جاسم العايف : جليل القيسي .. أيتسع (زورق واحد)..؟ (ملف/15)

jasem aliefإشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.

المقالة :
خلال الستينيات الفائتة استطاع القاص الراحل جليل القيسي ان يبلور نثره القصصي في ثيمات لا ينازعه عليها احد في المشهد القصصي العراقي والذي كان يضج بأسماء كثيرة ذوى بعضها، شيئاً فشيئاً، بعد ضجيج إعلامي متواصل ودوي لم يبق منه حتى الصدى . و بوأت مجموعته الأولى (صهيل المارة حول العالم) اسمه في الكيان السردي العراقي عبر غرائبية ثيماته ذات النزوع الكافكوي ، محتفظة بمحليتها دون ان تبتذل الواقع الذي تسعى لأن تتجاوز قشرته نحو النواة التي فيها كل أسرار العذابات والتشرد والقهر والالم الإنساني ، ولم تنشغل بالعابر والمؤقت مع احتفاظ دائم بالقدرة، دون كلل، على مواصلة التجريب حتى بات ذلك سمة من سمات فنه القصصي ، وقدراته الابداعية التي ثبتت اسمه كأحد اهم المستكشفين لعوالم جديدة في تخوم السردية العراقية- العربية عبر امكاناته النثرية المتميزة في نحت الكلمة وتخليص الجملة من زوائدها . وهو بقدراته التخيلية استطاع ان يخضع الواقع المحدد والتباس تناقضاته الاجتماعية لقدراته الفنية السردية من اجل كشف تلك التناقضات. نقل جليل القيسي ، مع قلة من كتاب الستينيات ، السرد القصصي العراقي الى ايقاع سردي متميز عندما إدخل عناصر بنائية لم تكن مألوفة في أساليب القص العراقي السابق ودمج الأسطورة والأحداث والشخصيات والمدن التأريخية المعروفة في التراث الرافديني مازجا بينها وما هو مَعيشٌ في الواقع ، مستخدماً في ذلك ((القيمة التعبيرية مقابل القيمة التجريدية)). وقد كشفت عوالمه القصصية مفاهيم ورؤى خاصة به ، منها التلازم بين الفردية والبطولة، ومواجهة عبث الوجود عبر الرفض المتواصل لحالات الاستكانة والذل والاندحار وتجاوز حقيقة مأساوية حياة الكائن الانساني وهو يواجه الحقيقة الموضوعية الكبرى المتجسدة بـ (الموت) وبذلك فانه وفر لشخوص نصوصه رؤى متوترة وسمت اعماله القصصية والمسرحية. وبتوجهه للكتابة إلى المسرح فانه حمل معه الى هذا العالم الخصب انضباطية الحوار وعذوبة الجمل واكتفائها بالتلميح دون ان تغرق في فضفضة حوارات اللغة المسرحية لدواعي الإطالة والتمدد حتى ضياع المعنى.
تعامل جليل القيسي في قصصه القصيرة جداً بقدرة غير تقليدية في كشف البؤرة وخلق ((الذروة – الصدمة)) في جمل قصيرة وثيمات ملغزة ، مولدا عالماً طريا وشحنات من الإدهاش بلغة فيها تكثيف واقتصاد وتقتير ، دون الإخلال بالفكرة التي تبدو كالماسة المشعة، بسطور قليلة انسجاماً مع فاعلية التقنية الفنية في (قصص قصيرة جداً).ولقد اقر بمكانته المتميزة في المشهد السردي العراقي اغلب الباحثين والنقاد العراقيين . وظل في إبداعاته القصصية والمسرحية مهموماً بالإنسان ومأساوية وجوده اليومي وتواتر إحساسه بالقهر و اللاعدالة ، مترفعاً بقدراته الفنية الثريةjalil 2005 1 عن الأنظمة والسلطات المتعاقبة التي عملت على قهر الانسان العراقي، وبقي متمسكاً بحريته الإبداعية الأصيلة التي تضع الكائن الإنساني وتوقه للحرية و للعدالة والجمال والحق في أفق ثيماته الفنية المتميزة. وتعزز ذلك من خلال ثقافته الرفيعة المتجددة وغناه الروحي المتنوع ومعرفته العميقة لكنه العملية الإبداعية وأسرارها الفنية وموهبته التي حولت قصصه القصيرة الى جزء حيوي في نسيج السرد القصصي العراقي الحديث.

*عن موقع الناس

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.