً على أداء واجبها ؛ فقد ماتَ آخرُ حرفٍ عربيٍّ كانَ يقولُ للشيطانِ : لا .

شاهد أيضاً

سامية البحري: رسالة إلى الإنسان.. فقط الإنسان

“وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم” لا تخجل من خطاياك ولا تبح بها لأحد. . …

فائز الحداد: رقصةُ الأنسة كورونا

على جنح خفاش همجي ولدتِ راقصة باليه منشطرة من دم التنين.. وأغنية الطاعون تهلهلُ على …

رفوفٌ ملتهبة
بقلم: أسيل صلاح.

يحتلني الدمعُ بلا مقاتلين أو خطاب تُمسكني الأربعون كقبلةٍ مائية جف عنها الصدى بين سطرين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *